لا شك أن «سيد قطب» من أهم المنظرين والمفكرين للتيار الإسلامي في العصر الحديث، ولا يحتاج «سيد» إلى كثير تعريف، وأعماله لا تزال تحظى باهتمام كبير من معارضيه قبل مريديه، وهذا إن دل، فإنما يدل على عمق بحوث الرجل، ومتانة وتأصيل طرحه السهل الممتنع، وتهدف هذه القراءة المتواضعة، ولكتاب خصائص التصور الإسلامي إلى لفت نظر القراء إلى هذا البحث، وما ينطوي عليه من جدة في الطرح مع قدمه – فأول طبعة له صدرت في العام 1965م – و استعراض محتوياته واستكشاف إمكاناته ومكنوناته، وهذا البحث المتميز في نفس الوقت، لم يحظ بشهرة كتب سيد الأخرى، كالظلال والمعالم وأفراح الروح وغيرها من الكتب، التي وجدت نصيبها من التقريظ والإشادة والقراءة المجتمعية، وهذا الكتاب يعتبر آخر ما خطه قلم «شهيد القرآن» قبل إعدامه؛ فهو مشروعه الذي لم يكتمل.

والكتاب يقع في مائتا صفحة مع قلتها، يحاول فيها سيد تحديد خصائص التصور الإسلامي، وقد تيسر له هذا الهدف أما المقومات فلا، وقد وضح سيد أهمية تحديد هذه الخصائص، وضرورتها لأي مسلم؛ لأنها تحرر الإنسان، بل هي كمثابة «ميلاد للإنسان»، ولتقديمها تفسيرًا شامل للوجود، وتحدديها حقيقة مركز الإنسان في الكون، وتحدديها منهج حياة الإنسان، وقد تبدو هذه الموضوعات فلسفية ولاهوتية بحتة، ولكن سيد رفض أن ينظر إلى بحثه بهذا الشكل أو كأنه إضافة أخرى للمكتبة، بل أراد من بحثه استجاشة الضمير الإنساني؛ لتغيير واقع المجتمع، وقد وصف هذا العمل:

«فإن هذا البحث ليس كتابًا في الفلسفة، ولا كتابًا في اللاهوت، ولا كتابًا في الميتافيزيقا.. إنه عمل يمليه الواقع، وهو يخاطب الواقع أيضًا».

وقد استخدم سيد قطب منهجية قرآنية بحتة – فالاحتجاج بالأحاديث في متن البحث قليل – في استخلاص خصائص التصور الإسلامي، من دون أية مقررات سابقة، بل القرآن هو ما يستمد منه مقرراته إبتداءً، عن طريق استقراء هذه الخصائص مباشرة من القرآن باعتباره المرجع الأول، وقد رفض النظرة السلفية في إدراك القرآن عن طريق التفسير فقط، بل إدراك القرآن بالنسبة له هو استعداد النفس برصيد من التجارب والمشاعر، ويتضح هذا الاتجاه عند سيد قطب سابقًا؛ فموسوعته القرآنية لم يسمها تفسيرًا أو يصفها بأنها أحد أشكال التفسير التقليدية للقرآن، بل هي في ظلال القرآن، وهكذا استنبط سيد هذه الخصائص من المنبع القرآني الخالص:

«ومن ثم لم يكن بد – وقد بعد الناس عن القرآن ببعدهم عن الحياة الواقعية في مثل جوه -أن نقدم لهم حقائق التصور الإسلامي عن الله، والكون والحياة والإنسان من خلال النصوص القرآنية مصحوبة بالشرح والتوجيه، والتجميع والتبويب».

وكذلك رفض سيد استيراد القوالب الفكرية، وخاصة الفلسفية منها؛ لصب التصور الإسلامي فيه، وقولبة الخصائص والمقومات على مثل هذه المنهجيات؛ لاعتقاده بأن القالب يؤثر في الموضوع ويغير فيه، و أن هنالك جفوة بين المنهج العقدي و الفلسفي وأسلوبهما.

«لا بد من صياغة التصور الإسلامي في قالب ذاتي مستقل وفق طبيعته الكلية التي تخاطب الكينونة البشرية جملة… بدلًا من هذا، فإنهم استعاروا (القالب) الفلسفي؛ ليصبوا فيه التصور الإسلامي، كما استعاروا بعض التصورات الفلسفية ذاتها».

ويعتبر أن معظم الإنحراف في التصور الإسلامي ناتج عن ذلك الاستيراد، الذي شوّه تميز النظرة الإسلامية وتفردها:

«ولسنا حريصين على أن تكون هنالك فلسفة إسلامية! لسنا حريصين على أن يوجد هذا الفصل في الفكر الإسلامي.. وإنما يدل على أصالته و نقائه وتميزه».

وقد مهد سيد لتحديد خصائص التصور الإسلامي في كتابه بفصلين هما: كلمة في المنهج، وتيه وركام، والفصل الأول قد حدد به منهجية استلهام خصائص التصور الإسلامي كما وضحناها آنفًا، أما الفصل الثاني، فقد استعرض فيها باقتضاب الكم الهائل من العقائد والتصورات والفلسفات والأساطير والأفكار والشعائر والعقائد والأوضاع التي رافقت ظهور الإسلام، وما تلاه، ووجه لذلك التراث الثقافي الإنساني عدة انتقادات وتساؤلات من النص القرآني والنقد العقلي، وتتضح أهمية هذا الفصل؛ لأن الخطاب القرآني قد توفر جزء كبير منه في استعراض هذه العقائد والفلسفات والرد عليها، ومن ثم حدد الكاتب خصائص التصور الإسلامي بـ«الربانية، الثبات، الشمول، التوازن، الإيجابية، الواقعية، التوحيد».

«هذه الخصائص تتعدد وتتوزع، ولكنها تتضام وتتجمع عند خاصية واحدة، هي التي تنبثق منها وترجع إليها سائر الخصائص.. خاصية الربانية».

والخاصية الربانية هي تصور اعتقادي موحى به من الله، ومحصور في المصدر، ولا يستمد من غيره، وبما أن التصور الإسلامي من أخص خصائصه هي الربانية، فوظيفة الإنسان هنا هي التلقي، والاستجابة والتكيف والتطبيق في واقع الحياة، أما الخاصية التي تنبثق من خاصية الربانية هي خاصية الثبات، وحددها بأنها الحركة داخل إطار ثابت حول محور ثابت، ويرى تعارض هذه الخاصية مع الفكر الغربي الذي مال إلى نفي فكرة الثبات على الإطلاق، واستعاض عنها فكرة التطور، ويعللُ الكاتب هذا الانحراف نتيجة تصادم العلم، والكنيسة في التاريخ الأوروبي.

أما خاصية الشمول باعتبار أن الشمول هو طابع الصنعة الإلهية الأصيل، وقد استطرد سيد  قطب في بيان الشمول القرآني لتناوله معظم القضايا الناسوتية واللاهوتية والكونية وعدم تفريطه في شيء، وبيان حقائق كالألوهية – وما يستتبعها من حاكمية  أفنى الكاتب قسطًا كبيرًا من عمره في بيان أهميتها، وعظم تعطليها في الحياة الإسلامية – وحقائق العبودية – وما يستتبعها من الاستسلام والخضوع.

«وبهذه الخاصية صلح الإسلام أن يكون منهج حياة شاملًا متكاملًا، منهج يشمل الاعتقاد في الضمير، والتنظيم في الحياة – بدون تعارض بينهما – بل في ترابط».

وخاصية التوازن التي تتصل بخاصية الشمول؛ لأن التصور شامل، وهذا الشمول شمول متوازن، وقد صانت هذه الخاصية التصور الإسلامي من التطرف والغلو والتصادم هنا وهناك، ولهذا التوازن صور عدة، كالتوازن بين الجانب الذي تتلقاه الكينونة الإنسانية لتدركه، وتسلم به، والجانب الذي تتلقاه لتدركه، والتوازن بين مجال المشيئة الإلهية الطليقة، ومجال المشيئة الإنسانية المحدودة وهي القضية المشهورة في تاريخ الجدل في العالم كله – قضية الجبر والقدر – والتوازن بين عبودية الإنسان المطلقة لله، ومقام الإنسان الكريم في الكون، والتوازن بين مصادر المعرفة من الوحي، والنص، ومن الكون، والحياة، وغيرها من التوازانات، أما خاصية الإيجابية، فهي الإيجابية الفاعلة في علاقة الله ـ سبحانه ـ بالكون والحياة والإنسان والإيجابية الفاعلة، كذلك من ناحية الإنسان ذاته، في حدود المجال الإنسان، وقد انتقد فيها اللاهوتية السلبية المتمثلة في معتقدات «أرسطو، وأفلوطين» وغيرهم من الفلاسفة الغربيين، الذين ينظرون لدول الإله نظرة تشاؤمية سلبية.

«الإيجابية الفاعلة في علاقة الله سبحانه بالكون والحياة والإنسان والإيجابية الفاعلة، كذلك من ناحية الإنسان ذاته في حدود المجال الإنسان».

وأما الواقعية، فهي تصور يتعامل مع الحقائق الموضوعية ذات الوجود الحقيقي المستيقن، والأثر الواقعي الإيجابي، وهذا الخاصية تتصادم مع القضايا المنطقية والعقلية المجردة التي تثيرها الفلسفة والمنطق وعلم الكلام باعتقاد الكاتب، وأما الخاصية الأخيرة، وهي خاصية التوحيد، فلم يتناولها سيد قطب كما تناولها المشايخ النجديون، على رأسهم «محمد بن عبد الوهاب» بتقسيماتها الثلاثة، كما في كتابه الشهير «كتاب التوحيد»، فسيد يعتبر التوحيد هو المقوم الأول للتصور الإسلامي، باعتباره الحقيقة الأساسية في العقيدة الإسلامية، ولكنه كذلك هو إحدى خصائص هذا التصور، وقد أكد تفرد العقيدة الإسلامية بهذه الخاصية من سائر العقائد الأخرى والمذاهب، وهذا التصور بموازنته بين العبودية والألوهية ينشئ في النفس الإنسانية استقامة، ويكفل تجمع الطاقة الشخصية في كيان المسلم الفرد والجماعة، وأن هذه الخاصية تقوم بتحرير الإنسان من عبودية غير الله.

وانتهى هذا الكتاب بهذه الخاصية الأخيرة، مع سهولة ورشاقة في العبارة، تجنب فيها التعقيد والاسترسال المنفر، وأعتقد أن هذا الكتاب من أميز كتب «سيد  قطب»؛ لأنه يجمع معظم أطروحات الرجل وتنظيراته المتميزة في بحث واحد، وهذا العرض المختصر لمحتويات الكتاب لا يغني صاحبه عن الكتاب، ويجب أن لا تخلو منه مكتبة أي شخص مهتم بقضايا الفكر الإسلامي، ويجب أن لا يقرأ بصورة باردة جامدة، ولكن يُقرأً مع استحضار رصيد من المشاعر والتجارب في ظلال الجو المحموم الذي تنزلت فيه هذه الخصائص؛ حتى تستجيش الضمير الفردي للتغيير الإنساني الشامل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد