لا شك أن الحركة الإسلامية اليوم تعيش مرحلة شديدة القسوة من عمرها، ومحنة عظيمة آثارها السلبية عليها كبيرة ولا مجال للنكران أو التجمل؛ فالاعتراف بالحق فضيلة، وأول مرحلة الدواء لأي داء هي الإقرار بوجوده وتبعاته، ومن أعظم مراحل العلاج وضع اليد على الأوجاع، ثم الشروع في وصف ما يناسب كل وجع على حدة، بشكل يصل في النهاية للشفاء أو حتى الالتئام، الذي يساعد على القيام والتحرك بأريحية، أو إن شئت فقل بلا قيود.

ولما كانت الحركة الإسلامية هي رونق الحياة، ولا قيمة لفرد بلا فكر وما أعظم أن يحيا الإنسان وهو رافع للحق راية يجاهد في سبيلها حتى يلقى ربه؛ فإننا اليوم وبوضوح شديد، وبألم أشد يعتصر العقول والقلوب والأرواح، سنتكلم عن حتمية خروج مجدد لهذه الحركة ينتشلها من أوجاعها يداوي جراحها يجمع شعثها.

وحتى نكون منصفين فإننا سنشرح الواقع بداية.

واقع الحركة

إن كل مخلص غيور على دعوته وفكرته، يدرك حجم الوجع الذي أصاب الحركة الإسلامية وأفرادها جميعًا بلا استثناء، فالألم طال الجميع ولم يعد هناك خطوط حمراء عند الظالمين ومعسكرهم، فالظلم بلغ مداه بشموله، فما بين التصفيات والقتل والإعدامات والأحكام والاعتقالات ومصادرة الأموال والفصل من الوظائف والكثير والكثير يحيا – إن كانت هذه حياة – الآلاف من أبناء الحركة الإسلامية، خصوصًا في مصر.

إن الحاجة اليوم لمجدد يعيد الحركة الاسلامية للحياة بشكل طبيعي، أصبح حلمًا يتمناه الكثير من أبنائها، والمجدد المنتظر هو ذلك الضياء الذي يزيل آثار الظلام في عقول الكثير من الشباب الذين كانوا يومًا من أبناء الحركة الإسلامية، وبفعل الظلم والمظالم ألحد منهم الكثير، وأنا أعي جيدًا ما أكتب، وتخلى الأكثر عن أفكاره، غير أن الاثنين ما زالا في مرمى الظالمين؛ فهم لن يتركونا طالما هناك ضوء يأتي إلينا من السماء.

إن حسن البنا المنتظر هو ذلك الشاب المفكر، بغض النظر عن عمره، فالرجال يقاسون في عالم الأفكار بمدى نشاط آرائهم وهمة أطروحاتهم وبصيرة قلوبهم وتأثيرهم في مجريات التاريخ والأحداث.

وما كان حسن البنا – رحمه الله – إلا واحدًا فَطِنَ حقيقة الدين وعظمة المسار وصاحَبَ ذلك همة عالية، فانطلق يبلغ رسالة الإسلام بمفهومها الشمولي، الذي نزعم أنه صواب واجتهاد صحيح، والرجل في كل الأمور له وعليه، والوقوف كثير على مناقبه أو مآخذه ليس صوابًا، لكن الأهم مدارسة الماضي والعمل على تحقيق المستقبل بخبرات الواقع أو إن شئت فقل بما تعلمناه من أوجاع الحاضر، حتى لا نقع فيه مستقبلًا.

إن التجديد في حياة الدعوات وعالم الأفكار فرض لا مناص منه، والروتين والتقليد والميل لهذه الحياة عطل وتنطع سلبياته أعظم آثارًا؛ وعليه فإن الجميع مطالب أن يكون في ذاته وحياته وتطوير نفسه «بنّا جديد»، فإن كنا فشلنا بفعل الظلم في إبراز نماذج كالإمام المؤسس، فإننا أيضًا أفشلنا أنفسنا كثيرًا بفعل الروتين والتقليد واللوائح التي عطلت خروج نماذج في فترات الرخاء أو السعة.

إن المجدد المنتظر لهذه الدعوة المباركة، لا بد أن يدرك حجم الرسالة الدعوية التي يسعى في إبرازها مجددًا، لتكون طوق نجاة لهذه البشرية التي حادت عن مسار الصلاح والإصلاح، في ظل تصاعد الدعوات الملحدة والتي تشكك المؤمن في دينه، وللأسف ينبري لها رجال لهم بريق في اللسان وعلم، يتحدثون بالقرآن والسنة، فيكفرون البعض ويشيطنونهم خدمة وتزلفًا للظالمين، وأيضًا في ظل حالة الجمود الفكري عند قادة الحركات والكيانات الإسلامية.

إن البنا المنتظر سيخرج حتمًا من هذه المحنة، لكنه سيكون أشد وعيًا وفهمًا لرسالته وأعظم تقديرًا لرجالات الدعوة الذين ضحوا وما زلوا يضحون بالغالي والنفيس بكل فخر وثبات، يسعى لجمع الشتات والقلوب والعقول مستعينًا بإخلاصه لربه وحسن اتباعه لنبيه وعظمة فهمه لدينه، الذي يجمع ولا يفرق ويبني ولا يهدم.

إن البنا المنتظر يحتاج رجالًا لديهم وعي وإلمام كامل بالمسار وحسن فهم للمسار الصحيح، الذي يعود بالبناء للبناء الذي يوافق الفهم السليم المتماشي مع الواقع غير المقدس لنصوص غير القرآن والسنة، وعليه فعلى كل صاحب فكر مستنير أن يزداد من تطوير ذاته وتأهيل نفسه قراءة وعلمًا وتدريبًا واطلاعًا ومناظرات، وقبل كل هذا إخلاصًا وتعبدًا لله رب العالمين.

إن أكبر معوق يواجه الحركة الاسلامية الآن في تأخر ظهور بنا جديد يضيء لها الطريق هو الخلاف والتشرذم، ولا مجال للإنكار ولو بذرة من أنه لا يوجد خلاف أو تشرذم، فضلًا على أنه من المرفوض التخوين وإطلاق الطعنات والنعرات في كل من يرفع رأيًا أو يدعو لمراجعة أو تقييم للأمور أو حتى من يرى حتمية العودة خطوة للخلف، فنحن لسنا رسلًا يأتينا الوحي، أو صحابة فينا نبي يأتيه الوحي ليحدد له الطريق، بل هي اجتهادات نصيب فيها ونخطئ. لكن هناك اجتهادات تعصف بالصف وتجلب له البلاء وأحيانًا التيه والانشقاق.

إن الحب في الله أعظم شيء في الكون بعد طاعة الله، وهذا الحب يجعلنا أكثر وفاء لفكرتنا، وعليه يجعلنا أكثر حرصًا ونصحًا، ولا نمل من الحرص ولا النصح من أجل أن تقف دموع الأمهات والأخوات وتعود إليهم البسمة بلقاء من يحبون.

إن الأوجاع العظيمة والتضحيات الأعظم، تجعل حتمية وجود مجدد لهذه الدعوة أمرًا لا مفر منه؛ فقد نظل سنين في محنة نحسبها ابتلاء، لكنها بفعل السياسات وعدم انتهاز الفرص قد تكون بلاء وتيهًا، والألم يعتصرنا جميعًا، لذلك فإنني أدعو الجميع للقيام بما يجب في إبراز مجدد جديد لهذه الدعوة، بما يتناسب مع المرحلة وعالم الثورات الفكرية والمعلوماتية، وأيضا مع حجم المؤامرات الضخمة التي تستهدف المشروع الإسلامي في العالم وحجم المكر المركب وسحرة فرعون، وما أكثرهم لكنهم اليوم بلغات مختلفة وأفكار براقة، وأيضًا حجم التحولات التقنية التي يشهدها العالم ونحن ما زلنا محلك سر، فلم نعد مؤثرين وهذا أمر واضح وجلي.

إن التعويل على الثبات فقط دون عمل هو انتحار وأمر غير كاف؛ فالثبات درجات وقد يكون المرء صارخًا بداخله لكنه يبتسم أمام الكاميرات حتى يثبتنا أو على الأقل يقول بصمت خفي توحدوا يرحمكم الله.

وأيضًا هناك الآلاف من الأوجاع لم يعد الصبر لها دواءً، فزهرة أعمار الكثيرين جدًا تضيع بين القضبان، إما زائر أو مزور، وكلاهما أوجاعه عظيمة.

لا أفرد مساحات للوجع بقدر ما أتحدث عن أهمية الأمل والعمل على إبراز مجدد جديد يتجمع حوله الشباب، ليعيد لنا الأمل بشكل يعزز في النفوس ثقتها بربها، وبالمسار الذي سرنا فيه جميعًا حبًا وسعيًا لرضا الله وتحرير البلاد من أي أحتلال خارجي بمختلف أنواعه، وتأسيس لمجتمع صالح يصون العرض والنفس.

فهل وصلت الرسالة أم أننا سنظل في سباتنا العميق؟ فهل وصلت الرسالة أم أن اللوائح ستعيق البناء؟ فهل وصلت الرسالة أم أن الأهواء وحب الزعامة للبعض سيعطل ظهور جديد ومجدد؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد