تعد قضية التراث في الثقافة العربية قضية كبرى. فتجد بذلك تيارات تشيد بضرورة الاكتفاء بالموروث أو العودة إليه إن صح القول، مع أنه يلازمنا شئنا أم أبينا. وهناك من التيارت من ينادي بالتجديد. أي تجديد التراث ووضعه تحت مجهر التعديل والتطوير والمسائلة والتمحيص. وهناك أيضًا من قد حسم الأمر ودعا دعوة إلى تجاوزه تجاوزًا معتبرًا إياه ضربًا من ضروب الرجعية وعدم ملائمة الواقع والسياق التاريخي الذي يفرض هو الآخر نمطًا جديدًا من الحياة والسلوك.

في الواقع، سبَّب هذا الاختلاف نوعًا من التخبط والمد والجزر في ما يخص موضوع القديم والجديد في الثقافة العربية الإسلامية. وقد أسهم هذا التضارب في الرأي في نشأة مجموعات أخرى أكثر ارتباطًا بالموروث، فكانت متعصبة، دغمائية. ونشأت مجموعة أخرى أكثر تحررًا وليبرالية، مرادها أن تدوس على التراث الأصيل، متأثرة بالثقافة الغربية الحديثة. لماذا كل هذه الضجة؟

لا شك في أن التنكر للثقافة الأم، هو بمثابة «انتحار حضاري»، كما وضح ذلك الدكتور والفيلسوف المغربي «محمد سبيلا» في دراسته «مدارات الحداثة». فالثقافة هي ما يميز الإنسان عن سائر الكائنات الأخرى، فهو الكائن الذي باستطاعته أن يعيش الغربة والحب، هو الكائن الذي يملك القدرة على التخيل والتفكير والشفقة، كما أتقن شرح ذلك كل من الفيلسوف البوصني الكبير «علي عزت بيجوفتش»، والفيلسوف الكندي «توما دو كونانك» في كل من كتاب «الإسلام بين الشرق والغرب» وكتاب «الجهل الجديد ومشكلة الثقافة». يجب أن يعتز الإنسان بهذه الهبة الربانية وهذا النمط والأسلوب العظيمين في العيش.

وللثقافة عدة معانٍ وتصورات. ففي كتاب «المثقف والسلطة»، يشير إدوارد سعيد إلى كلمة «مثقف» أو «طبقة المثقفين»، بوصفها تلك الطبقة الاجتماعية من المهنيين أو الذين تلقوا قدرًا من التعليم يخول لهم ممارسة مهنًا، فيتميزون عن الحرفيين. إذ إن المهن تعتمد على إعمال الفكر والذهن، أكثر من اليد. في حين يرى بعض المفكرين أن المثقف هو كل من يملك قدرًا من الوعي فقط. والحال أن الثقافة لا يمكن أن ترد إلى معنى قدحي. فهي على العموم معطى ضروري وفعال داخل كل مجتمع بشري.

فكيف يتعامل المثقف العربي مع التراث؟

يجب الإشارة إلى نقطة مهمة ومبدئية وهي – كما وضح ذلك الفيلسوف الكبير حسن حنفي- أنه «ليست القضية هي تجديد التراث» أي: «إعادة تفسيره طبقًا لحاجات العصر». وليست القضية هي «التراث والتجديد»، لأن البداية هي التراث وليس التجديد، «»فالتراث هو نقطة البداية كمسؤولية ثقافية وقومية».

إن تجديد التراث هو «دراسة البعد الاجتماعي لقضية الموروث، أو دراسة الموروث في بعده الاجتماعي، فهو أدخل في علم الاجتماع الديني أو علم الاجتماع الحضاري، ومن ثم كان أحد مشاكل العلوم الإنسانية». والعلوم الإنسانية إذًا مطالبة بفك هذا اللغز وإلا فقد أبانت عن ضعف أجهزتها أو ضعف قوة حججها وآليات ومناهج عملها.

والحال أن المثقف العربي، لطالما خاض في هذا الجدال الذي يبدو غير قابل للحسم. إذ يقول المفكر «جورج طرابيشي» في مقدمة كتابه القيم «مذبحة التراث في الثقافة العربية»، والذي خصصه للحديث والنقاش وتحليل مسألة التراث من وجهة نظر التيار «الماركسي» و«القومي» و«العلماني» و«البراغماتي» و«الإبستمولوجي»، يقول:

«كيف نتحدث على مذبحة للتراث في ثقافة تنتمي، في مكونات هويتها، إلى أرومتها التراثية انتماء يكاد يعز أن تقع على نظير له في القوة والمتانة، في ثقافة أية أمة أخرى»، وهذا إن كان يدل على شيء إنما يدل على قيمة التراث في الثقافة العربية. لأنه غالبا ما تكون الثقافة العربية محط مقارنة مع الثقافة الغربية. والحديث عن الثقافة هو الحديث عن التراث.

كما تساءل من قبلنا مفكرون آخرون من قبيل الدكتور «محمود عباس العقاد» في كتاب تحت عنوان«أثر العرب في الحضارة الأوربية» والذي يروي فيه بكل دقة وأكاديمية مدى تأثر الأوربيين بعلوم العرب واختراعاتهم . فيجيب عن سؤاله: من هم العرب؟ قائلًا:

«هم أمة أقدم من اسمها الذي تعرف به اليوم. لأنها على أرجح الأقوال أرومة الجنس السامي الذي تفرع منه الكلدانيون والأشوريون والكنعانيون والعبرانيون، وسائر الأمم السامية التي سكنت بين النهرين وفلسطين، وما يحيط بفلسطين من بادية وحاضرة، وقد تتصل بها الأمة الحبشية بصلة النسب القديم مع اختلاط الساميين والحامديين».

الشيء الذي يفرض على العرب تغيير طريقة تعامله مع تراثه. فلا ينفيه نفيًا ولا يحرفه ويطمس معالمه الأصيلة. بالرغم من أن هناك من المفكرين من يرى في العودة إلى التراث أو الارتباط به، نوعًا من الانغلاق والانعزال عن باقي الثقافات الأخرى. هذا ما يبينه الدكتور هاشم صالح في خضم كتابه «الانسداد التاريخي: لماذا فشل مشروع التنوير في العالم العربي؟» فيشير إلى كون النص القرآني قد كان سببًا في التأخر الذي شهده العالم العربي. وليس ذلك إلا نوعًا من العجز عن فهم النص القرآني والعمل به. كما تبين تجربة المعتزلة والأشاعرة. إذ يقول البعض بأن انتصار الأشاعرة عن المعتزلة كان من أسباب الجمود والتخلف الذي شهدته الثقافة العربية الإسلامية، نظرًا لما تمليه مبادئ الطرف المنتصر من حدود لإعمال العقل في التعاطي للتأويل.

إلا أن واقع الأمة العربية، يفرض عليها التعامل بكل فخر مع مسألة التراث، لأنه شئنا أم أبينا، يلازمنا، وعودة إلى كلام الدكتور حنفي، فالتراث هو البداية، وبالتالي لن يكون التجديد إلا دراسة للقديم وإبداء الدهشة أمام مضامينه وجوانبه. والأجدر ألا تكون هذه النظرة متعصبة ترمي بطائفة إلى الدغمائية، كما هو شأن الأصوليين، أو تلقي بطائفة في تيار الحضارة الغربية الجارف، كما قال بذلك الدكتور «علي الوردي». يجب إذًا تبني مبدأ الوسطية والاعتدال، في مسألة كهذه حتى نتفادى كل الجدالات الزائدة والأحاديث المفروغ منها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تحميل المزيد