كانت الأسابيع الماضية حافلة بالأحداث في الجنوب السوري، منذ القصف الجوي الإسرائيلي الذي أودى بحياة ستة كوادر من حزب الله اللبناني وضابط إيراني رفيع المستوى في منطقة القنيطرة السورية، وصولا إلى رد حزب الله على هذا الاستهداف بعملية نوعية في مزارع شبعا المحتلة، مما فتح الباب على مصراعيه أمام نقاش متجدد حول الدور الإسرائيلي في الجنوب السوري، وحقيقة دعمه وتعاونه مع المجموعات المسلحة التي تحارب النظام في المنطقة الحدودية مع الجولان المحتل، وإلى أي مستوى وصل هذا الدعم ومدى تأثيره على سير المعارك في هذه الجبهة المصيرية، في خريطة الصراع الذي يقترب من إكمال عامه الرابع.

• عين على جغرافيا المنطقة:

كما أقول دائما، فهدفي الأول هو تبسيط المعلومات قدر الإمكان، وتقريبها من المتابع العادي، لذلك تعالوا في البداية نتعرف على المنطقة الملتهبة التي تتداخل فيها حدود الجولان ولبنان والأراضي الفلسطينية المحتلة.

– الجولان:

هضبة تقع في بلاد الشام بين نهر اليرموك من الجنوب وجبل الشيخ من الشمال، تابعة إداريًا لمحافظة القنيطرة السورية ولو بشكل جزئي حاليا، وقد احتل الجيش الإسرائيلي ثلثي مساحتها في حرب يونيو 1967، وأصدر قرارًا بضمها سنة 1981.

تبعد هضبة الجولان 50 كلم عن غرب مدينة دمشق ومساحتها حوالي 1860 كلم مربع وتمتد على مسافة 74 كلم من الشمال إلى الجنوب دون أن يتجاوز أقصى عرض لها 27 كلم.
تطل هضبة الجولان من الغرب على بحيرة طبرية ومرج الحولة في الجليل، أما شرقًا فيفصل وادي الرقاد بين الجولان وبين سهول حوران وريف دمشق.

من جهة الشمال يشكل مجرى وادي سعار عند سفوح جبل الشيخ الحدود الشمالية للجولان، أما الحدود الجنوبية فيشكلها المجرى المتعرج لنهر اليرموك والفاصل بين هضبة الجولان وهضبة عجلون في الأردن.

خريطة سوريا

– القنيطرة السورية:

مدينة في الجولان السوري، كانت حتى حرب 1967 المركز الإداري لمنطقة الجولان، لتسقط في قبضة الجيش الإسرائيلي ويهجر سكانها منها، واستعملها كقاعدة تدريب لجنوده بين حربي 1967 و1973، قبل أن يدخلها الجيش السوري في بداية حرب أكتوبر 1973 ويخوض سلسلة مناوشات مع الإسرائيليين انتهت بتوقيع اتفاقية فض الاشتباك سنة 1974، التي قررت إعادة المدينة لسوريا مقابل التزام سوري بإبعاد قوات الجيش السوري وراء شريط يخضع لمراقبة قوات هيئة الأمم المتحدة حتى يومنا هذا (انظر الخريطة رقم 1)

– درعا:

هي أبرز مدن محافظة درعا في الجنوب السوري، وكانت تعرف بسهل حوران، وهي مدينة تاريخية بالغة القدم، ومن المعروف أنها كانت مهد الاحتجاجات التي تحولت إلى ثورة شاملة ضد نظام بشار الأسد سنة 2011، وعموما فـ”حوران” من السهول المهمة في سوريا، فهو السهل الذي يغطي حاجة سوريا تقريبا من القمح والخضروات، وتحتل المحافظة المركز الأول في إنتاج الطماطم والخضراوات بشكل عام.

– مزارع شبعا:

هي منطقة مساحتها حوالي 25 كلم مربع، تقع على الحدود بين لبنان وهضبة الجولان، كانت في السابق حدودية بين لبنان وسوريا، لكن بعد حرب 1967 أصبحت منطقة حدودية بين لبنان والجزء الخاضع للسيطرة الإسرائيلية من هضبة الجولان، تعتبرها لبنان جزءًا من أراضيها، لكن الأمم المتحدة لم تفرض على إسرائيل الانسحاب منها، لتشهد بعد خروج إسرائيل من جنوب لبنان سنة 2000، عدة مناوشات وعمليات مسلحة قام بها حزب الله اللبناني الذي يعتبرها جزءًا لا يتجزأ من الجنوب اللبناني. (الخريطة 2).

 

خريطة الجولان

• التدخل الإسرائيلي الحالي في سوريا بشكل عام:

في 30 يناير 2013 استهدفت طائرات العدو الإسرائيلي مجمع الأبحاث العلمية في جمرايا بريف دمشق، وكانت هذه الغارات أول دخول عسكري إسرائيلي مباشر منذ بدء الأزمة، وفي حادث مماثل في 5 مايو 2013، عاودت الطائرات ضرب الهدف ذاته إضافة إلى مواقع عسكرية سورية، كما تم استهداف “الفرقة 14″، وهي وحدة للدفاع الجوي في الصبورة غرب العاصمة السورية، على مقربة من الطريق الدولي بين دمشق وبيروت، ويذكر أن مقاطع فيديو بثت على الإنترنت حينها أظهرت عناصر من المعارضة تهلل وتكبر ترحيبًا بالهجوم الذي حصل على مواقع للجيش.

لفتت سلسلة تقارير إعلامية عن تمدد الأيدي الإسرائيلية إلى الغوطة الشرقية، ففي خريف عام 2013 تعمدت أجهزة التنصت الإسرائيلية في مرتفعات الجولان التشويش على رادارات الجيش السوري المنتشرة حول الغوطة لتسهيل هجوم مسلحي النصرة و”جيش الإسلام” على مواقع الجيش، بهدف كسر الحصار المفروض على معاقلهم، وهو ما أفشلته وحدات الجيش السوري واستعادت السيطرة على مساحات واسعة من المناطق التي استولت عليها الجماعات المسلحة مكبدة إياها خسائر فادحة.

 

أما فيما يخص منطقة الجولان السوري المحتل، فقد كشف تقرير للأمم المتحدة شهر مارس 2014 عن وجود تعاون وثيق بين المجموعات المسلحة والجيش الإسرائيلي، خصوصا في منطقة الفصل أو فض الاشتباك التي تشهد تواجد جنود الأندوف التابعين للأمم المتحدة، حيث تم تأكيد عبور القوات الإسرائيلية لخط وقف النار واستقبالها للمسلحين ونقلهم للعلاج وإعادتهم عبر الحدود، وأيضا زرع المسلحين للكثير من العبوات الناسفة مما يعيق حركة قوات الفصل، وسجلت أيضا اشتداد حدة المعارك بين الجيش السوري والمجموعات المسلحة في هذه المنطقة الحساسة.

لكنها مجرد بداية لما هو آت.
في أواخر غشت وشتنبر الماضي، وفي إطار المعارك في الجبهة الجنوبية تمكن مسلحو النصرة والكتائب المسلحة الأخرى، والجبهة الإسلامية، وجبهة ثوار سوريا، وجماعة بيت المقدس؛ من السيطرة على منطقة الفصل في الجولان السوري، ورسمت خطوط الاشتباك مع الجيش السوري بما يتقاطع وخريطة الأهداف الإسرائيلية.

وصفت وسائل الإعلام الإسرائيلية هؤلاء المسلحين بالجيران الجدد المتواجدين على مسافة أمتار من السياج الفاصل في الجولان المحتل، حيث بدا الاطمئنان الإسرائيلي واضحًا إلى وجودهم، وهذا مرده إلى تنسيق بين الطرفين ظهر جليا في معارك منطقة القنيطرة.

 

بل وقصفت القوات الإسرائيلية مواقع الجيش السوري المسؤولة عن حماية المنطقة، لتسهيل عمليات المسلحين وسيطرتهم وكانت كتائب المسلحين قد دمرت سابقًا جزءًا من نقاط إسناد الجيش السوري، وتحصينات التلال في هضبة الجولان، وأنجزت أيضًا تدمير كتائب الاستطلاع السورية في جباتا الخشب، ودمرت رادارات مرج السلطان والتلال التي تتحكم بعقدة مواصلات درعا والقنيطرة، وهي كلها أهداف معنية بالدفاع عن سوريا، ولا علاقة لها بخارطة المعارك.

وقامت إسرائيل بدعم لوجستي وتقني عبر أجهزة الاتصال والمعلومات الاستخبارية، فضلًا عن تفعيل الوحدة 504 المسؤولة عن الاتصالات الأمنية وتأمين العلاج الطبي في مستشفيات صفد ونهاريا وبوريا في طبريا. وقد ذكرت وسائل الإعلام الإسرائيلية أن 1400 سوري معظمهم من مسلحي المعارضة وعلى رأسهم مسلحو جبهة النصرة؛ تلقـوا العلاج في المستشفيات الإسرائيلية، بل وجرى تصويرهم في عدة برامج وريبورتاجات وتم إجراء عدة حوارات معهم، كما قال قائد ما يسمى “ألوية الفرقان في سوريا” محمد الخطيب لقناة “الجزيرة” أن الجماعات المسلحة لن يكون لها أي أعمال معادية تجاه إسرائيل.

تم إفراغ المنطقة من جنود الأمم المتحدة الذين تحرشت بهم جبهة النصرة، ونشرت وحدة صواريخ إسرائيلية مضادة للطائرات كمظلة حماية للمسلحين في مواجهة غارات مقاتلات النظام، حيث أسقطت مقاتلة من نوع سوخوي كانت تسعى لضرب مواقع المسلحين، كما اشترت القوات الإسرائيلية أسلحة استولى عليها لواء الحرمين الشرفين وأعادت توزيعها على مختلف المجموعات والفصائل النشطة هناك، التي أصبحت تتوفر على مختلف أنواع الأسلحة الثقيلة والمتوسطة والمتفجرات ومضادات الدروع، التي كان من بينها قاذف شيبون 300 إسرائيلي الصنع الذي تم تسجيل ظهوره في عدة مناطق قتال من بينها الغوطة الشرقية. (انظر الفيديو التالى)

 

بدا الهدف واضحا:

إقامة منطقة عازلة ترفع راية جبهة النصرة، تحمي إسرائيل و تبعد الجيش السوري عن المنطقة.

في شهر أكتوبر الموالي، وقع تصعيد في درعا، إذ أطلق المسلحون معركة جديدة باسم “ذات السلاسل”، بهدف التقدم ضمن منطقة درعا المحيطة، وذلك بعد سيطرة مجموعات مسلحة على تل الحارة، الذي يعتبر إحدى أكثر النقاط إستراتيجية في سهل حوران، وتتركز عليه عشرات أجهزة الرصد والرادارات المستخدمة في الحرب الإلكترونية، وتعقب أجهزة الاتصالات الخاصة بالمسلحين في المنطقة التي تكشف مساحات واسعة، حيث تسمح بالتحكم بمواقع تمتد من ريف درعا الشمالي وصولًا إلى الغوطة الشرقية.

 

وحتى الجولان بما فيها الجانب المحتل، وهو ما يتقاطع مع هدف أطلقه المسلحون عبر إيجاد مثلث يصل بين حوران والقنيطرة وحتى الغوطة الغربية، ما يشكل ثقلًا عسكريًا يقترب من دمشق ويقطع طرقا عدة للوصول إلى قلب المدينة، وكل هذا بطبيعة الحال بدعم من الجيش الإسرائيلي، فقد استخدم طريقًا خاصًا بين نقطتَي بريقة وبئر عجم لمرور الأسلحة المتوسطة، وهو أيضًا مقر لمستشفى ميداني يتم فيه استقبال مختلف الجرحى من كل الفصائل، كما قام المسلحون بإفراغ سد سحم بكامله، لتملأ بحيرة طبريا المحتلة وسد الوحدة الأردني. فقد عطل المسلحون المتعاونون مع إسرائيل؛ أنظمة الضخ في مزيريب لإعادة فائض مياه سحم واليرموك، نحو أربعة سدود في درعا.
حاليا، لا تخرج معارك الجبهة الجنوبية الأخيرة في سوريا، عن سياق التصعيد الحاصل مع الاحتلال الإسرائيلي في الجولان وجنوب لبنان، بعد استهداف موكب لقياديين في حزب الله من بينهم جهاد عماد مغنية نجل عماد مغنية، القائد العسكري لحزب الله الذي اغتيل في دمشق سنة 2008 على يد الموساد والسي آي إيه، هذا الموكب الذي قال عنه ضابط في المعارضة السورية في تصريح لتايمز أوف إسرائيل “أن من كانوا فيه قد يكونون موجودين هناك للتخطيط لأمر غير معروف، وربما حصلوا على أسلحة جديدة، ووجب تنسيق الجهود مع الإسرائيليين للتصدي لهم”.

 

وجاء تصعيد المسلّحين على جبهات درعا والقنيطرة والزبداني مؤخرا، ليحمل رسالة إسرائيلية واضحة: قادرون على إشغالكم في أكثر من جبهة، لكن رد حزب الله أتى للإسرائيلي من جهة غير متوقعة، في مزارع شبعا، بعدما توقع أنه سيكون في الجولان.

جملة واحدة إذن تلخص مشروع تقسيم سوريا:

أمريكا خططت، إسرائيل ساعدت، دول خليجية تورطت، والمعارضة السورية نفذت.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد