جاء الاحتلال الأمريكي بطبقة سياسية محافظة متدينة هي الأكثر فسادًا في تاريخ الرافدين المروي. وليس من المبالغة أن تصف الطغمة الحاكمة اليوم في العراق بهذا؛ فرغم مرور العراق عبر تاريخه العريق بمصاعب ونكسات، ولكنها لم تطل بهذا القدر، ولم يذكر التاريخ لنا ميليشيات متناحرة ومتنفذه بهذا الحجم. وتلك الهوة بين الثروات والمداخيل الوطنية نسبة لمستوى الفقر وانعدام الخدمات لعموم الشعب. وليس من الغريب أن يأتي العراق في المرتبة الثامنة في الدول الأكثر فسادًا في العالم[1]حسب مؤشر الفساد العالمي.

الريع العائلي

العوائل المتنفذة والمستفيدة من النمط الريعي للإنتاج تتحكم في السلطة؛ فأسرة البرزاني في إقليم كردستان لازالت تحتكر السلطة منذ تسعينات القرن الماضي، ويشغل أفراد الأسرة المناصب الأهم في إدارة الإقليم، بالإضافة إلى امتلاكها الشركات الخدمية الكبرى، وبالتالي تتحكم بمجمل الاقتصاد الريعي. كما تجد أن مقتدى الصدر قد توارث سلطاته الدينية والسياسية من والده محمد صادق الصدر، وكذلك الحال في أسرة الحكيم التي توارثت سلطاتها الدينية من المرجع الديني محسن الحكيم، وهو ذات الحال لدى مثنى حارث الضاري. أما الشخصيات الصاعدة، تعمل على خلق حكمها العائلي، وتأسيس احتكارات أسرية ريعية جديدة، لتنضم للطغمة المالية الجديدة، ومثاله السياسي العراقي مشعان الجبوري الذي شغل منصب عضو لجنة النزاهة! في البرلمان العراقي السابق، والذي حاول تأهيل ولده لشغل مناصبه، والكثير من الأمثلة التي يمكن ذكرها في هذا السياق. وقد اشير لمسألة الفساد لأهميتها في فهم العملية السياسية العراقية. فقد استطاعت الطغمة الحاكمة في العراق، من خلال الفساد تأسيس قاعدة من المريدين في الشارع العراقي، ممن يستفيدون من بقائهم في السلطة، حفاظًا على مكتسباتهم الجديدة، وبالتالي سيعاد انتخابهم مرات وكرات، وسيجدون من يعمل لمصلحتهم بشكل دائم واضطراري، الامر الذي شكل طبقة كاملة من المتنفذين البيروقراطيين، التي تعطل أي عملية سياسية إصلاحية إن وجدت وتثبط أي تقدم لها وتحييد اعراضها.

المطالب الشعبية تجمع النقائض

باتت عمالة الحكومات الطائفية الفاسدة واضحة للعيان، ولا سيما بعد سقوط الموصل بيد تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام إبان حكومة المالكي، في ذات الوقت الذي انشغلت فيه الطبقة السياسية، بحصاد مكتسباتها واستحداث مناصب جديدة، كنواب رئيس الجمهورية، وكان أحدهما نوري المالكي ذاته، الذي أقيل من منصبه بعد سقوط ثلث العراق، وظهور بوادر انفصال إقليم كردستان العراق.

فتحركت جموع ما يسمى بالتيار المدني، الذي يضم طلاب وعمال ومعلمين دون أي خلفية حزبية واضحة، باستثناء الحزب الشيوعي العراقي، الذي قاد من الناحية العملية الحركات الاحتجاجية منذ 2016، حول مطالب واضحة لتغيير الحكومة ومكافحة الفساد، واحتجاجًا على مرتبات أعضاء مجلس الشعب الخيالية، في شهر يناير (كانون الثاني) 2018؛ إذ قدر مجموع الرواتب التي سددت للمسؤولين العراقيين في جهات حكومية وطواقمهم بنحو 30 مليارًا و113 مليون دينار عراقي نحو (26 مليون دولار) خلال شهر واحد. بالإضافة إلى عدم جدوائية التغيرات الحكومية مع حيدر العبادي، ولا سيما أن المتسببين بالأزمة الوطنية لازالوا فاعلين في مراكز صناعة القرار. وسرعان ما نضم مقتدى الصدر إلى الاحتجاجات حول ذات المطالب، وفق طرح الصدر في تكليف حكومة تكنوقراط وطنية لا طائفية؛ مما رفع الرصيد الشعبي للحراك، والذي ما لبث أن تحول إلى تحالف سياسي، حول مطالب إصلاحية واضحة، وتشكل تيار (سائرون) المكون من التيار الصدري والحزب الشيوعي العراقي بالإضافة إلى التيارات المدنية.

وعليه خاض التحالف الانتخابات الأخيرة، ضمن قائمة واحدة. ولم تعلن النتائج النهائية حتى لحظة كتابة هذه السطور ولكن النتائج الأولية، المعلنة توضح فوز قائمة (سائرون) الذي حصل على 54 مقعدا من 329 والرقم مرشح ليصل إلى الـ60، بعد التحقق من الطعون. وهكذا استطاع الصدر أن يتمدد خارج الإطار الاجتماعي المتدين، ليحل في الأوساط اليسارية والليبرالية وحاز على جمهور جديد، بل العبور إلى الضفة الأخرى المناهضة للأحزاب الإسلامية، كما صرح الصدر أن الناس ملت من الإسلاميين رغم زيه الإسلامي الذي يرتديه. بينما حازت التيارات اليسارية والليبرالية، على عمق اجتماعي داعم لمطالبهم.

 ولكن كان عليهم التنازل عن بعض المبادئ الأساسية، فقد أشادت مرشحة الحزب الشيوعي العراقي بالتطورات الحاصلة بالسعودية، ودور الولايات المتحدة في استقرار العرق[2]، وطبعًا فهي ليست أول التنازلات من نوعها، بل كانت مشاركة الشيوعيين في الحكومات تطويب للدستور الذي فرضه (بيرمر)، وعراق ما بعد الاحتلال. ولكن من ناحية أخرى استطاع الشيوعيون والتيارات المدنية، الوقوف على مواطن الفساد والخلل في أداء الحكومات المتلاحقة، وساعدهم على صياغة برنامج سياسي مقبول شعبيا، وساعدهم في ذلك تاريخهم النظيف في الحكومة العراقية السابقة؛ إذ لم تسجل أي حالة فساد ضدهم، إذ شغل الأمين الحالي لحزب الشيوعي العراقي رائد فهمي منصب وزير العلوم والتكنولوجية بين عامي 2006 و2010، بينما شغل مفيد الجزائري وزير الثقافة.

المأزق الامريكي

وهذا ما يضع سياسات الولايات المتحدة للتحكم بالعراق على المحك مجددًا، فالتيار الصدري والشيوعيون يحاولون أن يبقوا على مسافة واحدة من الجميع، ولكن تبقى الولايات المتحدة هي الأبعد، وكان قد أجاب الصدر مؤخرًا عن سؤال حول الولايات المتحدة وإيران فأجاب بأن إيران دولة جارة تخاف على مصالحها. نأمل منها عدم التدخل بالشأن العراقي، أما أمريكا فهي دولة محتلة لا نسمح لها بالتدخل على الإطلاق[3]. ومن الطبيعي أن تكون خسارة التيارات المحسوبة على إيران مهمة (دولة القانون بقيادة المالكي، الفتح بقيادة هادي العامري) إلا أن هذا لا يعني مكسبًا للسياسات الأمريكية. كما أن وصول حكومة أمريكية أمر مستبعد للغاية. فلن يبقى للولايات المتحدة سوى التوافق مع الإيرانيين لإيصال مرشحيهم والإبقاء على (سائرون) في المعارضة. أو ابتلاع  الصدر على مضض، نظرًا لقدرته على إزاحة النفوذ الإيراني عن مفاصل اتخاذ القرار العراقي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!