لا يختلف اثنان حول المكانة العالية التي تتمتع بها إسرائيل في وقتنا الحاضر، وعند إلقاء نظرة فاحصة أو حتى عابرة على قدراتها وإمكاناتها قياسًا على المحيط العربي من حولها، نجد فروقًا كبيرة وفجوة واسعة تفصل بينهما في كل المجالات. غير أن تمايز هذا الكيان لا يتبدى فقط عند مقارنته بجهة أحوالها لا تسر أصلًا فيبدو تميزه كتحصيل حاصل، لا بل إن مظاهر سطوته واقتداره بادية قياسًا على الدول العريقة في مضمار التقدم وامتلاك وسائل القوة والهيمنة. لكن، كيف لنا أن نفهم ظاهرة كهذه، ونقف على أسبابها؟ كيف يمكننا توصيفها وقراءة دلالاتها؟ لم أجد تشخيصًا جامعًا للحالة أبلغ من وصف القرآن الكريم للقوم بقوله: «وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا» (الإسراء:4)، في إشارة إلى فرادة الحالة وتميزها الملفت. إذًا، ما هي حقيقة هذا العلو وما هي مظاهره؟ وهل يتعلق العلو حصرًا بالمظاهر المادية فقط، أم يمكن أن يتجسد في مجالات خاصة ليست مادية الطابع أو المظهر؟

هل يمكن اعتبار التفوق العسكري الإسرائيلي الكاسح سببًا مباشرًا لحالة العلو والتيه الواضح الذي تتمتع به إسرائيل هذه الأيام؟ من الواضح أن القوة العسكرية لأي أمة من الأمم تشكل أحد روافد منعتها واقتدارها، وهو الأمر الذي ينطبق على الحالة مدار الحديث، لكن هل يستلزم هذا بالضرورة أن يكون التفوق العسكري تحديدًا مناطًا للتميز الملفت (العلو الكبير) الذي وصلته إسرائيل؟ ثمة من لا يرى ذلك، على اعتبار أن هناك من الدول من تتفوق على إسرائيل بدرجات في مجال القدرة العسكرية، ولو كان المقصود بالعلو الكبير الاقتدار العسكري لما وُصفت إسرائيل بأنها ذات علو كبير طالما أن هناك من يسبقها في هذا الميدان عددًا وعدة.

ثم إن السلاح بحد ذاته لا يمنح أحدًا تميزًا في المكانة ما لم يتحل الإنسان الذي يستخدمه بقدر معقول من الشجاعة والأهلية الذاتية، فالجبان بالفطرة عاجز عن صناعة التفوق المادي القتالي حتى لو امتلك أعتى أنواع السلاح، وعلى ضوء ما تقدم، فإن تفوق إسرائل العسكري لا يمكن أن يكون سببًا لعلوها الكبير، فيما يخدم هذا التفوق في بعدين اثنين، الأول يتعلق بتوفير مظلة واسعة من الشعور بالأمن والأمان للمقيمين في الكيان الإسرائيلي، وهو البعد الذي يشكل أهم مقومات بقائه واستدامته على الأرض التي يحتلها، فضلًا عن كونه يمثل عامل جذب يغري يهود العالم للهجرة إلى فلسطين المحتلة. والثاني؛ يتعلق بتحقيق التفاوت الكبير في القدرات بين إسرائيل ومحيطها العربي كما هو واقع بالفعل، وينتج عن ذلك ردع العرب عن محاولة مهاجمة إسرائيل، أو يوفر المسوغ للنظام العربي أمام الشعوب لعدم اقترابه من البعبع المسمى إسرائيل.

لكن ماذا عن التقدم العلمي والتكنولوجي والصناعي والزراعي وسائر العلوم، أو الطريقة التي يتم بها إدارة الكيان وتداول السلطة السياسية فيه؟ هل يمثل كل ذلك العلة لحالة العلو الكبير التي وصلتها إسرائيل؟ لو كان الأمر كذلك لما نالت اللقب المتميز طالما أن هناك الكثير من الدول تسبقها في المجالات المذكورة، وحتى لو لم تكن تسبقها بل تجاريها فقط لما كان ذلك كافيًا كي تستحق وصف العلو الكبير دون غيرها.

هل يمكن للتطور المدني في بعده العمراني المتمثل بالمباني والطرق والبنية التحتية وغيرها، أن يشكل المظهر الأبرز للعلو الكبير المقصود؟ يتضح عند استقراء الواقع أن دولًا كثيرة في العالم تتقدم على إسرائيل في هذا المجال بصورة واضحة، لا بل إن بعض إمارات الخليج التي باتت تتطاول في العمران بطريقة ملفتة، وفيها من المنشآت والمباني والجسور والملاعب والمطارات وغيرها مما لا يوجد له نظير في إسرائيل، ولذلك فإن مظاهر العلو المقصودة لا يمكن أن تتعلق بهذا الجانب من التطور المدني.

في ضوء ما تقدم، لم يبق مما يمكن الاستدلال به على العلو الكبير سوى النجاح في استغلال الإمكانات والموارد المتاحة، والقدرة على الحشد وبناء التحالفات وصناعة الاصطفاف، وامتلاك آليات التجنيد والتجييش والاختراق، وتوظيف كل ذلك على بصيرة لتحقيق الأهداف وإخضاع الآخر. صحيح أن كثيرًا من الدول قادرة على حشد الطاقات والإمكانات أثناء سعيها الدؤوب لتحقيق مصالحها والتفوق على الآخرين، لكن أحدًا منها لم يصل إلى مستوى يمكنها من تجنيد الدول والأنظمة والأحزاب في الطرف الآخر كما فعلت إسرائيل ولا تزال، حيث نجحت في تجنيد دول وأحزاب ومنظمات ومؤسسات، ووسائل إعلام فاعلة وهيئات ثقافية واجتماعية وغيرها في خدمتها، لم يتهيأ هذا المستوى المتقدم لأي دولة وبهذا المقدار كما تهيأ لها، وبالتالي يمكن القول إن النجاح في هذا المجال يمثل المظهر الأكثر دلالة على العلو الكبير الذي تتمتع به إسرائيل.

إن حديث إسرائيل عن كنزها الاستراتيجي الذي وقف على رأس أكبر نظام عربي لمدة ثلاثة عقود، ثم الإشارات المتكررة لرؤساء أفرع الأمن فيها إلى قدرتهم على التحكم في مستقبل النظام السياسي في ذلك البلد من جهة، وتواطؤ النظام العربي على حصار غزة خدمة لإسرائيل من جهة أخرى، يبين مدى المكانة التي بلغتها الأخيرة، كما يعني أن حالة العلو الإسرائيلي قد أصبحت واقعًا منظورًا بعد أن كانت نبوءة قرآنية فحسب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد