أغلب المفسرين، والمحققين، والمؤرخين القدماء، يزعمون أن الإفسادين المذكورين في القرآن في قوله تعالى:

«وَقَضَيۡنَآ إِلَىٰ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ فِي ٱلۡكِتَٰبِ لَتُفۡسِدُنَّ فِي ٱلۡأَرۡضِ مَرَّتَيۡنِ وَلَتَعۡلُنَّ عُلُوّٗا كَبِيرٗا» (1).

قد حدثا قبل الإسلام! وتم القضاء على إفسادهما، وعلوهما أيضًا قبل الإسلام على يد بختنصر وسواه، وتم إرجاع الملك لهم على يد قورش الفارسي! وهم معذورون في هذا التفسير، لأنهم لم يشاهدوا علو اليهود، وإفسادهم، واحتلالهم للأقصى، ولفلسطين! كلهم عاشوا قبل القرن العشرين الميلادي أو القرن الرابع عشر الهجري.

ويزعم بعض المتكلمين، أن الإفساد الأول، قد حصل، وتم القضاء عليه قبل الإسلام، وأننا الآن في مرحلة الإفساد الثاني، وينتظرون القضاء عليه!

وهناك طائفة أخرى.. تزعم أن الإفساد الأول لبني إسرائيل كان في المدينة، وتم القضاء عليه من قبل الرسول صلى الله عليه وسلم، وإخراجهم منها، ثم بعد ذلك، تم استلام أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه لمفاتيح القدس! وأن الوقت الحالي، هو: الإفساد الثاني لهم في القدس!

والحقيقة الساطعة والمبهرة، والتي لا شك فيها، ولا مراء، ولا ريب، أن جميع المتكلمين، مخطئون في اجتهاداتهم!

وسنبين بالأدلة القاطعة، والواضحة، والثابتة، على أننا نعيش الآن في مرحلة الإفساد الأول لبني إسرائيل، وليس الإفساد الثاني والأخير.

الدليل الأول:

اللام في الآية لتفسدن ولتعلن، هي لام التوكيد، ولام المستقبل. بمعنى أن هذا سيحصل في المستقبل، بعد نزول القرآن يقينًا، وأكيدًا، وليس قبله.

ولهذه اللام شواهد في القرأن، تؤكد صحة هذا المعنى وتقويه.. مثل قوله تعالى:

«لقَدۡ صَدَقَ ٱللَّهُ رَسُولَهُ ٱلرُّءۡيَا بِٱلۡحَقِّۖ لَتَدۡخُلُنَّ ٱلۡمَسۡجِدَ ٱلۡحَرَامَ» (2).

فكان فتح مكة.. ودخول المسجد الحرام، بعد نزول هذه الآيات وليس قبلها.

الدليل الثاني:

لم يكن لبني إسرائيل.. في يثرب قبل الهجرة وبعدها، أي سلطان ولا علو، ولا إفساد ولا هيمنة، ولا سيطرة عليها! فقد كانوا عبارة عن أحياء متناثرة، متفرقة حول المدينة، أو في داخلها، ضمن قبيلتي العرب – الأوس والخزرج – الذين كانوا هم المسيطرين عليها، وليس اليهود، وإن كانت لهم أسواقهم الخاصة بهم.

فقد كانت السيطرة لقبيلتي الأوس والخزرج، وكان عبد الله بن سلول، رئيس قبيلة الخزرج، يتهيأ لوضع تاج الملك على رأسه، قبل الهجرة النبوية بقليل.

وقد أخرجهم الرسول صلى الله عليه وسلم من المدينة، كل حي أو قبيلة على حدا، حسب نقضهم العهد، وخيانتهم المواثيق المعقودة بينهم، وبين المسلمين! فلا ينطبق عليهم وصف الإفساد الأول، في المدينة إطلاقًا.

الدليل الثالث:

ثمة شرطان مهمان جدًا.. كي تتم عملية القضاء على إفسادهم الأول:

الشرط الأول:

أن يقوم بهذا العمل عباد لله مؤمنون صالحون، متقون حسب قوله تعالى:

«فَإِذَا جَآءَ وَعۡدُ أُولَىٰهُمَا بَعَثۡنَا عَلَيۡكُمۡ عِبَادٗا لَّنَآ أُوْلِي بَأۡسٖ شَدِيدٖ فَجَاسُواْ خِلَٰلَ ٱلدِّيَارِۚ وَكَانَ وَعۡدٗا مَّفۡعُولٗا» (3).

فنسبة العباد لله تعالى.. إشارة واضحة وقاطعة، بأنهم يخلصون العبادة لله، وأنهم من المصطفين الأخيار، وليس أي عباد!

فبختنصر البابلي.. الذي أخرجهم من القدس، وسباهم، كان كافرًا، وليس مؤمنًا، ولذلك لا ينطبق عليه وصف عبادًا لنا.

الشرط الثاني:

دخول المسجد في كل مرة يتم القضاء على إفسادهم، بالقوة وبتمريغ أنوفهم في التراب، حسب قول الله تعالى:

«فَإِذَا جَآءَ وَعۡدُ ٱلۡأٓخِرَةِ لِيَسُ‍ُٔواْ وُجُوهَكُمۡ وَلِيَدۡخُلُواْ ٱلۡمَسۡجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٖ» (4).

ودخول المسجد لم يتم حتى الآن! وعمر رضي الله عنه، حينما دخل المسجد الأقصى، دخله سلمًا وصلحًا! هذا أولًا.. وثانيًا كان المسجد في وصاية، وعهدة الرومان النصارى! ولم يكن في وصاية اليهود!

فلم يكن لليهود أي سيطرة على المسجد، ولا على فلسطين كلها في ذلك الوقت إطلاقًا، فلم يحصل لهم إفساد، وعلو في عهد الإسلام ألبتة، إلا الآن في القرن العشرين، حينما دخلوا فلسطين عنوة، وبالقوة، وشكلوا لهم كيانًا فيها، أسموه الوطن القومي لليهود، والآن سموه الدولة اليهودية، أو العبرية.

وهذا يعزز، ويوثق، بأن إفسادهم الأول هو: الآن.. وليس في السابق.

الدليل الرابع:

من مواصفات إفسادهم الثاني.. أن يتحقق لهم ثلاثة أمور:

1- كثرة الأموال..

2- كثرة البنين والذرية، وزيادة أعدادهم.

3- كثرة النفير، والاستنفار، والجيوش الجرارة الضخمة، والأعداد الغفيرة من الجنود، التابعة لهم، وليس لغيرهم. حسبما قال تعالى:

«ثُمَّ رَدَدۡنَا لَكُمُ ٱلۡكَرَّةَ عَلَيۡهِمۡ وَأَمۡدَدۡنَٰكُم بِأَمۡوَٰلٖ وَبَنِينَ وَجَعَلۡنَٰكُمۡ أَكۡثَرَ نَفِيرًا» (5).

فإذا نظرنا ودققنا في وضع اليهود الحالي، نجد أن صفة كثرة الأموال متحققة، ولكن صفة كثرة الأولاد، والبنين غير متوفرة، فلا يزالون شراذم قليلة، مشتتين في بقاع الأرض! وكذلك صفة النفير.. فهي غير متوفرة عندهم، فأعدادهم قليلة!

وما يفسره البعض، بأنهم قادرون على الاستعانة بغيرهم، وأن لديهم قوة إعلام كبيرة، يستطيعون أن يستنفروا ما يشاؤون!

فهذا كلام لا يتناسق، ولا يتوافق مع سياق الآيات على الإطلاق! لأن القرآن يخصهم هم، بأن يتصفوا بهذه الصفات، ولم يقل تستطيعون، أن تستجلبوا ما تريدون، من جنود، من أصدقائكم وأعوانكم!

ولذلك لا ينطبق عليهم الآن.. صفة الإفساد الثاني، لأنهم يفتقرون إلى تحقق تلك الصفات الثلاثة معًا.

ويدعم ويؤيد قولنا هذا.. ما كتبه سيد الشهداء سيد قطب رحمه الله، في ظلال القرآن، عند تفسيره سورة الإسراء، فيقول:

ولقد قضى الله لبني إسرائيل في الكتاب الذي آتاه لموسى أنهم سيفسدون في الأرض مرتين، أنهم سيعلون في الأرض المقدسة ويسيطرون. وكلما ارتفعوا فاتخذوا الارتفاع وسيلة للإفساد، سلط عليهم من عباده من يقهرهم، ويستبيح حرماتهم، ويدمرهم تدميرًا:

«فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادًا لنا أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار , وكان وعدا مفعولًا».

فهذه هي الأولى: يعلون في الأرض المقدسة، ويصبح لهم فيها قوة وسلطان، فيفسدون فيها. فيبعث الله عليهم عبادًا من عباده أولي بأس شديد، وأولي بطش وقوة، يستبيحون الديار، ويروحون فيها ويغدون باستهتار، ويطأون ما فيها، ومن فيها، بلا تهيب (وكان وعدًا مفعولًا) لا يخلف ولا يكذب (6).

إذًا يؤكد سيد قطب – المفكر العملاق، ذو الرؤية البعيدة، والنظرة الثاقبة – أن العلو والإفساد لليهود، سيكون حصرًا وقصرًا، في الأرض المقدسة، وليس في خارجها. وهذا هو الصواب، والحق المبين.

الدليل الخامس:

بعد القضاء على إفسادهم وعلوهم الأول، وابتداء تمكنهم من العلو الثاني، سيظهر بينهم مؤمنون بالله، وموحدون، وصالحون، بدليل أن الله تعالى يخاطبهم، بعد إرجاع العلو، والتمكين لهم مرة ثانية، فيقول لهم:

«إِنۡ أَحۡسَنتُمۡ أَحۡسَنتُمۡ لِأَنفُسِكُمۡۖ وَإِنۡ أَسَأۡتُمۡ فَلَهَاۚ» (4).

وهذا الخطاب الإلهي.. لا يكون إلا للمؤمنين، الذين يتجاوبون مع الإحسان! أما الكافرون، لا يفهمون هذه اللغة، ولا يبالون بالإحسان، الذي يطلبه منهم الله تعالى، لأنهم أصلًا لا يؤمنون به.

فإذا نظرنا إلى وضع اليهود الحالي، لا نجد رجلًا مؤمنًا واحدًا. مما يثبت بشكل قاطع، وحاسم، أننا لا نزال في الإفساد الأول، ولم يأت الإفساد الثاني بعد.

وقد يصدم هذا المقال، كثيرًا من الناس، الذين تبرمجت عقولهم منذ زمن بعيد، على أن اليهود في فلسطين، هم الآن في علوهم، وإفسادهم الثاني، وهم ينتظرون على أحر من الجمر، زوال هذا الكيان اليهودي سريعًا!

بل بعضهم من عجلتهم، واستعجالهم لتحقيق الخلاص من هذا الاحتلال البغيض، لا يستعجلون زوال الاحتلال سريعًا فقط ، بل يحددون له موعدًا محددًا، بين السنتين والسبعة سنوات كحد أقصى، اعتمادًا على تنبؤات العرافين، وبعضهم يعتمد على لعبة الأرقام في القرآن الكريم!

وكأنه لديهم علم من الكتاب، أو اطلعوا على الغيب «أَطَّلَعَ ٱلۡغَیۡبَ أَمِ ٱتَّخَذَ عِندَ ٱلرَّحۡمَـٰنِ عَهۡدًا» (7). وفريق ثالث يؤمن بأن المهدي سيظهر قريبًا جدًا، بعد التخلص من الاحتلال اليهودي، وستنشأ الخلافة الراشدة على منهاج النبوة!

تخبيصات وتخبطات فكرية ونظريات وافتراضات حول زوال الاحتلال اليهودي ونهاية الكون واقتراب يوم القيامة، تعتمد على أحاديث ضعيفة جدًا، أو موضوعة، وتنسب كذبًا وزورًا لحذيفة بن اليمان، ما أنزل الله بها من سلطان، مع أنه في الحديث الصحيح عن سهل بن سعد الساعدي يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «بُعِثْتُ والسَّاعةُ هكذا، وأشارَ بإصبَعَيه: السَّبابةِ والوُسطى» (8).

وها قد مضى على بعثته 1465 سنة ولم تقم الساعة، ويمكن تحتاج إلى مثلها أو أضعافها، حتى تقوم الساعة وإن «یَوۡمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلۡفِ سَنَة مِّمَّا تَعُدُّونَ» (9).

وينسى هؤلاء وأولئك، أن الخلاص من أي احتلال في الأرض، لا يتم بالأماني، والتمنيات، ولا بالأحلام الوردية، ولا يالتنبؤات! بل يحتاج إلى جهاد، وإعداد، وقتال في سبيل الله، وإرواء الأرض المقدسة الظمأى، بالدماء الطاهرة!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد