بعد مقتل علي بن أبي طالب بويع بعده ابنه الحسن بن علي بالخلافة، وقد استمرت خلافته ستة أشهر كانت كلها توترات، آثر بعدها الحسن التنازل عن الخلافة لمعاوية بن أبي سفيان، وذلك حقنًا لدماء المسلمين في العام الذي سمي بعام «الجماعة»، حيث اجتمعت فيه كلمة المسلمين على خليفة واحد، وهو معاوية بن أبي سفيان.

لقد كان تنازل الحسن بن علي لمعاوية بن أبي سفيان عن الخلافة بداية هدم المشروع الإسلامي الحقيقي، أي الخلافة الراشدة التي كان يجب أن تستمر في الأمة، كان يجب أن تكون الهِمة وقتها كما كانت همة أبي بكر الصديق حينما أقسم أن يقاتل الناس جميعًا حتى في «عناق» كانوا يؤدونها إلى رسول الله ومنعوه إياها، التبس الأمر حينها حتى على عمر بن الخطاب نفسه، وأراد تألف الناس ولم يرجعه سوى إصرار أبي بكر على القتال.

لقد كان الموقف حينها شديد الصعوبة جدًّا، وكان الأولى أن يتراجع عن قرار القتال في الظاهر، حيث ارتدت العرب جميعًا إلا أهل مكة والمدينة حسبما ذكر أهل التاريخ، لقد كان موقفًا صعبًا، ومع ذلك أصر أبو بكر على قتال المرتدين؛ بل وسير غزوة أسامة إلى الشام لحرب الروم في نفس الوقت.

وقد فصل النبي صلى الله عليه وسلم الأمر في الحديث المشهور عند من صححه «قال حذيفة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكًا عاضًا فيكون ما شاء الله أن يكون، ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها، ثم تكون ملكًا جبرية فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، ثم سكت».

في إشارة إلى أن الحق يكون في الخلافة الراشدة بعده، وأن الملك العضوض أي المتعسف الظالم كما ذكر ابن الأثير، أو الجبري وهو القهر والإجبار، إنما هما خلاف النبوة والرشد.

كان يجب إكمال مهمة علي بن أبي طالب في القتال حتى يستقيم الأمر ويعود الناس إلى الحق، فسفك الدماء كان مقدرًا سواء بالقتال أو التنازل، ودليله ما استمر عليه بنو أمية من القمع والقتل لكل من خالفهم، وهذا كان له أثره بعد ذلك، فالعلاج إن لم يكن في وقته ضاع أثره، وهو ما أفشل حركات التصحيح التي قام بها الحسين بن علي وابن الزبير والفقهاء ضد مشروع التوريث الأموي بعد ذلك.

على أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتذر للحسن وهو على المنبر، وكان الحسن صبيًا وقتها فقال: «إن ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين».

فسنة أربعين أو إحدى وأربعين هي في حقيقتها عام فُرقة وليس عام الجماعة كما يعرف في التاريخ الإسلامي؛ لأن الاجتماع الوقتي ليس اجتماعًا على الحقيقة، وبالنظر إلى مآلات الأمور بعدها فقد كان هذا فرقة عظيمة.

هل أثرت بعض الأخبار التي أخبر بها النبي على قرارات الصحابة؟

وردت جملة من الأحاديث تفيد بأن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر ما سيحدث للناس من بعده وهذه جملة منها:

في الحديث عن أبى هريرة قال: «حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وِعَاءَيْنِ، فَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَبَثَثْتُهُ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَلَوْ بَثَثْتُهُ قُطِعَ هَذَا الْبُلْعُومُ»، وقال: «فَلَوْ حَدَّثْتُكُمْ بِكُلِّ مَا سَمِعْتُ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَرَمَيْتُمُونِي بِالْقَشْعِ، وَلَمَا نَاظَرْتُمُونِي».

وفي الحديث أن الرسول «صلى صلاة الفجر يومًا ثم صعد المنبر فخطب الناس، وحدثهم إلى صلاة الظهر، ثم صلى وصعد ثم خطب وأخبرهم بما هو كان وبما هو كائن إلى يوم القيامة، يقول حفظه منا من حفظه ونسي من نسيه فأعلمنا أحفظنا».

وعند الترمذي: قام رجل إلى الحسن بن علي بعد ما بايع معاوية فقال سودت وجوه المؤمنين، فقال لا تؤنبني رحمك الله فإن النبي صلى الله عليه وسلم رأى بني أمية على منبره فساءه ذلك فنزلت «إنا أعطيناك الكوثر»

وفي الحديث عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «رأيت في المنام بني الحكم أو بني أبي العاص ينزون على منبري كما تنزوا القردة»، قال: فما رآني رسول الله صلى الله عليه وسلم مستجمعًا ضاحكًا حتى توفي.

وغيرها من الأحاديث في هذا الباب، فالمفهوم من كلام الحسن رضي الله عنه وغيره من الصحابة، أنهم قد تأثروا بما سمعوا وتركوا القتال على خلاف علي رضي الله عنه، فمع علمه لم يترك القتال حتى يحكم الله، أما عن قصة التحكيم فقد ترك القتال نزولًا على رأي الناس في الجيش، وليس رغبته الخاصة بل لقد أمرهم بإكمال القتال، خاصةً أن المعركة كادت أن تحسم في صالحه.

موقف أهل العلم بعدها من السياسة

آثر أهل العلم بعدها التضحية بجانب المشروع السياسي الحقيقي «الخلافة الراشدة»، خضوعًا لمشروع «الجماعة ووحدة الأمة»، وبدأت قصة التماهي مع الاستبداد، والتغافل عنه وقتها كما قال مالك بن نبي بأن المشروع الإسلامي مات في مهده، ولهذا أسبابه منها:

1- تنازل الحسين كان له كبير أثر في اجتهاد أهل العلم بعد ذلك، فإن كان الحسين بن علي وهو من هو قد تنازل حقنًا لدماء المسلمين، فلماذا لا نفعل نحن وتلك حجج ما زالت تردد حتى يومنا هذا، متأولين في ذلك حديث النبي صلى الله عليه وسلم «إن ابني هذا سيد…» ذريعة في التنازل عن مبدأ الحكم الراشد في مقابل حرمة الدماء، وكذا كل الآيات التي وردت في القرآن الكريم التي تعظم حرمة الدماء، وكذلك الأحاديث.

2 – خذلان الناس كان له أثر كبير في القرارات التي اتخذت في ذلك الوقت، فعلي لم يرد التوقف عن القتال ثم رضح لرأي الناس الذين رأوا المصاحف مرفوعة، وقالوا نحتكم إلى كتاب الله، كما تأول الخوارج بعد ذلك وكانوا في جملة جيش علي بن أبي طالب، وقبلها قتل الهمج لعثمان بن عفان، وخذلانهم بعد ذلك للحسين بن علي.

3- القتل والترهيب الذي استخدم من قبل الدولة الأموية حتى ظهر في أيامهم بعض أشهر السفاكين في تاريخ الإسلام، كالحجاج بن يوسف وغيره، وقتل الصحابة بل خير الناس الحسين بن علي سيد شباب أهل الجنة وقطع رأسه، وقتل ابن الزبير وصلبه، وقتل الفقهاء أدى إلى نشر الرعب بين الناس ومن جملتهم أهل العلم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد