الدونكيشوت العربي يقيس الريح

بدأت الأبواق تطرح سيناريوهات مرفوضة حسب كل تصريح رسمي عربي، تقريبًا. وبكل صفاقة سيكون التبرير كالعادة أنه ما باليد حيلة، والحيلة محبوكة منذ البداية.

اليوم يطرح الصهاينة على الساحة أن اعترافًا أمريكيًا متوقع قريبًا ليشرعن احتلال الكيان الغاصب للضفة الغربية.

وفي الأردن، كما في دول عربية أخرى على مدى الأسابيع الفائتة، بدأ الكلام صراحة في سيناريوهات تصفية حق العودة للفلسطينيين، مقابل تعويضات مالية.

طبعًا فإن أي ضخ للأموال في السوق الأردني ينعش اقتصاده المثقل بالديون والفساد وبرامج الصندوق والبنك الدوليين. الاقتصاد متعطش لأي حركة تلتقطه عن الحافة، وهناك بوادر من استثمارات وغيره، لكنها غير كافية حتى اليوم.

الكلام نفسه ينطبق على معظم الدول الحاضنة للاجئين الفلسطينيين، التي تعمل فيها الأنوروا، وقد أنهكها انكماش التمويل الأمريكي. وهذا متوقع. فبالضبط كما هو مربوط التمويل بالأجندات على مستوى الدول، الأمر ذاته يكون للمنظمات التي تعتمد على التبرعات، كمنظمات الأمم المتحدة.

في نهايات عام 2016 تكلمت بصراحة عبر مواقع التواصل الاجتماعي عن العمل الجاري لإنهاء وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأنوروا)، وعن إدماج الفلسطينيين بالمفوضية العليا لشؤون اللاجئين وعما سيأتي معه من تصفية لحقوقهم، ومن أموال أيضًا.

اليوم يبدو الأمر واقعًا لا محالة.

وكما جرت العادة، يستهل الدونكيشوت العربي معركته الفارغة بـ«لا» و«لم» و«لن»، وكالعادة أيضًا، ينتهي الموضوع بـ«كم؟»

فقد بدأ كتاب أردنيون طرحون السؤال: «هل يقبل الفلسطينيون بالتعويض؟»

وقبلهم حاول كتاب عرب آخرون التحدث بوضوح عن توجه دولهم نحو القبول بإسرائيل والاندماج معها في المنطقة بحجة أن الكيان «واقع» وأن عقودًا من التنديد والتهديد لم تسفر إلا عن احتلال المزيد من الأراضي الفلسطينية والسورية واللبنانية؛ الأراضي العربية. آخرها كانت دعوة عُمان الدول العربية إلى تطمين إسرائيل. فهل هنالك بدائل؟

قوالب الاستحالة

في هذا السياق، نذكّر بمآثر التحركات العربية ضد الكيان ونحو التحرر الوطني.

أولًا حرب الاستنزاف التي بدأها عبد الناصر، بصرف النظر عن رأينا فيه وأخطائه، والتي ركب عليها السادات مستخدمًا خطط الناصر ليحرر شبه جزيرة سيناء. ترفضون عبد الناصر؟ حسنا. ما بالكم إذًا بحزب الله الذي طرد الجيش الصهيوني من معظم أراضي جنوب لبنان؟ أيضًا لا يعجبكم؟ أبسبب مرجعياته الطائفية وارتباطه بإيران ودوره في سوريا؟

حسنًا ما رأيكم بحماس، والتي لا تخدم إلا مصالحها ومصالح الكيان، تمامًا كالسلطة الفلسطينية وفتح، لكنها لا تنفك تؤرق الكيان ليلًا ونهارًا ببضعة صواريخ «تنك»؟

حسنًا أتذكرون معركة الكرامة؟

يقال إن البوارج الامريكية كانت على استعداد للتدخل في الأردن، لكن الجيش الأردني الذي التحم بأشقائه الفلسطينيين في ساعات وجه صفعة للأسطورة الصهيونية لا تزال تؤلمه إلى يومنا هذا؛ كانتصار داود على جالوت. لحظة تاريخية دبت الرعب في صفوف الصهاينة. على إثرها تم الاشتغال على تفكيك اللحمة الفلسطينية الأردنية لأعوام بعدها.

هنالك انتصارات على قلتها، لكنها موجودة.

في اواخر التسعينات، بعد توقيع اتفاقية السلام مع الكيان الصهيوني، أتذكرون محاولة اغتيال خالد مشعل في الأردن؟

يقال إن الملك حسين، عندما تأكد للسلطات أن مشعل قد تم تسميمه وتم إلقاء القبض على الكنديين الاثنين الذين رفضوا مقابلة السفير الكندي، هدد الأمريكان بفض كافة الاتفاقية مع الكيان، بما في ذلك وادي عربة، إذا لم تسلم سلطات الاحتلال الترياق حالًا، بل ضغط لتحرير عدد من المعتقلين الأردنيين والفلسطينيين، من ضمنهم أحمد ياسين.

مرة أخرى، هذه ليست دعوة للاحتراب العسكري؛ ليست إعلان حرب، وإنما هي دعوة إلى كسر القوالب الذهنية التي أشبعنا المحللون العسكريون والسياسيون والقادة بها.

بالنهاية، المقصود أن شيئًا على الأقل بوسعنا؛ كأن لا نشترك في اغتصاب الأرض العربية الفلسطينية التاريخية، ولا في إذلال أوطاننا للرغبات الصهيونية الأمريكية. يمكننا أن نعمل جاهدين للمحافظة على ما تبقى من استقلالنا وسيادتنا نحو إتمام هذه السيادة والاستقلال على كافة الأصعدة.

كتب المفكر الأردني المغدور ناهض حتر قبل عقدين تقريبًا، في مسألة الثروة الوطنية الأردنية، وتكلم في كتابه عن ثروات الأردن وكيف يمكن للأردن بناء اقتصاد وطني مستقل.

من مقولاته «تُبنى الدولة الوطنية بتراكم الثروة الوطنية لا بتراكم الثروات الشخصية».

في العقدين الأخيرين، بعيدًا عن الجدل القائم حول ما سماه ناقدوه بالفوبيا الفلسطينية، فإن كل ما كان يتخوف منه حتر اليوم هو في طور التبلور على ارض الواقع.

فلنبتعد عن المهاترات

قدم مجموعة من المفكرين والمنظرين والناشطين الأردنيين في العقود الأخيرة هذه رزمة من التصورات المؤدية إلى بناء قدرات اقتصادية وسياسية أردنية في سياق تحرري وطني. ليس ابتداءً بوصفي التل، ولا انتهاء بناهض حتر.

قدم مثلًا أحد أهم الجيولجيين الأردنيين، جورج حدادين، دراستين كاملتين عن حوض حماة واستصلاح الأراضي الملحية في غور الأردن. وقدم قبله الطبيب البيطري صفوان العواملة مشروع الثروة الحيوانية والعلف، المفضي إلى اكتفاء الأردن من العلف والثروة الحيوانية خلال 11 عامًا تقريبًا.

كلاهما أيضًا لهما باع طويل في العمل التعاوني؛ فلماذا لا نوظف هذه الدراسات والخبرات في سياق يخدم وطننا ويبعدنا عن الاعتماد على الحلفاء والارتهان لرغباتهم ورغبات الكيان الصهيوني؟ وبالإمكان أيضًا تصدير هذه الخبرات لخلق سوق عربي تعاوني مشترك.

الأردن أمميًا وإقليميًا

باختصار فإن الأردن منذ سنوات وهو يعمل، بل يترأس حربة التيار الداعي إلى حل الدولتين في المحافل الدولية.

عليه فإن وصول ترامب إلى السلطة في أمريكا ومحاولاته كسب الصف اليميني الداعم للكيان الصهيوني بعلاقاته ورأسماله يشكل نقطة انطلاقة لحشد كافة القوى الحليفة في أوروبا والمنطقة لدعم التفافة عربية قد تغير الحال.

فلنسافر في فضاء الممكن تحقيقه عمليًا، بعيدًا عن المزاودات.

ما يسميه رعاة الاستسلام بالحل العادل للقضية الفلسطينية لم يعد واردًا، اذا استمر ترامب بتحقيق انتصارات كهذه للكيان الصيهيوني واليمين الفاشي عالميًا، فإن سلطانه لن يأفل قريبًا، وستكون خساراتنا فادحة.

في ضوء الإمكانات الوطنية الأردنية واستعداد عدد من الدول العربية والقوى الإقليمية لدعم الأردن، ولو سياسيًا ودبلوماسيًا، بل إن مصلحة البعض منها تصب في صناعة تحالفات جديدة، نحو محور ثالث ورابع إقليميً ـ فإن الأردن لديه من المقومات وبوادر الظروف الموضوعية ما يمكنه من قيادة الالتفافة.

أما ذاتيًا فإن التوجه السياسي الاقتصادي الجديد الناتج عن التفافة كهذه كافٍ لحمل وانضاج المشروع الوطني قطريًا برأيي.

«اجت منهم منهم ما اجت منا»

النهضات لا تقوم بين ليلة وضحاها، لكن المسعى السياسي بحد ذاته كفيل لتوحيد صفوف الأردنيين بصدد تحرير الأردن من سطوة المساعدات والعلاقات الدولية التي تقيد سيادة الأردن.

هذا ليس كلامًا حالمًا؛ وليس في نطاق الاستحالة دوليًا.

يمكن للأردن أن يفض اتفاقياته مع الكيان الصهيوني، أو على الأقل أن يجمدها، وأن يحافظ على التوازن الإقليمي بحيث لا تأخذ التفافته الطابع الهجومي الاستفزازي الإيراني والسوري والناصري، ولا لهجاتهم، ولا يرضى في المقابل بكسر الاتفاقيات الدولية وقرارات الأمم المتحدة والمبادرة العربية للسلام.

وليكن هذا ردًا على تعدي الصهاينة والإدارة الأمريكية على القرارات الدولية بخصوص فلسطين المحتلة، ولو كانت هذه القرارات لا تمثل قضيتنا ولا حقنا التاريخي في أرضنا العربية الفلسطينية. وليكن درسًا لكل من يحاول تدليس علاقة العرب مع الكيان الصهيوني، إن الأمر ليس خارجًا عن القدرة، وإنه ليس ضرورة، وإن شيئًا ما بوسعنا القيام به.

إن الاستمرار بمحاباة الحلفاء الذين ضربوا بوعودهم عرض الحائط لم يعد مبررًا، لا سياسيًا ولا غيره. السر في نجاح طرح كهذا هو التوازن في اللهجة والعمل بهدوء. فهل يمكن للأردن أن يكون للمنطقة كلها أنموذج؟

المبرر السياسي موجود، كما يقول المثل الأردني: «أتت منهم، وما أتت منا»!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد