عَلَقت مفردة الشرعية بفم السيد عادل عبدالمهدي، أثناء خطاباته وتصريحاته، المتعلقة بموجة تظاهرات تشرين التي عمت العاصمة بغداد وجميع المحافظات الجنوبية، وبدأ يتساءل مستغربًا عن السند القانوني للإضراب الشعبي الذي شاركت فيه معظم شرائح الشعب، تعبيرًا عن مساندتهم لمطالب المتظاهرين المتمثلة بإصلاح النظام السياسي وتعديل الدستور ومحاسبة الفاسدين. ولم يكن رئيس الوزراء، يشعر بأنه خرج من رحم منظومة سياسية لا شرعية ولا يزال يتغذى من حبلها السري.

فلو أردنا مناقشة شرعية النظام السياسي القائم منذ العام 2003، لما بذلنا جهدًا في الجزم بإن هذا النظام باطل وغير شرعي بكل المقاييس؛ بنى بريمر النظام السياسي الحالي وفق المحاصصة الطائفية بعيدًا عن إرادة وتطلعات الشعب للحرية والديمقراطية والدولة المدنية، وقسم إدارة شؤون الدولة بين أحزاب سياسية لا تمتلك البرامج السياسية الوطنية في إعادة بناء الدولة، وتفتقد، أيضًا، الشعور بالانتماء إلى الوطن، وقد تسبب، نظام بريمر، بنشوب صراعات طائفية وقومية بين أبناء الشعب أدت إلى مقتل مئآت الآلاف وتشريد الملايين من العراقيين، وخلف هذا النظام، بلد متشظ متخلف ينخر الفساد كافة مؤسساته العسكرية والمدنية على حد سواء.

ولو أهملنا لا شرعية حكومات المالكي والعبادي وما رافقتها من أزمات سياسية واقتصادية واجتماعية وعمليات فساد، يشهد العالم أجمع على فداحتها، وتوقفنا عند محطة تكليف عبد المهدي بتشكيل الحكومة، لوجدنا اللاشرعية عنوانًا براقًا لتلك المحطة، فقد جاء تكليفه بعد انتخابات مثيرة للجدل، لم تتجاوز نسبة المشاركة فيها 19 بالمئة من الشعب العراقي، سيما وقد أثارت حولها كثير من منظمات المجتمع المدني المحلية والعالمية وشخصيات سياسية ودينية، شكوكًا بالتلاعب والتزوير لصالح أحزاب وكتل سياسية مختلفة، وقد أكدت لجنة تقصي الحقائق المشكلة من قبل مجلس الوزراء آنذاك، تلك الخروقات.

وجاء اختيار السيد عبدالمهدي رئيسًا لمجلس الوزراء بعد اتفاق سياسي، غير شرعي، تم عقده بين كتلتين برلمانيتين، دون تحديد الكتلة الأكبر التي من حقها، دستوريًا، تكليف شخصية تتولى تشكيل الحكومة، حيث تجاهلت القوى السيلسية، المادة (76) أولاً، من الدستور العراقي التي تنص على: «يكلف رئيس الجمهورية مرشح الكتلة النيابية الأكثر عدداً بتشكيل مجلس الوزراء خلال خمسة عشر يومًا من تاريخ انتخاب رئيس الجمهورية». لكن للكتل السياسية إرادة أقوى من بنود الدستور.

وواصلت حكومة عبدالمهدي مدعومة بزعامات نظام المحاصصة الطائفية، بخرق أهم بنود الدستور، وخاصة تلك المواد التي وضعت لحماية الحقوق والحريات العامة للمواطنين، كحق التعبير والاجتماع والتظاهر السلمي، فقد سعت حكومة عبد المهدي وحلفائها جاهدين إلى قمع التظاهرات الشعبية بواسطة الرصاص والغاز المسيل للدماء والدموع وتكميم الأفواه من خلال قطع الإنترنت وإطلاق التهم الجاهزة على المتظاهرين.

وكشفت حكومة عبد المهدي عن وحشية ودموية النظام الشوفيني القائم بارتكابها إبادة جماعية وجريمة ضد الإنسانية، من خلال قتل المتظاهرين السلميين؛ لقد أسقطت أدوات قمع النظام في غضون شهر، أكثر من 350 شهيد و15 ألف جريح في ساحات التظاهر، واغتيل، واختطف واعتقل مئات آخرين، لمجرد اشتراكهم في تظاهرات سلمية مطالبة بالإصلاح وإنهاء المحصاصصة الطائفية والفساد، فيما لا يزال عبدالمهدي يتحدث عن الشرعية!

الشعب مصدر السلطات والتشريعات، وليس بحاجة إلى موافقة سلطة لاشرعية قتلت شعبها، على تنظيم التظاهرات والاعتصامات والشروع بالإضراب عن العمل وغلق كافة مؤسسات وهيئات ودوائر الدولة، فهو، أي الشعب، صاحب القرار في أختيار الطريقة التي يرغب بالتعبير من خلالها عن إرادته السياسية. وإن ما يجري، اليوم، في ساحات التظاهر وخارجها ما هي إلا انتفاضة شعبية ضد نظام القمع والفساد وزعاماته التي جاءت بلاشرعية وسترحل دون نيلها.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد