لقد شارف موعد الانتخابات النيابية على الانتهاء، ولم يبق سوى أيام معدودة على موعد إقرارها وحصولها، وها نحن ننتظر من سيجلس على المقعد داخل ذلك المجلس. الأردن اليوم على مفترق الطرق تحت ضوء الأحداث الإقليمية والمجتمعية والسياسية التي يمر بها. فإما أن ينشئ مجلسًا جديدًا تعتليه القيم والمبادئ البعيدة كل البعد عن الفساد وتحقيق المصلحة الذاتية لأفراده كي ينهض، وإما أن يكمل مسيرته في الانهيار الاقتصادي والاجتماعي وتراكم الديون وتزايد المتعثرين. في كل أربعة أعوام تحصل انتخابات متأملين بأنها ستكون بداية التغير وبداية المجد الموعود، إلا أننا نُكسنا في كل مرة بعد الانتخابات، ولم نحظ بما يريده المجتمع، والسؤال يكمن حقًّا في «ما نريد من المرشحين» وبناءً عليه، يجب على كل فرد منا اليوم أن يعيد النظر في آلية إعطاء صوته، وأن يدرس أيضًا الشخص الذي يريد أن يعطيه ذلك الصوت. إن الإصلاح الاقتصادي كان وما زال مطلب الأجيال، فنحن في هذا الوقت في أشد الحاجة لتحسين الوضع المعيشي للمجتمع، وما يمر به الاقتصاد الأردني ليس إلا دليلًا على ثبات تلك الحقيقة المؤلمة التي فشلت الحكومات والمجالس البرلمانية السابقة في حلها (تناستها). إن الإصلاح المجتمعي لن ينجم إلا عن الإصلاح الاقتصادي، لأنه يشمل تحقيق استقرار مالي يؤثر إيجابيًّا في أفراد المجتمع، وأصل الإصلاح الاقتصادي هو الإصلاح السياسي، وهذا يعني مجلس نواب فعالًا يمثل المصالح الحقيقية للمجتمع.

إن الإصلاح الاقتصادي المؤدي للإصلاح الاجتماعي ليس إلا مجموعة من الإجراءات الهادفة إلى معالجة الاختلالات الهيكلية للاقتصاد الوطني، وتلك هي الإجراءات اللازمة للوصول إلى مستوى مرتفع من الكفاءة والتنافسية من خلال تحقيق علاقة متوازنة بين الموارد المتاحة للمجتمع ومتطلباته، وبما يؤدي إلى تصحيح الاختلالات الأساسية في الاقتصاد واستعادة التوازن الاقتصادي العام وبنتيجة ذلك يحدث الانتقال إلى نظام منفتح يقوم على أساس تحرير السوق وتقليل الضرائب والجمارك وتسهيل المعاملات بين البلدان المختلفة وتوسيع قاعدة التنمية. إن مجلس النواب القادم عليه دراسة الآليات الفعالة لتعزيز الطلب المحلي وذلك يحدث عن طريق زيادة معدل الأجور، وعن طريق خفض نسبة البطالة في المجتمع، وتحسين المستوى المعيشي للمواطنين. على الحكومة المستقبلية والبنك المركزي أن يجدوا طريقاً لإنجاز ذلك التعزيز من خلال استخدام أدوات السياسة المالية والسياسة النقدية. هنالك العديد من تلك الأدوات، وسأذكر هنا أهم اثنتين. الأولى تتمثل بتخفيض الضرائب غير المباشرة (الضريبة العامة على المبيعات والضرائب الخاصة والرسوم بمختلف أنواعها)، وهو ما تخاف منه الحكومة، استنادًا إلى فرضية أن ذلك سيؤدي إلى تخفيض الإيرادات الضريبية، وهذه الفرضية ربما تكون صحيحة على المدى القصير، ولكنها بالتأكيد ليست صحيحة على المدى المتوسط والطويل. الأداة الثانية تتمثل بتقليل نسبة الفائدة على القروض الاستثمارية والتي ستعطي الشركات والمستثمرين القدرة على توسيع نطاق العمل، فانخفاض الفائدة، يشجع المستثمرين على الاقتراض من أجل زيادة الاستثمار والحصول على التمويلات من البنوك للتوسع في أنشطتها؛ مما يساعد على خلق فرص عمل أكثر، وبالتالي خفض البطالة. إن استخدام تلك الأدوات ستتيح للشركات والمصانع والمحلات القدرة على الإنتاج بتكاليف أقل من قبل، مما يعني أن الربح سيكون أعلى، وبالتالي تزيد نسبة إنتاجها للسلع والخدمات. في هذه الحال ستكون المؤسسات قادرة على زيادة معدلات أجور الموظفين والحد الأدنى لها، وهذا سيؤدي إلى زيادة القدرة الاستهلاكية للمواطن وتحسن في الناتج الإجمالي المحلي.

إن القرارات الاقتصادية التي صنعتها الحكومات السابقة لم تأخذ بعين الاعتبار الوضع الاجتماعي والاقتصادي في البلاد، مما أدى إلى التغاضي عن العديد من الإجراءات التي كان من الواجب اتخاذها. إن قوانين الضريبة التي كانت الحكومات السابقة تفرضها فشلت في سد عجز الموازنة العامة، وتخفيض المديونية نسبة من الناتج المحلي الإجمالي، وزيادة الصادرات الوطنية. إن الوضع الاقتصادي العام الذي يمر به الأردن يعاني من الكثير من المشكلات المعقدة، أبرزها معدلات النمو المنخفضة للناتج القومي، وارتفاع نسب الفقر والبطالة والمديونية، وعجز في الميزانية وغيرها من المشكلات الاقتصادية، والتي تؤدي إلى تراجع جاذبية الأردن الاستثمارية في ظل ارتفاع التكاليف على المستثمر. إن الأردن كان وما زال يمر بحالة ركود نتيجة تراجع القدرة الشرائية للمستهلكين، وتراجع الطلب نتيجة ذهاب الجزء الأكبر من الدخل لتكاليف المشتقات النفطية والتدفئة والتعليم والمعالجات الصحية، وهذا نتاج تردي الخدمات العامة في مجال الصحة والتعليم الحكوميَين، كما أن تكاليف الإنتاج ما زالت في صعود مستمر بسبب استيراد المواد الخام وتكلفة النفط. إن الارتفاع المستمر للتكاليف المعيشية بشكل لا يتناسب مع الدخل الشهري للمواطن أدى إلى تراجع ملموس في القدرة على الشراء في سبيل توجه المواطنين نحو توفير الاحتياجات الرئيسية، وتعطل الحركة التجارية وحركة الأسواق، نظرًا إلى إحجام المواطنين عن الشراء. على الحكومة أن تعقد سياسات تجارية مع مختلف البلدان لتخفيض الرسوم الجمركية وإزالة العوائق أمام الاستيراد، وإنشاء مناطق حرة تربط اقتصادها بدول أخرى كي تنعش التجارة وتبادل الأعمال، وتعزيز التعاون على الصعيد المحلي والإقليمي والدولي.

إن حل المشكلات الاقتصادية في البلاد يبدأ بالإصلاح السياسي أولًا، والديمقراطية النيابية في الأردن تتيح لنا فرصة الإصلاح من خلال اختيار النواب الصالحين الذين يحملون المبادئ الديمقراطية الصحيحة، والتي من شأنها أن ترتقي بالوضع الاقتصادي للوطن وبالتالي الاجتماعي. علينا أن نجد من يستحقون الوصول إلى السلطة اليوم؛ لأن إيجاد خطط مستدامة للإصلاح ستكون على كاهل أولئك الذين سيحظون بتلك المقاعد في ذلك المجلس. علينا أن نسعى لأن نقوم بهذا العمل في أسرع وقت ممكن، علينا أن نبذل قصارى جهدنا في ذلك حتى نتأكد من توفير مستقبل أفضل للبلاد. نوابنا مسؤوليتنا، اختيارهم واجب علينا والتصويت للصالح منهم شبه فريضة إن أردنا حقًّا أن ننهض اليوم. أثر النواب في بلادنا عظيم، وفوز الصالح منهم هو شيء صالح، ودخول الفاسد على تلك المجالس هو خيبة أمل ودمار لمستقبل بلدنا السامي. إن كاهل الإصلاح السياسي يقع على عاتقنا، وفرصة الانتخابات لا تعوض إلا كل أربع سنوات، فلماذا علينا أن ننتظر ونحن نملك فرصة التغير اليوم.

إن على الأردن المسارعة بتنفيذ الإصلاحات التي من شأنها دعم التشغيل ومكافحة البطالة، وعلينا العمل مع الشركاء التنمويين لدعم عملية لإصلاح هذه، والتي من شأنها أن ترتقي بالمجتمع. على الحكومة الجديدة أن تركز أولوياتها على المهام الرئيسية مثل التحول الاقتصادي، وتعزيز دور القطاع الخاص، والنمو وخلق فرص العمل، وتسهيل تعزيز مشاركة المرأة في سوق العمل، وتحسين الخدمات المقدمة. إنا علينا كمواطنين أيضًا ألا ننسى الارتباط الوثيق بين الإصلاح السياسي والاقتصادي، فهما خطان لا ينفصلان، وجوهر الديمقراطية بمفهومها التاريخي والاجتماعي اقتصادي، وهيكلها العظمي يبنى بالاقتصاد وليست السياسة سوى منهجية لإدارة الخيارات الاقتصادية. ومع قرب الانتخابات النيابية القادمة، علينا كمواطنين أن نصوت للسياسيين الذين يملكون أفضل البرامج الاقتصادية التي توفر حلولًا لمشكلات المجتمع اليوم. لهذا علينا أن نكون حذرين في التصويت، وإعطاء أصواتنا لمن يستحقها حقًّا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد