تنطلق التظاهرات والاحتجاجات في العادة لسببين:

الأول: موقف سياسي يحرك الشارع باتجاه التصدي له وإجهاضه.

الثاني: عامل اقتصادي يتعلق برفع الأسعار، وتدني المستوى المعاشي بما يخلق حالة سخط لدى الجمهور يتسبب بانفجار شعبي ينتهي بثلاثة خيارات، هي: الاستجابة من قبل السلطات لمطالب المتظاهرين وإطفاء نيران غضبهم- التوصل لحلول وسطية تسحب صاعق الغضب الشعبي وتهدئ الشارع المشتعل- الإطاحة بالحكومة أو النظام الحاكم برمته.

في كثير من الأحيان تلعب الأحزاب والقوى السياسية المناهضة للنظام الساسي دورًا مهمًا في تحشيد الجمهور، وتعبئته لتحقيق مطالب بعينها، وتاريخ العراق حافل بهذا النوع من الاحتجاجات. لكن غير المألوف ولا المعروف هو أن يكون الشارع بكل فئاته ومستوياته وطبقاته وانتماءاته بالضد من الطبقة السياسية الحاكمة بجميع مستوياتها وانتماءاتها وتوجهاتها! وتزداد الغرابة حين يكون الماسكون بمقدرات البلاد لصوصًا لا يتورعون عن السطو على المال العام بكل الوسائل المتاحة.

هذا هو العنوان الأبرز لانتفاضة تشرين العراقية؛ الجمهور يثور على اللصوص… الأحرار ينتفضون على سراق المال العام..المعوزون والعاطلون والجياع يزحفون لاستعادة حقوقهم المسروقة من قبل أحزاب تسلطت على رقاب الرعية، بالخداع والتضليل، ثم أحكمت قبضتها على السلطة لتجعل منها فرصة نادرة للمغانمة والإثراء، وإفقار الشعب برمته في (تجربة) غير مسبوقة في تاريخ الأمم والشعوب!

الدلالة الأكثر وضوحًا في انتفاضة تشرين العراقية هي أن دوافعها ليست سياسية، وجذوتها لم تتقد بسبب المنهج السياسي الذي تنتهجه الحكومة في التعامل مع قضايا الداخل والخارج إنما نتيجة الخراب الذي أحدثته الطبقة الحاكمة في البلاد وجعلتها كعصف مأكول.

في انتفاضة 29 أكتوبر (تشرين أول) عام 1956 شهدت بغداد تظاهرات عنيفة احتجاجًا على موقف الحكومة من العدوان الثلاثي على مصر.

كان الجمهور العراقي يتوقع موقفًا حكوميًا معبرًا عن الهوية العربية للعراق في لحظة تعرضت فيه أكبر دولة عربية إلى عدوان صريح، على العكس من ذلك ترجم النظام السياسي موقفًا متواطئًا مع دول العدوان بل وداعم لها أحيانًا، ما نتج عنه انفجار شعبي انطلقت شرارته من الإعدادية المركزية في بغداد وسرعان ما اتسعت مساحة الاحتجاج لتشمل ثانويات الأعظمية والكرخ وغيرهما.

لم يرفع الطلبة المتظاهرون شعارات تطالب بمحاربة الفساد المالي، لأن الدولة لم تكن آنذاك وكرًا للصوص، ومرتعًا للطائفية والجهل، ولم تكن الأحزاب دكاكين سياسية تعتاش على شعارات كاذبة تتخذ منها تجارة رائجة، بمعنى أن دافع التظاهرات كان وطنيًا سياسيًا وليس وطنيًا إصلاحيًا، وهكذا كانت دوافع معظم التظاهرات والانتفاضات التي شهدها العراق عبر تاريخه الحديث والمعاصر!

ما يميز انتفاضة تشرين العراقية هو أن دوافعها تصحيحية اصلاحية، وإن السبب الرئيس وراء انفجارها هو الفساد واللصوصية التي صارت السمة البارزة في سلوك الطبقة السياسية الحاكمة.

لا يصنف سخط الشارع المنتفض على الطبقة الحاكمة في خانة (الصراع السياسي) ذلك لأن الطبقة الفاسدة لا تمتلك منهجًا واضح المعالم لإدارة البلاد يمكن أن يكون موضع رفض واستهجان من الجمهور كما كان الحال مع الأنظمة السياسية التي توالت على حكم العراق منذ تأسيس الدولة العراقية في أغسطس (آب) 1921 وحتى أبريل (نيسان) 2003، الطبقة الحاكمة تمتلك فقط أذرعًا أخطبوطية، ومنظومة شيطانية مسخرة لسرقة ثروات البلاد، وحرمان أجيال كاملة من فرص العيش الكريم بحده الأدنى، فضلًا عن سعيها المفضوح لمسخ الوطنية العراقية، وتمزيق النسيج المجتمعي العراقي، وإحلال التبعية بديلًا عن الاستقلال والسيادة!

هنا يطغى البعد الجنائي على السياسي بوضوح في رسالة المتظاهرين وأهدافهم ومطالبهم، فالحاكم سارق والشعب مسروق، الطبقة السياسية مجموعة من اللصوص، أما المنتفضون فهم جمهور عريض يمتد عمقه المجتمعي على امتداد الجغرافية العراقية عموديًا وافقيًا تم تهميشه وسرقته وتضييعه وحرمانه من فرص الحياة والازدهار والتطور.

المطالب لا تقتصر على تصحيح الانحراف وإصلاح منهج الحكم، بل يشمل إزاحة الطبقة السياسية برمتها تمهيدًا لمحاكمتها كــ(فريق) من اللصوص الذين مارسوا السطو المسلح بابشع وأوضح صوره!

لا يبدو الحوار مجديًا وليس ذا معنى أصلًا بين اللص والضحية، ولا تبدو الدعوات للإصلاح ذات معنى إذا انطلقت من إماكن مدنسة، فالفضيلة لا يدعو لها الأبالسة، ولا يحققها الشياطين!

قتل المتظاهرين بأدوات السلطة وأذرعها عمق البعد الجنائي للصراع، وجعل الجانب الجنائي فيه مركبًا ومزدوجًا، فمن كان مجرد لص (حكومي) قبل الانتفاضة أصبح بعدها قاتلًا عن قصد وسبق إصرار! القصاص لا يقتصر بعد اليوم على الفاسدين بصفتهم لصوصًا بل سيطالهم كمجرمين وقتلة أيضًا!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد