بعد عدوان إسرائيلي همجي امتد من غروب الخامس والعشرين من مارس (آذار)، حتى صباح السادس والعشرين من اليوم التالي، طال فيه المباني السكنية، والمؤسسات المدنية، وحتى المساجد، بخلاف المقار الأمنية، ومواقع المقاومة بغزة، ماذا حققت «إسرائيل»؟

وهل المساجد والبيوت هي بنك أهدافها؟

لقد سقطت ورقة التوت مجددًا وبانت سوءة وزارة الحرب الإسرائيلية، التي تجلى إفلاس بنك أهدافها، كما في كل الحروب السابقة.

في عام 2012 وبعد جهد جهيد، وإعداد مديد، ورأي غير سديد، اغتالت دولة الاحتلال قائد أركان المقاومة أبا محمد الجعبري، فلم تتوقف المقاومة، بل إنها فجرت بركان غضبها على المحتل القاتل، وكانت سببًا لنشوب حرب كبيرة قاسية وكثيفة بنيران لظاها على عمق الكيان، ووصلت صواريخ القسام قرب «الكابينيت»، ونتيجة هذه المعركة مني بخسائر فادحة، وزلزلت الكثير من مدننا المحتلة. وبعد انتهاء الحرب بقليل أعلنت كتائب القسام عن صاروخها الجديد من نوع G80 تيمنًا بالجعبري، وتميز هذا الصاروخ بالكثير عن أقرانه، ومن قبله M75، تيمنًا بالمقادمة، وعبوات العياش القسامية، تيمنًا بالمهندس يحيى عياش، وغيرها الكثير من النماذج التي تدل على أن استشهاد حماس تفجير لغضبها، وحافز لزيادة النشاط والقوة والجهد للانتقام.

الفلسطينيون لا تردعهم لغة القوة، ولا يعرفون الخوف، خصوصًا أنهم أصحاب حق وأصحاب إرادة، وصاحب الحق لا يمكن أن يستسلم، ولا يهدأ له قرار إلا باستعادة حقه، مهما كلف ذلك من ثمن، وأثبت التاريخ هذا على مر العصور.

عاد «نتنياهو» إلى الكيان بعد أن قطع زيارته للولايات المتحدة الأمريكية، والتوقعات أن يكتفي بسلسلة الغارات في هذه الجولة من العدوان الجوي على غزة، محافظًا على الهدوء في جبهته الداخلية لتهيئة الأجواء للانتخابات، طامحًا في ولاية رئاسية جديدة.

أما ما يجري تداوله في الإعلام العبري عن طلب الاحتلال من حماس إيقاف البالونات الحارقة ومنع مسيرات العودة، فإنها لا تتعدى كونها بالونات اختبار لجس نبض المقاومة والهيئة القيادية العليا للمسيرات، وهذا كله حكمه الفشل القطعي مسبقًا؛ لأن مسيرات العودة شكل من أشكال المقاومة السلمية المشروعة، والتي تتمسك بها فصائل المقاومة الفلسطينية وعلى رأسها حركة حماس، كأداة من أدواتها في انتزاع حقوق الشعب الفلسطيني من الاحتلال.

تصريحات قوى المقاومة الفلسطينية تجاه العدوان تعكس حالة الجهوزية العالية في صفوفها، وتصميمها على مواجهة العدوان الإسرائيلي وجرائمه، في حال فكر بالتمادي بارتكاب حماقات جديدة، فغزة ليس لديها ما تخشاه، وليس لديها ما تخشى عليه، بل إن الظروف المعيشية، والسياسية، والاقتصادية الحالية كلها دوافع لذهاب غزة نحو حرب شاملة، وهو ما ينادي ويهتف به الكثير من المواطنين الغزيين؛ الأمر الذي سيعرض جيش الاحتلال وجبهته الداخلية لأخطار متعددة، وقد تتدحرج الى مواجهة عسكرية واسعة لا تحمد عقباها، خصوصًا إذا قررت حماس تحريك عناصر خلاياها في الضفة الفلسطينية والداخل المحتل.

وهنا يبقى قادة الاحتلال الإسرائيلي مجبورين على العد لعشر قبل التفكير بخوض أي مغامرة غير محسوبة النتائج؛ والاكتفاء بسلسلة الغارات الطويلة في عدوان ليلة الاثنين، إن كان يرغب بأن يعود النوم لعيون مستوطنيه، والحياة المعتادة إلى طبيعتها ولو مؤقتًا.

غزة ستنشغل بترميم ما خلفه العدوان الإسرائيلي خلال غاراته الجوية على المنازل والمباني السكنية والشركات، وإعادة تسكين المدنيين المهدمة بيوتهم.

كما أن غزة على مشارف إحياء ذكرى الانطلاقة الأولى لمسيرات العودة الكبرى وكسر الحصار، والتي استمرت 52 أسبوعًا متتاليًا بشكل سلمي، للمطالبة بحق عودة اللاجئين المهجرين، وهو القرار الذي كفله المجتمع الدولي وجمعية الأمم المتحدة عبر قرار 194.

يسير رئيس الوزراء «الإسرائيلي» في حقل ألغام خطير بشكل حذر، فالجميع يعرف أنه في وضع لا يحسد عليه، فملفات الفساد التي تلاحقه في أروقة القضاء الإسرائيلي من جهة، وتنامي المقاومة الفلسطينية وتطور قدراتها القتالية والصاروخية من جهة، وكذلك جبهته الشمالية مع المقاومة اللبنانية وإيران من جهة أخرى، وهنا يصبح أي تهور إسرائيلي مقامرة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد