كل مهتم بالتاريخ يعلم أن يهود الدونمة اقتصر وجودهم ونشاطهم على الأستانة عاصمة الخلافة العثمانية، لكن من كان يظن أن جاسوسًا عثمانيًّا من يهود الدونمة يمكن أن يهرب بعد تنفيذ مهامه في قلب الخلافة إلى القاهرة؛ حفاظًا على حياته من حزب الطاشناق الأرمني الذي كان يستهدفه؟

تبدأ القصة بظهور مستند ألماني تاريخي سري عام 1946، يؤرخ لشبكات جاسوسية أسسها المستشار الألماني بسمارك في الشرق الأدنى سريًّا خارج أروقة المؤسسة العسكرية والقيصرية، عرفت باسم (شبكة المستشار السرية)، ثم انقطع الاتصال بهذه الشبكات قبل الحرب العالمية الأولى.

وطلب هتلر لاحقًا إعادة تفعيل هذه الشبكات التي لم يُعرف أحد من مؤسسيها غير جاسوس واحد زرعه بسمارك في الباب العالي العثماني اسمه الكودي لوفنبرانكه (مخلب الأسد).

المستند عبارة عن كتيب من 102 صفحة -حسب ترتيبه الداخلي- طُبع بآلة كاتبة ألمانية وانتقل من الأرشيف الفيدرالي الألماني إلى الأرشيف المركزي لروسيا السوفيتية بعد هزيمة ألمانيا وسقوط برلين في الحرب العالمية الثانية. وقد كتبه هانريش بيكر الضابط برتبة كابتن في الجيش الألماني، والمكلف من قبل جهاز المخابرات النازية بما ذكره في كتيبه الذي يتكون من قسمين، الأول هو تقرير الضابط بخصوص المهمة التي كلف بها بدءًا من تحرياته في بروسيا الشرقية وفيينا، وصولًا إلى رحلته إلى القاهرة عام 1938؛ بحثًا عن الجاسوس الألماني لوفنبرانكه صاحب الأصول التركية. والجزء الثاني والأكبر عبارة عن تفريغ تسجيل صوتي لمحاورة واستجواب بيكر للجاسوس الثمانيني الذي التقاه في القاهرة.

كان لوفبرانكه يعرف باسم طلعت رستم الموظف العثماني، وهو من يهود الدونمة –الفرقة التي أسسها شبتاي تسفي– وقد اختار أن يعمل لصالح الألمان ليكسب دعمهم لقضايا فرقة الدونمة المستضعفة التي لم يكن لها حليف من الدول الاستعمارية. وانتهى الحال بطلعت رستم إلى القاهرة مستعينًا بيهود من الدونمة المتخفين في مصر كمسلمين من أهلها.

المثير في أمر الكتيب هو الصفحات 66– 91 التي قام بيكر –الذي وصل إلى رتبة كولونيل في الجيش– بنزعها في عام 1945، وفي توقيت حرج بالنسبة لألمانيا في ذلك الوقت. إذ غادر بيكر ميدان معركة مرتفعات سيلو الحاسمة، والتي سبقت سقوط برلين قاطعًا مسافة 600 كيلومتر إلى بوتسدام حيث الأرشيف الألماني، وقد قام بهذه الرحلة الشاقة لنزع 26 صفحة من تقريره؛ مما يدل على أهمية ما في هذه الصفحات وخطورته.

هذه هي الخلفية التاريخية لرواية «الجاسوس العثماني» التي خطها قلم الروائي المصري د. محمد معروف، وهي رواية بوليسية وليست جاسوسية كما يتبادر إلى الذهن من العنوان!

لنعد إلى البداية، في صيف عام 2010، قام طبيب التخدير حازم أحمد شاهين، وصديقه الطبيب الجراح طارق عبد الهادي بافتتاح مكتب تحري وتحقيقات الجرائم في ورشة جد طارق، تاركين مهنة الطب إرضاءً لشغفهما بالروايات البوليسية. إنما لم يخطر على بالهما أن أورهان حقّي الزبون التركي الذي زار المكتب بعد شهرين من افتتاحه سيكون بوابتهما إلى لغز من الألغاز الغامضة والخطيرة.

عرَّف أورهان نفسه بأنه صحافي وباحث وكاتب في الشئون التركو– عثمانية في منطقة الشرق الأوسط في القرنين التاسع عشر والعشرين. وأنه حضر إلى مصر بحثًا عن مذكرات باشا مصري توفي عام 1936، ولكنه لم يستطع العثور على أسرته، ثم دفع مقدمًا الأتعاب ليبدأ حازم وطارق في البحث عن عائلة الباشا.

يصطدم حازم وطارق باختفاء أورهان بعد زيارته لمكتبهما لتتشعب القضية مع رفيقته الدنماركية لارا وصديقتهما المصرية الفاتنة هويدا سالم اللتين أضافتا لحازم وطارق مهمة العثور عليه بعد اختفائه الغامض. ليتفاجأ المتحريان أن ليهود الدونمة وجود في القاهرة منذ ما يقارب الأربعة قرون، وأنهم في سبيل الحفاظ على هذا السر مستعدون لقتل كل من يبحث في آثارهم.

يتضح أن الباشا المصري هو من التقى طلعت رستم، وأن ما ورد في مذكراته كان هو رأس الخيط الذي قاد حازم وطارق لبقية يهود الدونمة الذين تسلقوا في مصر إلى أعلى المناصب.

كان التركي أورهان يجوب الدول، ويبحث حتى يصل إلى معرفة يهود الدونمة الذين يخفون حقيقة انتمائهم في دولهم، ومن ثم يقوم بابتزازهم وجني الأموال الطائلة منهم بكل سهولة! ولكن لم يخطر في باله أن تتبعه لخيط الجاسوس العثماني الذي جاء به إلى القاهرة سيقوده إلى حتفه على يد دونمة مصر!

ما يميز الرواية غير أحداثها الشيقة أنها توغل بك في حياة فرقة غامضة كان لها الأثر الكبير في تغيير خارطة الوطن العربي بإسقاطها للخلافة العثمانية، وتقدم لك ملامح تاريخية قليلًا ما يلتفت إليها كُتاب الروايات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد