منذ أن صدح النبي محمد صلى الله عليه وسلم بدعوته في مكة المكرمة حاول أعداؤه التربص به وإثارة الشبهات حول دعوته، فتوجهت سهامهم لمبلغ هذه الدعوة، فتارة ادعوا أنه شاعر وتارة اتهموه بالجنون وأخرى قالوا إنه عميل لقوى خارجية ذات رطنة أعجمية تعلمه وتملي عليه الأفكار.

لم تتوقف عملية توجيه السهام لهذا الدين مع تقدم الزمان، فظهرت حركات كثيرة تريد هدمه من الداخل خاصة مع رسوخه في وجدان مجموعة بشرية ممتدة، فظهرت حركات الزندقة والحركات الباطنية بمختلف أشكالها.  بالمقابل نفر من أهل الغيرة على الدين من يتصدى لتلك الفرق وشبهاتها.

مع دخولنا عصر  الحداثة ونتيجة مناعة هذا الدين أمام حركة الإلغاء الفجة، تحولت سهام المغرضين للضرب في الطريق الذي وصلنا به، بغية إحداث القطيعة بيننا وبين الإسلام فينتهي الدين إلى قالب طقوسي معين شبيه بالنصرانية فلا يزاحم الأفكار الغربية وأرباب المصالح المرتبطة بها.

يركز أولئك سهامهم على التاريخ السياسي للأمة فيرمونه بالاستبداد حيث يخضعون التاريخ لحكم هذا الزمان في خطأ منهجي كبير ويستنتجون من مقارباتهم الخاطئة أن السلطان السياسي الذي حكم الأمة أثر في تراث الأمة. بناءً على ذلك يطالبون برميه كاملًا بدعوى عبث السلاطين والخلفاء به، فينتهون إلى إسقاط الشريعة عمليًا وإن اعترفوا بوجودها نظريًا.

إن الرد على هذه الشبهة لا يسعه مقال محدود الكلمات، بل يحتاج لبحث طويل عن علاقة السياسي بالفقهي، ومن كان الأكثر تأثيرًا بالآخر في تاريخنا. كما أن الرد على تلك المقولات لا يعني عدم وجود تداخل بين السلطان والمجتمع ودينه فهذا تفاعل طبيعي، كذلك لا يعني عدم تنقيح التراث مما علق به من شوائب. لكن يمكننا القول إن قدرة السلطان على التأثير على أساسيات الدين كانت محدودة نظرًا لبنية السلطة في التاريخ الإسلامي واستقلالية المجتمع عنها كما يشرح الدكتور المؤرخ بشير نافع حيث يقول (1):«حكمت هذه المنطقة خلال العصور الإسلامية الوسيطة والحديثة المبكرة من قبل أنظمة سلطانية، تشكلت قواها الحاكمة من نخب عسكرية أو سلالية. ولكن لا الجند ولا المماليك، ولا طبقة السباهي والانكشارية العثمانية، ولا العائلات السلطانية، أقامت حكمًا استبداديًا، وذلك لسبب رئيس، يتمثل في طبيعة الدولة التقليدية في التاريخ الإسلامي التي لم تكن تتمتع بسلطة تشريعية، ولا هيمنت على المجال العام، تعليمًا وصحة وتجارة، إلخ».

إن علماء المسلمين الكبار كانوا هم الأكثر تأثيرا في الناس بل وفي السلطان أحيانًا وتحكمت آراؤهم في توجيه الكثير من سياساته سواء أراد ذلك أم لم يرد.

في السطور التالية سنتوقف مع بعض علماء المسلمين الذين واجهوا تغول السلطان أو الذين أجبروه على اتجاهات معينة، مع الإشارة إلى أنني لا أبحث تلك المواقف من حيث صوابها وخطأها بل من حيث أنها تعبر عن استقلالية العلماء وأمانتهم في حمل هذا الدين حتى في أحلك الظروف.

سعيد بن جبير والحجاج

هو من كبار التابعين والمحدثين، كان ممن ثار على ظلم الحجاج بن يوسف الثقفي والي الأمويين على العراق مع عبد الرحمن بن الأشعث.

بعد أن تمكن الحجاج من القضاء على الثورة لاحق كل من شارك بها وظفر بابن جبير فجاء به وأخذ يقرعه في حوار طويل ويسأله رأيه في خلفاء بني أمية، فلما وجد منه الصلابة حاول إغراءه بالمال فما وجد منه أدنى تزحزح عن موقفه، فأمر بقتله فضحك سعيد، فسأله الحجاج ما يضحكك؟ فأجاب: «عجبت من جرأتك على الله، وحلمه عنك» ثم دعا دعاءه المشهور فقال: «إني أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله، خذها مني حتى تلقاني يوم القيامة، ثم دعا الله وقال: اللهم لا تسلطه على أحد يقتله بعدي»(2)

أبو جعفر المنصور والإمام مالك وأبو حنيفة النعمان

أبو جعفر المنصور ثاني الخلفاء العباسين، كان شديدًا في قمع معارضيه في مرحلة حرجة من التاريخ الإسلامي حيث نهاية المرحلة الأموية وبداية المرحلة العباسية.

خرج محمد ذو النفس الزكية حفيد الحسن بن علي اللهم ارض عنهم جميعًا على شدة المنصور وظلمه وطلب الخلافة لنفسه. فلما فرغ المنصور من القضاء على الثورة، بدأ يلاحق من شك في تأييدهم لذي النفس الزكية، وكان من أولئك الإمامان مالك وأبو حنيفة.
أما الإمام مالك فكان لا يؤيد الخروج على بني العباس بسبب ما عصف بالأمة من فتن نتيجة فوضى الصراع السياسي، لكن ذلك لم يعن أنه يوافقهم على الظلم.

وشى بعض الحساد بمالك عند الخليفة حيث ادعى أنه لا يرى البيعة لهم صحيحة بسبب الإكراه، لكن مالك كما أشرنا اعتزل الموضوع ولم يصرح بذلك إلا أنه كان يرى أن يمين المكره عمومًا لا تلزمه قياسًا على حديث: «ليس لمكره ولا لمضطهد طلاق».(3)

طالب المنصور مالكًا بالكف عن رواية هذا الحديث، إلا أن مالكًا رفض كتم العلم، فنكل به المنصور وآذاه في محاولة منه لإذلاله أمام الناس، فكان أن رفع الله قدر الإمام بين الناس على عكس إرادة المنصور.(4)

أما الإمام أبو حنيفة وكان من أنصار ذي النفس الزكية (5) فقد دعاه المنصور وطلب إليه بعد إخماد الثورة تولي القضاء كامتحان لولائه خاصة وأنه يعلم أن الإمام رفض القضاء لعامل الأمويين سابقًا.

أجاب أبو حنيفة الخليفة بالرفض متذرعًا بأنه لا يصلح للأمر، فقال المنصور: كذبت. فرد الإمام بذكاء عرف عنه: «فقد حكم أمير المؤمنين علي أني لا أصلح، فإن كنت كاذبا فلا أصلح، وإن كنت صادقا فقد أخبرتكم أني لا أصلح».
أمر المنصور بأبي حنيفة فحبس ومات في محبسه.(6)

هذين إمامين كبيرين من أئمة المسلمين راج علمهم ومذهبهم وضاع اسم الخليفة أمام اسمهم.

الإمام أحمد بن حنبل وفتنة خلق القرآن

سنقف هنا عند نوع جديد من الصدام بين أهل الأهواء والعلماء، ففي ما سبق كان أهل السلطان يمتحنون من يعارض ظلمهم ويقف في وجه مصالحهم، أما ما حصل مع الإمام أحمد بن حنبل فمختلف عن ذلك.

دخلت الحضارة الإسلامية في عصرها الذهبي مع وصول الخليفة المأمون العباسي إلى الحكم، فانتشرت العلوم ونشطت حركة الإبداع بسبب تقريب المأمون للعلماء وإنفاقه على العلم وكان قريبًا من تيار الاعتزال، لكنه أتى ببدعة جديدة ما سبقه إليها أحد في تاريخ الإسلام، ففرض رؤيته العقائدية على الأمة بالقوة.

اختزلت القضية تحت عنوان مسألة خلق القرآن إذ أن المأمون تبنى الرأي القائل بأن القرآن مخلوق ضمن منهج كامل قال به وفرضه على الناس بالقوة، فلم يخالفه إلا الإمام أحمد بن حنبل ومحمد بن نوح وهما من أئمة أهل الحديث رحمهما الله بينما رضخ الجميع خوفًا أو طمعًا.

طلب المأمون أن يؤتى بالإمام بين يديه وأضمر به شرًا لكنه مات قبل أن يصل رجاله بالإمام إليه، ليخلفه أخوه المعتصم الذي كان رجل حرب لا رجل علم ومع ذلك بقي على ظلم أخيه بل وتعسف على الإمام فسجنه وجلده وبقي الإمام في محنته ثابتًا لا يتزحزح عن رأيه إلى أن تولى الخليفة المتوكل الأمر فأنهى هذه المحنة عن الإمام والناس.(7)

سلطان العلماء العز بن عبد السلام

تولى بعد صلاح الدين الأيوبي ذرية لا تليق بحمل أمور المسلمين، منهم الصالح إسماعيل الذي ولي دمشق وأخوه الصالح أيوب الذي ولي مصر فاختلفا، حالف الصالح إسماعيل الصليبيين على أخيه، وكان من شروط الحلف أن يتنازل لهم عن مدينتي صيدا والشقيف وأن يسمح لهم بشراء الأسلحة من دمشق. هنا وقف سلطان العلماء العز بن عبد السلام مجاهرًا بالحق على منابر الشام يعلن أن المدن ليست ملكًا لرجال يتنازلون عنها أنى يشاؤون ولمن يشاؤون بل هي ملك لأهلها ويحرم بيع السلاح للفرنجة لعلم الناس يقينًا أنه سيستخدم في حرب إخوانهم.

كلفه ذلك العزل من القضاء والمنع من الخطابة والحبس، فانتقل إلى مصر وهناك اصطدم بكل رجال الدولة دفعة واحدة، إذ أفتى بعدم جواز تولي المماليك أمور الناس لأن العبد لا يتولى مسؤولية الأحرار فهاج المماليك وماجوا وحاولوا معه ترغيبًا وترهيبًا فلما رفض رفعوا الأمر للسلطان الصالح أيوب الذي تجاوز فتوى القاضي ولم يأخذ بها، فاعتزل العز القضاء لأنه لا يقبل أن يبقى قاضيًا صوريا يتستر به السلطان ولا يسمع منه رأيا، وخرج مغادرًا مصر ليلحق به العلماء وعامة الناس في مسيرة مهيبة، أجبرت السلطان أن ينزل على فتوى القاضي الذي أشار بوجوب أن يباع أولئك المماليك ويعتقهم من يشتريهم ثم يرد ثمنهم لبيت المال حيث دفع ثمنهم منه سابقًا.(8)

شيخ الإسلام ابن تيمية

لشيخ الإسلام مواقف كثيرة في مواجهة الظالمين بل إنه مات مسجونا بسبب آرائه، وهنا سأذكر دوره في التأثير على الرعية والسلطان في الظروف الحالكة.

عندما وصل التتار إلى الشام هرب والي دمشق فاتفق أعيانها وفيهم ابن تيمية على الذهاب لمقابلة قازان ملك التتار المرعب. تحدث ابن تيمية لقازان وأغلظ له القول وقال له إنك تدعي الإسلام بينما أباك وجدك كانا كافرين ومع ذلك فقد وفيا بعهودهما للناس بينما لم تفعل، فحصل من قازان على وثيقة أمان لكن الغادر نقضها.

مع اقتراب المغول من الشام من جديد تحرك ابن تيمية يحرض الناس على الجهاد وذهب إلى سلطان المماليك في مصر قلاوون محرضًا له، فتحرك وقاد المسلمين في معركة شقحب قرب دمشق وانتصر المسلمون في رمضان.

كان مما قاله ابن تيمية لتحريض الناس على القتال والرد على من احتج بأن التتار مسلمون ولا يجوز قتالهم مع أنهم أهل بغي : «إذا رأيتموني في ذلك الجانب – يريد جانب العدوّ – وعلى رأسي مصحف فاقتلوني»(9)

علماء الأزهر والحملة الفرنسية على مصر

عند ما جاء نابليون في حملته على مصر انكب المماليك أصحاب الأمر والعسكر لمهمة الدفاع عن البلاد فالأمر كان لهم مغنمًا لا مسؤولية أمام الله ورسوله والمؤمنين، بينما وقع عبء المقاومة على عامة الناس بقيادة طلاب العلم الأزهريين الذين واجهوا جبروت نابليون وعسكره فلم يستقر لهم حال في مصر بل وقتل شاب من أرض الشام (سليمان الحلبي) خليفة نابليون فيعود الفرنسيس أدراجهم خائبين.(10)

يبقى هنا السؤال أين أزهر ذلك الزمان من أزهر اليوم؟ لم يتح لبونابرت اختطاف الأزهر لكن عبد الناصر ومن بعده فعلوا ذلك.

الخاتمة

هذه نماذج لعلماء الأمة وصدحهم بما يرونه حقًا، يؤكد عدم امتلاك السلطان في التاريخ الإسلامي القدرة على العبث في الدين، فتركيبة الإسلام أصلًا قامت على عدم وجود كهنوت يمثل الوساطة بين الله وعباده، مما جعل المجال متاحًا أمام الأفراد للوقوف بوجه الظلم حتى وإن حاول الظالم إخراجه في إطار ديني، فما بالك بالعلماء. هذا مع ملاحظة أن السلطان لم يكن دومًا من الظالمين المفسدين، بل كثيرًا ما كان من المخلصين أو على أقل منعته بقية مخيفة من الله من التجرؤ على الإيغال في البغي. وإن المتتبع للتاريخ الإسلامي يلاحظ الاستقلال الكبير لطبقة العلماء وهم من وقع على كاهلهم عبء تطوير العلوم الإسلامية وحفظ الشريعة من الانحرافات الخطيرة. أما عملية تأميم الدين فلم تحدث إلا في عصر الدولة العلمانية الحديثة التي قادها رجال لم يرعوا لدين الله حرمة ولا ذمة، خاصة مع امتلاك هذه الدولة للأدوات المساعدة على ذلك من سيطرة على الإعلام والتأليف والنشر وقدرة على استبعاد من لا تريده وما لا تريده من الأفكار من ساحة التأثير، ومع ذلك كانت عملية التأميم تجد من المسلمين المخلصين من يقف في وجهها ويبين زيفها فهذه الأمة لا تخلو من الخير.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد