مُنذُ عامٍ مضى قرأت 100 صفحة من رواية رحلة ابن فطومة للكاتب المصري نجيب محفوظ، ولم أستطع أن أمضي في قراءتها للنهاية، لشعوري الشديد بالملل وإهدار الوقت على رواية ليست سوى عمل آخر يُضاف لأعمال نجيب محفوظ، بيدَ أنه لا يحمل فكره أو يخدم هدفًا! لكن بالأمس حين كُنت أرتب مكتبتي الصغيرة وجدت الرواية ودفعني فضولي لأعيد قراءتها مرةً أخرى واستطعت إنهاءها في سويعات قلائل.

بالطبع عامٌ كاملٌ يُحدث الكثير، فننعم بقراءة أعمال أدبية وفكرية ما بين الكُتب والروايات والقصص القصيرة وغيرها، مما يمنحنا وعيًا وإدراكًا أكبر، وكذلك تختلف درجة النضج العقلي والفكري، أو قد يتدخل مزاجي السيء آنذاك على حكمي. المهم بتغير فكري اختلفت نظرتي للرواية تمامًا.

الرواية تتميز بالتشويق حيث تُثير التساؤل في عقل القارئ طوال فترة قراءتها، حملت كذلك لمسة محفوظ الأدبية المُميزة من سلاسة في السرد وسهولة في الألفاظ، وبساطة وعمق بنفس الوقت في الشخصيات، فهي تُحفة أدبية مُميزة استمتعت بقراءتها أكثر مما استمتعت حين قرأت رواية “أولاد حارتنا” والتي للعجب حصد عنها جائزة نوبل.

الرواية فلسفية إلى حد كبير، تدفع القارئ للتساؤل حول المبادئ الأخلاقية والسياسية والعقائد الدينية المختلفة، حيث تطرح تساؤلًا عن ماهية الكثير من الأفكار عند مُختلف الشعوب ومُعتنقي الديانات المُختلفة، كفكرة الحرية والعدالة، فهل الحرية تعني الفوضى أم أنها تحتاج إلى السلطة والقانون لينظمها ويدعمها؟!

وبذلك نجد تساؤلاً جديدًا يطفو على السطح، هل الحرية والقانون ينسجمان أم أنهما قد يتعرضان للتصادم فيما بينهما؟ أو أننا بلغنا من الحيرة والتغييب العقلي الذي أقحمنا نفسنا بهما ما يجعلنا نصل إلى الحقيقة المُرة وهي أننا لا نفهم ماهية الحرية أو العدالة.

فقد أصبحت كلها محض مُسميات لا نُدرك كنهها أو كيفية تطبيقها.

يقوم محفوظ في هذا العمل بالمقارنة بين العديد من البلاد بأفكارها ومُعتقداتها المختلفة ويقارن بينها وبين دول الإسلام، عن طريق الشخصية الرئيسية بالرواية وهو قنديل محمد العنابي “ابن فطومة”.

قنديل هو شاب مُسلم، فقد حبيبته بعد أن تزوجت غيره ودفعه اليأس إلى مغادرة بلاده فترك أمه وشيخه “مغاغة الجبيلي” ليبدأ رحلته إلى “دار الجبل” التي لم يصل إليها شخصٌ من قبل. دار ينظر إليها البعض على أنها “الكمال الذي ليس بعده كمال”، ويراها البعض الآخر أسطورة زائفة لا جدوى من الوصول إليها أو حتى الاهتمام بها.

 

يبدأ رحلته بهدف الكتابة عن أرض الغموض وكشف أسرارها والعودة إلى دياره وإيصال الصورة لأهلها.

خلال رحلته إلى “دار الجبل” يمر بعدة بلاد، فيقيم بـ”دار المشرق” عدة سنوات، ثم يُطرد منها لمخالفته أفكار وسياسات البلد، فيتركها ليصل “دار الحيرة” التي يُسجن بها عشرين عامًا بتهمةٍ مُلفقة، ومنها يسافر لـ”دار الحلبة” ثم “دار الأمان” فـ”دار الغروب”.

اختلفت الأنظمة السياسية والديانات بين البلاد التي مر بها قنديل، فـ”دار المشرق” أهلها يعبدون القمر، ولكل مدينة سيد يحكمها وهو يملك الأراضي والمراعي والماشية وحتى البشر يعملون عبيدًا له. لذا يعاني أهلها من الفقر والجهل والبؤس وحتى من يمرض يُعزل حتى يتم شفاؤه أو يموت فتأكله الجوارح.

وعلى الرغم من هذا هُم سُعداء ويتخيلون أنهم يحظون بأرقى صور الحياة.

و”دار الحيرة” يعبدون الملك، ويطلقون عليه “الملك الإله”، فقام نظامهم على تأليه الحاكم ودفع عامة الشعب إلى البؤس والجهل، في حين ينعم أصحاب المصانع والأراضي بأحقية التعليم والعيش الكريم، أما الآخرون فيجبرونهم على الطاعة والانقياد بحجة أن هذا هو طريقهم للسلام النفسي والخلاص الروحي.

وعن الذراع الأمني في “دار الحيرة” فهي تحكم البلاد بيدٍ من حديد، فَتفتك بكل من يعارضهم أو يطالب بحريته ويكون جزاؤه الإعدام أو يُزَّج في السجن بتهمة التمرد على الملك الإله. وتُمثل “دار الحيرة” الديكتاتورية التي حكمت العديد من الدول منذ قرون ومازالت قائمة في دول أخرى حتى الآن ولكن في النهاية فهو نظام سياسي مُستبد لا يدوم.

أما عن “دار الحلبة” فهي أرض الحريات، فكُلٌ له الحق في اعتناق الديانة التي يؤمن بها، والاعتقاد بالأفكار التي يرتضيها، ويصف أحد حكماء البلد نظام الحياة بـ”دار الحلبة” قائلاً: “بذلك اعتبرنا كل تحرر خيرًا، وكل قيد شرًا، أنشأنا نظامًا في الحكم حررنا من الاستبداد، وقدسنا العمل لنتحرر من الفقر، وأبدعنا العلم ليحررنا من الجهل”. فبذلك “دار الحلبة” تُشبه إلى حد كبير بعض الأنظمة الديمقراطية القائمة، أو هُيئ لهم ذلك.

و”دار الأمان” الذين يعبدون الأرض باعتبارها خالق الإنسان ومدخر احتياجاته، والتي يعتبرها النظام الحاكم “أرض العدالة”، يقول أحد أهلها في شرح نظام الحكم “نظامنا يُطالبنا بألا يتدخل إنسان فيما لا يعنيه، وأن يُركز كل فرد في شئونه، فالمهندس لا يجوز أن يثرثر في الطب، والعامل لا يجوز أن يخوض في شئون الفلاح، والجميع لا شأن لهم بالسياسة الداخلية أو الخارجية”. وهي في ذلك تشبه بعض الأنظمة الاستبدادية التي تقضي بأن يُغلق الفرد عقله ويؤدي فقط ما يؤمر به.

وأخيرًا “دار الغروب” التي تُعد بوابة “دار الجبل”.

استطاع محفوظ أن يجعلني أنظر لنفسي في المرآة حين قرأتها، فحين اعترض قنديل على بعض أفعال مسلمي “دار الحلبة” قائلاً “لو بُعث نبينا اليوم لأنكر هذا الجانب في إسلامكم”، رد عليه أحد الأئمة المسلمين من أهلها وتساءل بدوره “و لو بُعث النبي عليه الصلاةُ والسلام أما كان ينكر إسلامكم كله؟!”. فحقًا صدق محفوظ حين قال على لسان إحدى الشخصيات “الإسلام يذوي على أيديكم وأنتم تنظرون!”.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد