عكست ظاهرة العلو الإسرائيلي الجهد الجماعي المؤسسي، وقد نضجت على نار هادئة عبر عقود طويلة من الزمن، فهي لا ترتبط بجهة سياسية إسرائيلية بعينها، فضلًا عن أن ترتبط بشخص ما مهما بلغ كعبه، فلا تتأثر بحضوره أو غيابه إيجابًا أو سلبًا، إلا أن وصول الحالة لمستوى الذروة سيواكب حقبة بعينها نظرًا لمحدودية المدى الزمني لهذه المرحلة. إن محاولة استكشاف ذروة العلو الإسرائيلي، والاستفادة من دلالتها في تحليل الأحداث واستشراف مساراتها توازي في أهميتها تحديد مظاهر العلو وتشخيصها. 
وبالانتقال إلى مرحلة استقراء ما تبوح به المكانة السياسية الإسرائيلية في وقتنا الراهن، توخيًا لاستكشاف مستوى العلو الذي بلغته، نجد مسوغًا كبيرًا لطرح السؤال التالي: هل ثمة شواهد على ارتباط الحقبة الإسرائيلية الحالية التي يتزعمها نتنياهو بذروة العلو الإسرائيلي؟ وبعبارة أخرى، هل بلغ هذا العلو مداه الأعلى؟ وإذا كان الأمر كذلك فما هي الدلالات التي يمكن استخلاصها؟

يمكن فحص هذا الاحتمال بالرجوع للقاعدة ذاتها المثبتة في المقال السابق، والتي اعتبرت حجم النفوذ السياسي والقدرة على التجنيد والاختراق والحشد وتوظيف الآخرين مناطًا وقرينة للعلو الكبير. ولذلك، فإنه من السهل الاعتماد على أدوات قياس تساعد على التحقق من صحة الادعاء أو الفكرة المطروحة، فعلى سبيل المثال يمكن استخدام طبيعة العلاقة الإسرائيلية-الأمريكية كأساس لاستكشاف وتحليل حجم النفوذ السياسي الإسرائيلي دوليًا، وذلك لسببين؛ يتعلق الأول منهما بسهولة رصد هذه العلاقة والخروج منها باستنتاجات واضحة؛ أما الثاني فذو صلة بالإجماع على مركزية النفوذ السياسي الأمريكي في الساحة الدولية، وهذا يؤشر في حال ثبوت التأثير الإسرائيلي على التوجهات الأمريكية على حجم النفوذ الإسرائيلي إقليميًا ودوليًا. ولذلك، فإن هذا الأساس التحليلي يكتسب وجاهة كبيرة.

يشير سجل العلاقة الإسرائيلية الأمريكية إلى أن ثمة علاقات نفوذ ومصالح متبادلة بين الطرفين، بحكم تكامل الأدوار التي يلعبها كل طرف، ومع ذلك فإن العين لا يفوتها وضوح التأثير الإسرائيلي على السياسة الأمريكية، خصوصًا ما يتعلق منها بالقضايا العربية وفي القلب منها القضية الفلسطينية. وبمحاولة تعيين الفترة الزمنية التي بلغ فيها هذا النفوذ مستويات عالية وغير مسبوقة، نجد المرحلة الحالية التي يحكم فيها نتنياهو مرشحة بقوة لنيل هذه الميزة، والمؤشرات الدالة على ذلك كثيرة ومنها:
أولًا: العلاقة المتينة التي تربط نتنياهو بواحدة من أقوى وأهم مؤسسات نظام الحكم في أمريكا وهي الكونجرس، والتي كشفت عن نفوذ كبير له داخل المجلس، يقابله دعم لا محدود يتلقاه منه، وهو الدعم الذي لم يحظَ بمثله أي سياسي إسرائيلي آخر، وقد أوضحت الصحافة الأمريكية أن الحفاوة والتأييد التي يتلقاها نتنياهو عند زيارته للكونجرس لم يحظ بمثلها رؤساء أمريكا أنفسهم. حدث ذلك في ولاية نتنياهو السابقة (1996-1999) ثم الحالية.

ثانيًا: كشف قرار ترامب المتعلق بوضع مدينة القدس مؤخرًا عن مقدار الانسياق الأمريكي خلف الأهداف والتوجهات الإسرائيلية، فعلى الرغم من كثرة المحاذير الداعية لعدم كسر القواعد الشكلية للسياسة الأمريكية تجاه الصراع في فلسطين، نظرًا لتداعيات ذلك السلبية على مكانة أمريكا ذاتها ودورها في اللعبة السياسية القائمة، إلا أن حجم النفوذ الإسرائيلي على قرارات وتوجهات ترامب كانت أقوى وأكثر وضوحًا، وهي حالة غير مسبوقة في سياق العلاقة بين الطرفين.

ثالثًا: انكشاف النظام العربي واندلاقه الواضح على أعتاب الهوى الإسرائيلي بصورة لا مثيل لها، حتى بدت كبريات الأنظمة العربية تمارس أدوارها السياسية وكأنها مجرد لاعب رديف للاعب الإسرائيلي فحسب.

نتيجة لما تقدم، فإن الوعي الإسرائيلي الراهن متخم بمشاعر التفوق وبلوغ مرحلة العلو الكبير، وبناء على هذا الأساس يرسم قادة إسرائيل خططهم السياسية، مدركين تمام الإدراك مثالية الظرف الراهن لوضع الفصل الأخير من فصول تصفية القضية الفلسطينية موضع التنفيذ. من الواضح أنه يتم التعبير عن هذا التوجه بما بات يعرف باسم صفقة القرن، تلك التي يتم العمل على تهيئة الأجواء لتنفيذها على الأرض. في الأثناء، قد يفوت الساسة – رغم ذكائهم – إدراك أن الوصول لذروة العلو يحمل في أحشائه بالتزامن مخاطر محدقة، لأن نقطة الذروة إياها توفر شروط بدء المسار العكسي، إذ إنها تسبق مباشرة مرحلة التراجع والانتكاس. وعليه فإن الخطوة الهادفة للاستثمار بحقيقة الوصول لذروة العلو إسرائيليًا ستكون الخطوة ذاتها التي تؤذن ببدء الانحدار والأفول الإسرائيلي، خصوصًا أن إنجاز صفقة القرن لن يمر إلا عبر الصدام الصفري مع المقاومة الفلسطينية بوصفها تشكل العقبة الوحيدة أمام تنفيذ هذا المخطط.

من هنا، تبدو صفقة القرن مغامرة إسرائيلية خطيرة أكثر من كونها فرصة متاحة، نظرًا لاستناد مخطط الصفقة المذكورة على نصف المعطيات الحقيقية (تلك التي تخص مظاهر العلو الإسرائيلي) فيما يتم إهمال نصفها الآخر (تلك المتعلقة بكون ذروة العلو تعتبر سلاحًا ذا حدين). الأمر الذي يجعل من فرصة الانتكاس الإسرائيلي الكبير أثناء محاولات تنفيذ خطة صفقة القرن تساوي فرصة النجاح في تمريرها، فهل ستكون المغامرة الإسرائيلية المدفوعة بمشاعر التفوق والاقتدار، والساعية للمزيد من مراتب العلو، سببًا في إسدال الستارة على حالة العلو الإسرائيلية المعاصرة؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد