إن قصة أردوغان وحزب العدالة والتنمية مع تقلبات السياسة، والتفنن في قيادة حلبة الصراع، سواء في الداخل أو الخارج قصة مشوقة وثرية جدًا يحسن التعاطي معها والتعرف على بعض جوانبها. والقصة بدأت في نوفمبر (تشرين الثاني) 2002، أردوغان لم يتمكن من تولي رئاسة الوزراء لإعلان المجلس الانتخابي الأعلى عدم أهلية انتخابه.

حينها طلب من عبد الله غُل ذراعه اليمنى تولي المنصب حتى يتسنى له تنظيم انتخابه شخصيًا أثناء انتخابات تشريعية جزئية تمكنه من الترشح إليها بفضل تعديلات اقرها البرلمان الذي يهيمن عليه «حزب العدالة والتنمية». وأصبح رئيسًا للحكومة في 11 مارس (آذار) 2003.

مع توليه ثلاث ولايات متتالية إثر فوز حزب العدالة والتنمية في الانتخابات التشريعية. لم يعد بمقدور أردوغان الاستمرار كرئيس وزراء لأن نظام حزب العدالة والتنمية لا يجيز له تولي أكثر من ثلاث ولايات، لكنه يريد الاستمرار بالحكم، وقيادة البلاد لأكبر مدة تتاح له يستطيع من خلالها تنفيذ خططه وما يرسمه لتركيا بعد الجمهورية الكمالية. أردوغان الرئيس المتميز لم يقتنع بمنصب رئيس الجمهورية محدود الصلاحيات، وقد ينتهي به الأمر قريبًا إلى خارج السلطة، أي بعد ولايتين رئاسيتين مدة كل منها خمس سنوات. فلجأ مرة أخرى لاقتراح استفتاء بتعديل الدستور؛ ليتحول النظام من برلماني إلى رئاسي مع صلاحيات واسعة لرئيس الجمهورية، ومدة أطول في الحكم بالنسبة لأردوغان قد تصل إلى 2029. وبعد ترقب حذر للأوضاع وتهيئة بعض الظروف في الداخل والخارج، فاجأ الجميع وبخطوة غير متوقعة الإعلان عن انتخابات رئاسية مبكرة.

والسؤال؟ هل حقيقة أن خطوات الرئيس أردوغان صحيحة ومحسوبة، أم مجرد ردة فعل فرضتها ظروف سياسية وأوضاع داخلية متناقضة. فالداخل التركي يصفه بأنه قناص سياسى وخير من ينتهز الفرص، فهو يتمتع بانتهازية سياسية كبيرة ويلقبونه بثعلب السياسة، لذلك عجل بالانتخابات البرلمانية والرئاسية، لكن المتتبع للأحداث المتسارعة في تركيا والمنطقة عمومًا يلاحظ أن هناك مجموعة من العوامل دفعت أردوغان لهذه الخطوة غير المتوقعة:

استثمار نتائج عمليات الجيش التركي فى عفرين حيث استطاع الجيش التركى أن يعيد الاعتبار لهيبته التى أهدرت بعد المحاولة الانقلابية الفاشلة في يوليو (تموز) 2016. يشير الدكتور علي حسين باكير لا شك أنّ الانتصار السريع في عفرين، هو رصيد إضافي للقيادة التركية، وقد جاء دخول المدينة متزامنًا مع الاحتفال في تركيا بذكرى معركة جناق قلعة التاريخية خلال الحرب العالمية الاولى ليعطي زخمًا أكبر للحدث على المستوى الشعبي.

الانتخابات هى بمثابة طوق نجاه لما يعانيه الاقتصاد التركى فمنذ بداية العام هناك تراجع للاقتصاد التركى والحكومة التركية خاضت معارك دبلوماسية ومعركة غصن الزيتون مع بداية العام مما ألقى بظلاله على الاقتصاد التركى وعلاقاتها الدولية، وجعل أنقرة تفقد تصنيفها الائتماني من المؤسسات الاقتصادية الدولية. حيث أعلنت وكالة موديز الدولية خفض تصنيفها الائتماني لتركيا من (Ba1) إلى (Ba2) أي غير استثمارية، مشيرة إلى استمرار ضعف مؤسساتها الاقتصادية والسياسية وتنامي المخاطر من العجز الكبير في ميزان المعاملات الجارية. وكذلك الأمر مع وكالة التصنيف الائتماني ستاندرد أند بورز التي خفضت أيضا التصنيف الائتماني لتركيا.

الاستعجال في تطبيق أحكام الدستور التركى الجديد الذى يكسبه صلاحيات واسعة، وتؤمن له مدة أطول في الحكم. يقول قادة في المعارضة التركية: إن إقرار الإصلاحات الدستورية سيقضي على أي فرصة لتحقيق حياد منصب الرئيس. وتشير تقارير إلى أن القانون الجديد سيتيح لأردوغان البقاء رئيس لتركيا بصلاحيات واسعة حتى عام 2029. وفق ما ذكرت رويترز إنه سيكون للرئيس نائب أو اثنان على الأكثر، وسيعين مباشرة قادة هيئات الجيش والمخابرات ورؤساء الجامعات وكبار مسؤولي الدولة وبعض الهيئات القضائية؛ مما يوسع سلطاته في الحكم، وبالتالي يسهل عليه إدارة دواليب الحكم بحرية تامة.

الاستعداد المسبق لما يمكن أن تفرزه الأحداث المتسارعة في المنطقة، والتي تزيد اشتعالًا يوما بعد يوم. فبعد أن اشتبكت تركيا فى أكثر من بؤرة متوترة فى إقليم الشرق الأوسط مثل الأزمة الخليجية والانحياز لقطر على حساب بقية الدول الخليجية وأيضًا مازال الخلاف مستمرًا مع مصر وتعمق أكثر بعد أن بسطت تركيا سيطرتها على جزيرة سواكن السودانية ومنع قواته التنقيب على الغاز في حوض البحر الأبيض المتوسط وهو ما فسر على أنه مكايدة للقاهرة، إضافة لرغبة الرئيس التركى فى الحفاظ على الدور التركى فى كل من سوريا والعراق وما تقوم به من جهد فى هذين الملفين الشائكين. فمن خلال صلاحيات واسعة للرئيس الجديد يمكن لأردوغان أن يتقدم في كثير من الملفات، وبالطريقة التي تخدم استراتيجيته ورؤيته للمنطقة.

إن السعي بتعجيل الانتخابات والإسراع بقطف الثمرة قد تكون لها دوافع تبررها كما ذكرنا. لكن الملفات الثقيلة التي تقع على كاهل التجربة الناشئة كتراجع الديمقراطية والحريات وتراجع الأداء المتميز للاقتصاد، ثم هبوط العملة المستمر زد على ذلك الغضب الغربي غير المسبوق لشخصية أردوغان، كلها ملفات ثقيلة قد تقضي على التجربة الأردوغانية أو تذهب مصدقيتها.

فعلى الرئيس أردوغان أن ينضم أولوياته ويسقل جيدا لغة الحوار مع الآخر مع حساب خطواته بشكل مختلف تمامًا عمَا عهدناه في السنوات الماضية. فالاهتمام بمخابر صناعة القرار في الغرب، أو حتى في بعض الدول المجاورة والسعي لتفهمها وحسن التعامل معها، من أهم أولويات المرحلة القادمة. فسياسة المباغتة والضربة الاستباقية للخصم، أو إحراز بعض النقاط آنية المفعول محدودة التأثير، سياسة لا تجدي نفعا. وقد تجعل من هذه التجربة المتميزة كيس ملاكمة تستقبل الضربات من كل الاتجاهات، وأخشى أن لا تصمد طويلًا؛ لأن هناك من يحسن تسديد الضربات جيدًا. ونستحضر هنا مقولة لهنري كسنجر حيث يقول: النمسا تعلمت متأخرة جدًا أن في العلاقات الدولية الالتزام بالثقة والمصداقية أهم بكثير من استعراض بعض الخطوات الذكية. النظام العالمي ص 73.

هناك عوامل عديدة تؤكد هذا التخوف ألخصها فيما يلي:

عدم وحدة قواعد حزب العدالة والتنمية بمعنى أن لا يدعم عدد من قواعد حزب العدالة والتنمية الرئيس التركي في الانتخابات أو الكوادر السياسية التي ستترشح في الانتخابات القادمة، حيث إن هناك قيادات لا توافق على التوجه الديني المتشدد لأردوغان وتُصر على الحفاظ على روح الديمقراطية الغربية والمبادئ الكمالية في تسيير دفة الحكم.

تهمة الإخوان حيث أصبحت ورقة غير رابحة وتسببت في عداء تركيا لمصر ولكثير من الدول العربية. اتّضحت العلاقة المذهبية مع الجماعة جليّة بعد فوز محمد مرسي الممثّل السياسي للإخوان في مصر بالانتخابات الرئاسية ممثلا ًبتبادل زيارات قادة الجماعة بين كلا البلدين إلى أن حدث الانقلاب العسكري في 30جويلية 2013 وإسقاط حكومة الإخوان في مصر.

كذلك سعي أردوغان للحصول على توافق روسي تركي والذهاب بعيدا بهذه العلاقة، على حساب تحالفه الاستراتيجي مع أروبا وأمريكا فهي مغامرة غير محسوبة العواقب. لأن الدب الروسي له حساباته في المنطقة وعلى رأسها أمن إسرائيل وتأمين منفذ على البحر المتوسط. حيث ذكرت صحيفة (أوراسيا ديلي) الروسية، أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يمكن أن يغدر بروسيا في أي وقت. وأضافت أنه حليف لا يمكن الوثوق به، فهو يفضل دائمًا اللعب على الحبلين، مؤكدة أن تركيا جزء من الناتو، فلا يمكن أن تكون حليفا موثوقًا لروسيا.

النفور الغربي الواضح من السلطان العثماني القادم حيث لا تكاد تخلو هذه العبارة من أدبيات الصحافة الغربية، فأردوغان لا محالة يسعى لتغيير المنحى التاريخى لتركيا من خلال انتخابات ترسم مستقبل البلاد ويؤسس لنظام سياسى جديد يتحلل من الإرث الأتاتوركى ويصنع دولة بديلة تنظر بعين الأمل لاسترجاع الإرث العثماني. إنها المعادلة الصعبة ومفترق طرق جعل تركيا حائرة بين مسارين، إما تتقدم بخُطا ثابتة بتوافق بين الجميع أو تسير نحو دولة ثيوقراطية جاءت عبر آليات ديمقراطية.

ولفهم الرؤية الغربية لتركيا يمكن استدعاء تصريح الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي الذي قال: إن أوروبا لن تقبل انضمام دولة سكانها 70 مليونًا من المسلمين، واستعماريّا يمكن ملاحظة الكامن الاستعماري في مقولة المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل عن انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي بأنه لا عضوية ولا قطع للتفاوض حول الانضمام.

الملف الكردي وهو من أعقد الملفات على طاولة أردوغان، حيث لا يخفى على أي متتبع للشأن الكردي، أن الحالة الكردية لا يمكن حلها بالحرب أو أي غطاء عسكري لو كان ذلك صحيحا لحصل قبل عشرات السنين، ومع من هم أكثر قوة وبطشًا من الجيش التركي.

كل هذه العوامل تضل عالقة في السياسة التي يرغب أن يرسمها أردوغان لتركيا الحديثة أو كما يعبر البعض الجمهورية الثانية.

وما نخلص إليه أن على أبناء حزب العدالة والتنمية ضبط الأمور والخروج من حالة الطوارئ وتهيئة البيت الداخلي التركي جيدا، يكون الحزب أحد الفاعلين في المعادلة التركية لا المنفرد بالكعكة، فالسعي أن يستفيد الجميع ويلتفت الجميع حول المشروع التركي أو مشروع الدولة التركية أفضل من أن ينفرد أبناء العدالة والتنمية بالحصة الأكبر، ويقع ما وقع فيه إخوان مصر، حينما دفعتهم الأنانية بالانفراد بالسلطة والتفريط في كل من كان يهتف لهم أو وقف إلى جانبهم، وللأسف النتيجة أنهم خسروا في أول مواجهة مع الدولة العميقة. وتسببوا في تراجع العمل الإسلامي والحقوق والحريات التي طالما عكفوا على حمايتها والذود عنها. وبالمقابل لا ينبغي للتجربة التركية أن تقع حبيسة فوبيا الثورة المضادة التي عصفت بالرئيس مرسي والألاف من أنصاره. فلغة القوة والضرب من حديد عادة تكون عواقبها وخيمة في دولة تشربت معنى الحرية والديمقراطية وفي محيط لا يسمح أبدًا بمثل هذه التجاوزات.

حزب العدالة والتنمية قد يكون في مفترق طرق لا ينبغي أبدًا أن يغامر برصيده السياسي في ساحة لا تعود عليه بالكثير من الغنائم، كان عليه تأمين موقعه جيدا مع جيرانه في آسيا الوسطى، وتأمين موقعه مع جيرانه الأوروبيين بعدها الحليف الأمريكي المراوغ عادة والمنافس الروسي الحذر. أما شؤون الشرق الأوسط والعرب عموما فكثيرا ما أتعبت تركيا ولم تفدها، كان عليها أن تستفيد من السياسة الجزائرية في هذا الصدد، حيث عملت الجزائر على الحفاظ على علاقة محترمة يسودها السلام والاحترام مع الدعم السياسي لا العسكري، وتجنب التورط في أي عمل عسكري (سياسة عدم الاشتباك) بالشرق الأوسط، فهو فخ معقد عميق لا نهاية له. أما الجارة الأوروبية والعمق الأفريقي فهما امتداد استراتيجي للجزائر على كافة المستويات، لا يمكن الاستهانة بهما أو التفريط فيهما. فالأولى لتركيا أن تتفهم دورها ومحدودية إمكانياتها، وهي العضو في حلف الناتو والشريك القوي لأروبا، والجارة المحترمة للبلقان وجمهوريات روسيا. وهي فضاءات يمكن لتركيا أن تكون لاعب مهم وفاعل على جميع المستويات خاصة الدور الحضاري المرتقب منها.

ولأهمية الجوار يقول روبرت كابلان: يجب أن يكف الجوار الجغرافي عن أن يكون مجرد تماس طبيعي ليتحول إلى رؤية للمحيط الجغرافي وإلى تصور للعلاقات الإقليمية. فالجوار ليس معطى مكانيًا فقط، وإنما هو ثقافة ينبغي أن ترتقي إلى ضرب من التكامل الثقافي على أساس التزامن التاريخي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد