الأمر يبدوا مستحيلًا مع شخص لا يصنف الناس على أساس العرق أو الدين أو الفكر، كيف يمكن إقناعي بأن الصحافة تستلزم لباسًا بعينه، مهنة الحرية تفرض قيودًا على مبدعيها، كيف ينظر هؤلاء إلى المبدع الذي يجلس ليخط بيديه ما يقرأه الناس؟

كل ما سبق وأكثر كان خلاصته أن من يطلبون منك الالتزام بإطار أخلاقي، اجتماعي، شكلي، محدد خلال عملك الصحفي، هم يمارسون أقسى أنواع الديكتاتورية، خاصة إذا كان الأمر يتعلق بآراء سياسية، وقتها يصبح الأمر معروفًا ، هم يخشون آرائي، لا أعلم لماذا جعلت من نفسي «تشي جيفارا»، واقتنعت أن هناك من يهتم أو يثور من خلال كتاباتي.

نعم هناك إشكالية حقيقية داخل المؤسسات الصحفية في هذا الأمر، كيف يمكن ضبط الصحفي وهو – لا يقبل التقيد – للعمل وفق آليات وضوابط بعينها، يبدو الأمر سخيفًا حين تقول لأحد: افعل أو لا تفعل، لذلك سمعت الكثيرين من زملائي الذين تركوا مؤسسات صحفية لهذا السبب بالتحديد، شاطرتهم الأحزان ودعمت موقفهم بكل قوة حتى عام 2015 .

في ديسمبر (كانون الأول) 2015، وفي العاصمة الأردنية عمان كنت أجلس أمام الأستاذ يسري فودة، أتعلم منه كيف يمكن محاورة المصادر، وقتها كان يشرح نظرية «تسقيع الزبون»، مصطلح صكه الأستاذ، وسيظل في الذاكرة، حكى لنا كيف يمكن كسر الحاجز النفسي مع المصادر، مستشهدًا بما فعلته صحفية أمريكية – لا أذكر اسمها – حين ذهبت إلى أفغانستان فارتدت الحجاب، حتى يبدو مشهدها مألوفًا بين المواطنين التي تريد الاحتكاك معهم.

تلك المرة الأولى التي أسمع فيها من أستاذ بحجم «فودة» أن الصحافة يمكن أن تفرض عليك مظهر بعينه، صحيح أن الأمر نابع من الصحفية نفسها التي أرادت كسر الحاجز لا أكثر، لكنها دلالة معبرة أن الأمر ليست بالحرية التي أتصورها.

لم يكن لي رأي بعد «فودة»، لكن لحسن حظي فقد التقيت بعد المحاضرة صحفيين من مؤسسات صحفية كبيرة، الـ«بي بي سي» مثلًا، ومواقع إخبارية لها ثقلها في الأردن وتونس ولبنان، فتحنا الأمر للمناقشة، وبدا أن ما يحدث في مصر أقل بكثير من تلك المؤسسات التي تفرض على صحفيها لبس «فورمال» في بعض الأحيان.

«فيسبوك» أيضًا كان حاضرًا بقوة في هذا الأمر، وقبل أن أستطرد في الحديث فجميع من صادقتهم من صحفيين عرب لم تتعد منشوراتهم على حسابتهم الشخصية أعمالهم الصحفية، وبعد آرائهم التي كُتبت بلغة رصينة ومعلومات تم التأكد من صحتها.

باختصار هم يتعاملون كصحفيين يدركون أن متابعيهم يعتبرونهم مصدر للمعلومات وحساب لمعرفة ماذا يحدث، الأمر لا يحتمل الهزل، الجميع يتعامل مع حسابه الشخصي، كأنه عموده الصحفي لا يمكن أن يكون هناك معلومة غير صحيحة أو كلمة غير رصينة.

تداركت الأمر أكثر، حين كتبت منشورًا على صفحتي الشخصية منتقدًا أزمة المحامين مع وزارة الداخلية في مايو (أذار) الماضي بعد اعتداء أحد أفراد الشرطة على محامي في رشيد، وبعدها أرسل لي صديق تونسي «لينك» خبرًا يحمل ما قلته تحت عنوان «صحفي مصري وعنوان مقتبس من المنشور».

فوجئت بالأمر لكني تمالكت نفسي بنوع من الدعابة، متسائلًا: لماذا نشر ذلك؟ ليخبرني أنه يتعامل مع حسابات الصحفيين الشخصية على أنها مصادر للمعلومات، ويمكن أن يصلح منشور كخبر، الأمر ناقشته مع صحفيين آخرين من الأردن ولبنان أكدوا نفس المعنى، تذكرت وقتها أحد الزملاء الذي شارك صورة للأهرام مكتوب فيها «لقراءة التفاصيل اضغط على اللينك» كدلالة لصحافة اللصق واللزق، لكن الزميل لم ينتبه أن الصفحة التي شاركها تحمل في أعلاها اسم «ممدوح الولي» رئيس تحرير الأهرام حتى سبتمبر (أيلول) 2013، بينما الخبر المنشور يدل على حادثة وقعت في يوليو (تموز) 2014.

الأمر تكرر مع زملاء آخرين منهم من شارك تدوينات منسوبة لفنانين، «فتوح أحمد» مثال، أو لصحفيين، «مجدي الجلاد» مثال، دون تكلفة أنفسهم بأن يدخلوا على موقع «تويتر»؛ فقط ليتأكدوا أن الأمر صحيح، صحفي لم يراع الدقة، فيما يشاركه كيف يمكن أن أصدقه في معلوماته التي يقدمها لي في أي شكل من أشكال الصحافة.

في دورة توثيق معلومات مواقع التواصل الاجتماعي في التحقيقات الاستقصائية كان الحديث كله عن هذا الأمر، الصفحة الشخصية للصحفي، ما يكتبه، كيفية تحري الدقة، الحفاظ على صورته أمام الجميع، والتأكد أنه معرض لتحويل ما يقوله خبرًا يحمل اسمه.

الصحافة تفرض عليك اللباس إذن، وتفرض عليك أن تكون صحفيًا على موقع التواصل الاجتماعي، وأنت تسير في الشارع  حين يسألك جارك عن شيء يريد التأكد منه، وأنت له مصدر الحقيقة، العباءة لن تخلعها في كل الأحوال، تعلمت من أساتذتي في «فيتو» أن جميع الوظائف الأخرى لها مواعيد، إلا الصحفي فهو طوال اليوم، يمكنه تغطية حدث ما في أي لحظة، مقابلة مصدر مهم في أول الليل، أو آخره حسب المستطاع، يجب أن يكون جاهزًا لكل تلك الأوقات.

لم أصدق وأتفهم ضوابط أية مؤسسة صحفية، إلا حين سافرت وتناقشت مع صحفيين، طبيعتنا كمصريين تجعلنا نصدق الخارج دومًا، نعم نعيش أسرى في بلاط صاحبة الجلالة، نغفر لها كل خطاياها، ونأتمر بأمرها، محاولين إقناع أنفسنا أن تلك هي الحرية، نرتدي كذا حتى نزيل الحاجز النفسي، نكتب كذا لأننا صحفيون، وبالتالي وجب علينا الكثير قبل نشر أي شيء، ربما يتطور الأمر كما حدث معي في أحد الأفراح الشعبية التي كانت لأحد أقرب أصدقائي، فرقصت، فأخبرني آخر «مكنتش أعرف أن الصحفيين بيعرفوا يرقصوا».

تقول القاعدة: إذا رأيت في الصحافة وظيفة، فستمل، وإذا تعاملت معها كمهنة لن تتحملها، فقط خيارك الوحيد في أن تحبها، وتعتبر أن كل ما تفعله لنفسك، لتشبع رغبتك وتطفئ لهيب الفضول الذي يشتعل في قلبك، تقيد حبًا لا جبرًا، تكمن حريتنا في تلك الضوابط، تلك هي المعادلة!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الصحافة
عرض التعليقات
تحميل المزيد