فوز كندي بالرئاسة واغتياله وأزمة الصواريخ الكوبية وسِير أشخاص نافذين مترافق مع قصص أسرهم وعوائلهم. من رأس الدولة وحتى مشاعر طفلة صغيرة تجاه والدها، كل ذلك يتعرض له فيلم الأيرلندي وهو ليس بمحوره الأساس.

لنبدأ الحديث بالجوهر والأساس: السيناريو للمخضرم.. Steven Zillian

يعود بعد توقف لبضع سنوات عن كتابة السيناريو السينمائي ليبدع ويتسلطن في التحضير لانتداب الرواية الواقعية.
«I heard you paint houses by Charles Brandt».
التي تسرد حياة فرانك شيرن وتاريخه مع المافيا وعلاقته مع جيمي هوفا زعيم نقابة العمال ورئيس جمعية سائقي الشاحانات آنذاك لينسج لنا حوارات واقعية وسيناريو ممتعًا وسلسًا ذا بُعد درامي وسوداوي، وفي بعض الأحيان فكاهي، ويبني من التفاصيل الصغيرة حوارات شيقة أنتجت لنا مشاهد درامية دسمة لتضيف في رصيد الفيلم من حيث العمق في بناء الشخصيات ومسار الأحداث، وعلى الرغم من ضخامة السيناريو وتشعباته، ولكن جرى سرده للمشاهد بأسلوب سلس وممتع وباحترافية تامة، فبالرغم من ضخامته سيبقيك طوال الثلاث ساعات ونصف تنشد مجريات الفيلم وأحداثه.

الإخراج

مارتن سكورسيزي وما أدراك ما مارتن سكورسيزي، هذا العجوز ذو الحاجبين العريضة كالذهب مهما طال به الزمان يبقى لامعًا برّاقًا، بل كأني أراه وضع الأوسكار بجيبه هذه المرة لأنه عاد هذا العام ليتأستذ يا صديقي في دراما العصابة والجريمة بعد غياب طويل عن إخراجه شيئًا من هذا القبيل، وبشكل مختلف تمامًا عن سوابقه التي لطالما أبدعها لنا.
أستذكر عندما أثار اللغط في الفترة الماضية عن مارفل وكأنه كان فقط يريد أن يرفع سقف التحدي للنقاد ولكل من يريد أن يتربص ويتصيد وينتقد فلمه القادم، ولكنه نجح باكتساح فنال كيلًا من مديح النقاد، بل معظم التكهنات تقول إن فلمه في صدارة سباق الأوسكار القادم.
– كثرت عناصر التميز في الإخراج من أماكن التصوير والكادرات وحركة الكاميرا وتنقلاتها داخل المشاهد وزوايا التصوير، إضافة إلى تعدد الحقب الزمنية عبر ثلاثة عقود تم تصويرها بأدق تفاصيلها والفلم يبتدئ من حيث ينتهي، ويُسرد في معظمه بالتنقل بين الخطوط الزمنية مع الحفاظ ببراعة على سمة كل خط وإبراز الواقعية في الخوض بأعماق الطبيعة السوداوية البشرية والمشاعر الإنسانية المتناقضة، وكذلك لا ننسى أسلوب الراوي الملازم لمعظم أفلامه، وكسر الجدار الرابع مع المشاهد، والكثير والكثير من الأصالة السينمائية.

– الكاميرا لم تكن فقط تصور، بل كانت تجول وتتناغم مع عناصر المشهد

الأداء التمثيلي

أما عن التجسيد فحدث ولا حرج، ثلاث مدارس للتمثيل افتقدناها طويلًا، ولكن عادت للشاشة من أوسع الأبواب وبأبهى صورة وأداءات ترفع لها القبعة Robert De Niro, Al Pacino, Joe Pesci كلن جسّد وأعطى الشخصية حقها وأعاد للأذهان الزمن الذهبي عندما كانوا أعلى صف ممثلين في الساحة.

– رونق ال باتشينو الذي تعودنا عليه من كاريزما وحنكة ونوبات غضب وانفعالات تبهر العين وصراخ يطرب الأذن ستستمتع به أخيرًا ياصديقي فكأنما الدور كان مفصلًا تفصيلًا عليه في تعاون تاريخي لأول مرة بينه وبين سكورسيزي حقيقة سُعدت جدًا بعودة هذا العملاق للشاشة في دور يليق باسمه ومشواره الفني.

– روبرت دي نيرو جسّد أضعف أضلاع الحدث فرانك شيرن الجندي التابع المنفذ للأوامر بدون طرح الأسئلة، ولكن هو كل الحدث، فهو لاعب الدور الرئيس، والفيلم من منظوره، بل نصف الساعة الأخيرة من الفيلم يتفرد بالمشهد في تسلسل للتاريخ روبرت دي نيرو قدم لنا أعلى مستوياته من زمن بعيد، بعيد جدًا قرب الثور الهائج «Raging Bull» بقليل.

– جو بيتشي يعود من الاعتزال ويالها من عودة بـ«كاركتر» مختلف تمامًا عما عهدناه مع سكورسيزي شخصية متزنه مسيطرة على زمام الأمور بكل ثقة وبرود قاتل جو بيتشي كان زعيم مافيا بحق.

والعجيب بهذا الفيلم وقلّما نجده في أفلام أخرى كل الشخصيات الثانوية ممن لهم نصيب من الحديث أو لحظات من الصمت كان لهم وزن وثقل وتأثير بالمشهد.

نظرات العيون والتعبيرات الصامتة بهذا الفيلم تنطق شعرًا وبلاغة.

الموسيقى

لن أطيل في الحديث عن الموسيقى لأنها كانت واضحة البيان وفصيحة اللسان تمتزج بالصورة لتلعب دورًا رئيسًا فتسوق المشهد لتؤثر به وتتحدث لغتها بصوت مسموع حتى للأصم.

المونتاج

المونيتيرة صاحبة الثلاث أوسكارات وأحس أن الرابعة تقترب بشدة.

Thelma Schoonmaker
الفيلم صوّر في 117 لوكيشن تصوير بحصيلة 319 مشهدًا، فعلى الرغم من طول مدة الفيلم وتنوع لقطاته وتداخل خطوطه الزمنية وتعدد شخصياته وكثرة أحداثه إلا أنها مثلما عودتنا أصاغت لنا عملًا يمتاز بالبساطة والنقاء وكأن السهل الممتنع لعبتها.

نقاط الضعف بالفيلم

نأتي للسلبيات وكل عمل لا يخلو منه
لاحظت سلبية بسيطه «قطرة صغيرة في بحر من الإبداع لن تؤثر على الحكم العام» بمشهد البقالة «قد لا يتجاوز 10 ثوان» بالنصف الساعة الأولى أوضحت نقطة ما ضعف التكنولوجيا الحديثة المستخدمة لتصغير العمر «De-Aging» ألا وهي حركة الجسم، رغم أن المخرج عرف كيف يتغلب عليها في باقي المشاهد بمساعدة مختص حركة الجسم، واختيار زوايا التصوير المناسبة فيما عدا ذلك التقنية كانت مقدمة باحترافية تامة وظاهرة بشكل واقعي جدًا.

الخلاصة

الفيلم ثابت الرتم وبارد المشاعر وفي أعنف لحظاته يصل حد التجمد القصة طوال الرحلة تطهى لك بنار هادئة، لذلك فإن كنت تبحث عن تصاعد الوتيرة والأحداث المثيرة فهذا ليس فلمك، أما إن كنت تستمتع بالحوار وتسلسل القصة والإخراج المبطن بانعكاسات الكثير من الحياة الواقعية كالصراعات الأخلاقية وسوداوية الطبيعة البشرية مثلما عودنا سكورسيزي مع اختلاف مناحي أفلامه السابقة طبعًا فأضمن لك مشاهدة فيلم عظيم، على الرغم من طول المدة إلا أن كل مشهد كان مهمًا نُفذ وقدم بعناية، بل صدق أو لا تصدق الفيلم قابل للإطالة أكثر لا الاختصار.

التقييم الشخصي

الفيلم شمعة لا تنطفئ في زمن أعواد الكبريت، وبكل تأكيد سيصنف ضمن قائمة الكلاسيكيات الخالدة.

تقييمي للفيلم 9 / 10.

ملاحظة:
كل الاسماء المذكورة أعلاه حاصلة على الأوسكار وترشحهم جميعًا في سباق الأوسكار القادم متوقع جدًا، بل أكاد أجزم يا صديقي أن الفيلم سيظفر على الأقل بثلاث.. وفي لحظة كتابتي لهذا المقال جرى إعلان ترشيحات «الجولدن جلوب 2020» ونال خمسة ترشيحات عن (أفضل فيلم – أفضل اخراج – أفضل سيناريو – وترشيحين لأفضل دور مساعد) بانتظار إعلان النتائج في السادس من يناير (كانون الثاني) وابتداء محفل الأوسكار القادم في التاسع من فبراير (شباط).

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد