إذا كان العدل أساس الحكم، فالقضاء هو أساس العدل وركيزة للحكم والدولة. فلا عدل ولا مساواة ولا حفظ لحقوق الأفراد و الجماعات بدون قضاء عادل ونزيه ومستقل ينظر له بأنه ركيزة أساسية في بناء الدول. لا وجود لدولة العدل والقانون بفساد القضاء وعدم قيامه بدوره المناط به بشكل نزيه ومستقل.

 

وهذا ما تعاني منه منطقتنا بشكل عام؛ فالكثير من الشواهد إنما تدل على توغل السلطة التنفيذية على السلطات القضائية من خلال التعيينات والامتيازات والضغوطات بحيث تصبح العلاقة هي علاقة تبعية بعيدة كل البعد عن التكاملية مثلما يجب أن تكون.

 

لا يختلف المشهد كثيرا في العراق، فالاتهامات التي تكال للمؤسسة القضائية عديدة وشواهدها كثيرة. ومن هنا نرى في المظاهرات التي عمت العراق المطالبة، من ضمن مطالبات أخرى، بإصلاح البنية القضائية وتعديل القوانين الناظمة لهذه المؤسسة التي من صميم عملها منع توغل الدولة وإرساء دعائم الحق فيها ومحاربة الفساد بكل أنواعه.

 

خرجت المظاهرات جمعة تلو الجمعة في العراق وبساحة التحرير في بغداد منادية بإصلاح القضاء. كما أن المرجعية (السيد السيستاني) ساندت المظاهرات و شددت على عملية إصلاح القضاء. وكان قد قال ممثل المرجعية في كربلاء خلال خطبة الجمعة إن “إصلاح الجهاز القضائي، يشكل ركناً مهماً في استكمال حُزم الإصلاح …”  وكان للعبادي بيان قد صدر عن مكتبه يطالب القضاء بـ “القيام بسلسلة إجراءات جذرية لتأكيد هيبة القضاء واستقلاله وتمكينه من محاربة الفساد وتكريس مبدأ العدالة بين المواطنين”.

 

من ضمن المطالب الأساسية المتعلقة بإصلاح القضاء للمتظاهرين في ساحة التحرير هي إقالة الشخصية الشهيرة و المثيرة للجدل مدحت المحمود؛ السيد مدحت هو رئيس مجلس القضاء الأعلى و المحكمة الاتحادية العليا في العراق. خدم مدحت في عراق ما قبل 2003  وخلال حكم سلطة التحالف وما يزال على رأس السلطة القضائية لحد هذه اللحظة. أثير الكثير من اللغط حول شخصية مدحت المحمود وعمله وتاريخ خدمته  وبالأخص علاقته بالسيد نور المالكي رئيس الوزراء الأسبق، وما قيل عن تحالف ودعم مدحت للمالكي وقراراته.

 

قد تكون هذه الحادثة الأولى من نوعها، أن يخرج قطاعات من الشعب في مظاهرات عارمة للمطالبة بإقالة رأس السلطة القضائية وحرق صوره خلال المظاهرات. علما أن مجلس القضاء الأعلى رفض في جلسة استثنائية، كانت قد عقدت في 17 من أب لمناقشة تطوير المسيرة القضائية، طلب مقدم من رئيس المجلس مدحت المحمود بإحالته على التقاعد، معللا أن المصلحة العامة والعدالة في هذه المرحلة تقتضي بقائه في موقعه.

 

لاحقا, أعلن رئيس وزراء العراق، ومن خلال المتحدث باسم مكتب رئاسة الوزراء، أن لا سلطة للسلطة التنفيذية على السلطة القضائية وان الحكومة لا تستطيع تقديم ورقة إصلاحات للقضاء؛ حيث أن النظام السياسي العراقي قائم على فصل السلطات واستقلالية القضاء عن السلطة التنفيذية وأنه لا يحق للسلطة التنفيذية قانونياً التدخل بعمل القضاء أو الإملاء عليه فيما يفعله. بالمقابل، يحاجج البعض أن إعلان الحكومة حول مبدأ فصل السلطات صحيح لو تم التطبيق الكامل للدستور ، ولكن الكثير من القواعد الدستورية لم يجري تطبيقها ،وبالتحديد ما يخص إعادة بناء السلطة القضائية.

 

لا تتمثل الإشكالية في إصلاح القضاء في العراق بشخوص وتغيير مناصب ولكنها مشكلة جذرية. ولا يكون القضاء نزيها أو مستقلا إلا بإصلاحات عامة تشمل كل المؤسسات التي تعد هي من ركائز الدولة بما فيها مؤسسة القضاء. فبينما قدمت الحكومة ورقة الإصلاح الخاصة بها وصادق عليها البرلمان، وقدم البرلمان أيضا ورقة إصلاحية، بقيت الورقة الإصلاحية من جهة مؤسسة القضاء. حيث اجتمع مجلس القضاء الأعلى  بالسابق لدراسة الإصلاحات المحتملة، و لم تقدم بشكل رسمي رغم التداول. لكن للقضاء خصوصية فريدة من حيث التدخل بعملها وأشخاصها، فمن جهة، تدخل السلطة التشريعية أو التنفيذية في عمل القضاء قد يؤدي إلى نتائج غير مرغوب فيها وانحراف عمل المؤسسة وهناك الكثير من الأمثلة، ومن الجهة الأخرى عدم الدفع بعجلة إصلاح القضاء وخاصة بالحالة العراقية قد يؤدي إلى شلل الحركة الإصلاحية القائمة في الدولة.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد