في كتابه «المسالة اليهودية» الذي نشر عام 1843 جادل الفيلسوف الألماني برونو باور بأن اليهود لا يستطيعون تحقيق التحرر السياسي إلا إذا تخلُّو عن وعيهم الديني الخاص؛ لأن التحرر السياسي يتطلب دولة علمانية وهو ما لا يفترض أن يترك أية مساحة للهويات الاجتماعية مثل الدين، أي أن التحرر السياسي الحقيقي عنده يتطلب إلغاء الدين.

تناقض رأي كارل ماركس مع باور في مقالته التي نشرها حول المسألة اليهودية عام 1844 بأن طبيعة الدين اليهودي تمنع استعياب اليهود،وبدلاً من ذلك ركز على الدور الاجتماعي والاقتصادي المحدد للجماعة اليهودية في أوروبا .

كان الغرب قبل تأسيس دولة إسرائيل يرى اليهودي امتدادًا للشرق داخل الغرب، وهذا كان يعزز نظرية الصراع مع الآخر، والحفاظ على الهوية الأوروبية فاليهودي المضطهد في أوروبا عليه أن يكون استعماريًّا استيطانيًّا يمثل أوروبا خير تمثيل في الشرق وهذا هو الشرط الوحيد لقبوله مواطنًا له حقوق المواطنة في المجتمع الأوروبي الذي لم يسمح بالاندماج بدون هذه الشروط الاستعلائية.
لكن أزمة الاندماج أزمة تاريخية مرتبطة بسيكولوجية وتكوين الشعب اليهودي وعلاقتهم بالشتات والاضطهاد الذي تعرضوا له، إضافةً إلى العوامل الاقتصادية المزدهرة التي كونوها في الشتات. يرى الفيلسوف والمؤرخ البريطاني آرنولد توينبي أن فكرة الشخصية اليهودية أو النفسية اليهودية التي أصروا عليها خلال قرون كانت تميل للعزوف عن الاندماج في المجتمعات التي عاشوا فيها، هي نفسها فكرة الشتات التي فرضوها على أنفسهم، وهي التي جعلتهم يرفضون دعوة زعمائهم إلى العودة من الشتات في القرن السادس ق.م. ويرى توينبي إن عدم استجابة اليهود للعودة، خاصةً من الأسر البابلي عائد إلى ظروف المعيشة التي ابتكروها في أرض بابل التي كانت أفضل بكثير من الظروف التي كانوا يعيشون في ظلها. إن النفسية اليهودية تكونت في نظر توينبي من خلال الظروف التي عاشها اليهود، فارضين على أنفسهم ظروف الشتات، بالإضافة إلى أن هذه النفسية أسهمت في صوغها الفكرة الدينية المتطورة على أيدي كهانهم، وعدُّوا أنفسهم شعب الله المختار. إن فكرة شعب الله المختار أدت بهم إلى قحط فكري تزايد على مر العصور حتى انتهى بهم إلى عقم روحي وأخلاقي شديد .

يقول هيجل: «إن روح اليهودي معادية للعالم وللآخرين، ولأن روحهم وجدت مهاجرة، وبقيت على ذلك مفقودة في العالم، بقيت غريبة على الشعوب التي تعاملت معها؛ لأنها لم تملك أرضًا معينة بصدق لزراعتها، فكانت غريبة فوق هذه الأرض، تولد عنه عداء حيال الأرض، أدى إلى تولد عداء حيال الآخرين، فالروح اليهودية التي سعى جاك دريدا لإحيائها كما يقول هيجل في فيمنولوجيا الروح، لم تعد تريد الحب بسبب هذا الكره المقيت، فحدث انفصال عن الطبيعة، وسبب هذا السلوك هو الرجوع إلى الذات.
إن الطابع الأساسي لهذه الروح، هو عداؤها لكل القيم الحيوية، مثل البطولة وحب الأمم، فالشعب اليهودي من المستحيل أن يلتحق بالشعوب الأخرى، ليتقاسم معهم همومهم وعواطفهم، أو يجعل شعوب العالم تلتف حوله، لأن غربته وانفصاله عن الطبيعة بنظره هوية مقدسة منحه إياها القدر الإلهي.

إن فوبيا الاضطهاد والشتات هما العقدتان اللتان عانى منهما الشعب اليهودي طوال تاريخه، وهما بمثابة خطر يحفز الروح اليهودية دائمًا لتكون أكثر بربرية وتعطشًا للدماء؛ حفاظًا على بقائها.

وهذا ما نراه واضحًا ومتحققًا على مدى أكثر من سبعين عامًا على أرض فلسطين.

قامت دولة إسرائيل المزعومة نتاج الخرافة والوهم الكبير الذي نادى بأرض الميعاد خلاصًا لليهود من ظلم العالم حسب تعبير قادتهم، إن شعب الله المختار وفقًا للعقيدة اليهودية هم أنبل الأعراق وأقواها، لذا يرون أن الشعوب الأخرى يجب أن تقوم بحمايتهم وخدمتهم من كل الحروب والكوارث المحدقة بهم.

كان قيام دولة إسرائيل المستندة إلى النصوص التوارتية الدينية عائقًا كبيرًا أمام حركات النهضة العربية من اليساريين والقوميين، فظهرت الجماعات الإسلامية السلفية ردَ فعلٍ عكسي أمام التطرف اليهودي، وأصبح الصراع دينيًّا-دينيًّا، نتج عنه تأثير سلبي في الشعب العربي بعد انقلاب الخميني في الثمانينيات، واستغلت العقول المفكرة في إسرائيل هذه الثغرة وراحت تغذي الصراع الديني والمذهبي الداخلي مع غياب الوعي، وانهيار منظومة الاتحاد السوفيتي الشيوعية التي كانت تمثل بؤرة فكرية لليسار العربي وأقطابه. حفاظًا على أمنها أمام فسيسفاء هشة من الكانتونات الطائفية والدينية المتناحرة فيما بينها، حتى انحرفت بوصلة الحرب ولم يعد الكيان الصهويني عدوًّا لكثير من الدول العربية، ما دامت القضية الفلسطينية قضية داخلية محلية، وصارت حرب الأشقاء هي الحرب السائدة، وصارت كل مقاومة وعملية دفاع عن النفس أمام هذا الكيان الغاصب عملًا إرهابيًّا يخدش ضمير التطبيع المتخاذل ما دامت الجيوب ممتلئة والعقول فارغة من أي فكر أو قضية.

لكن الثورة الفلسطينية الأخيرة، قلبت لنا كل االمعادلات التي اعتمدتها المنظومة الرأسمالية في تسليع الإنسان وتجريده من كيانه الإنساني وقضاياه الكبرى خارج الربح السريع والمصلحة الشخصية التي تتنامى فيها الفردانية العالية حتى تطغى على كل شيء.
كانت الثورة على يد الشباب من الجيل
الحديث جيل وسائل التواصل الاجتماعي والميديا، هذا الجيل الغاضب الذي لم ينتمِ لأي عقيدة أو أيديولوجيا، إنه جيل الحقيقة
الكبرى الذي لم يعد خافيًا عليه ألاعيب السياسيين وتجارة الحكومات بالقضية الفلسطينية، هذا الجيل الذي يؤمن بهويته العريقة على هذه الأرض، كانت صرخته مدوية ومرعبة، انحنى لها العالم إجلالاً وإكبارًا، إنها صرخة الوجود المكتومة منذ سنوات ..إنها الثورة بأجمل تجلياتها، ثورة الوعي والفكر التي ترهب العدو قبل ثورة البندقية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد