لماذا فقد العدالة والتنمية بلدية إسطنبول الكبرى؟

لقد كان إعلان حزب العدالة والتنمية التركي ترشيح شخصية صاحبة تاريخ مثل السيد بن علي يلدريم لسباق رئاسة بلدية إسطنبول بمثابة دلالة قوية على أن الحزب يعلم صعوبة المنافسة، وربما تقديم فرص فقدان إسطنبول عن الاستمرار في حكم بلديتها هذه الفترة.

فالسيد بن علي يلدريم عُرف وزيرًا للنقل والمواصلات قدم خلال فترات توليه هذه الوزارة الكثير والكثير على مستوى البنية التحتية للطرق والكباري والأنفاق وتطوير منظومة المواصلات بكافة أنواعها (مترو، تراما، متروباص، باصات النقل العام) بشكل متميز، ثم آخر رئيس لوزراء تركيا ورئيسًا للبرلمان، ولديه رصيد كبير من الاحترام والحب والتقدير لدى المواطن التركي، ولو أن مرشحًا غيره خاض غمار التجربة عن العدالة والتنمية لما حصل على نصف ما حصل عليه بن علي يلدريم في الجولة الأولى، رغم عدم حصوله على ثقة الناخبين وترأسه لبلدية اسطنبول، إذًا بن علي يلدريم الرجل المحب لبلده الخادم له حمى حزب العدالة من ظهور باهت في انتخابات رئاسة بلدية إسطنبول.
أما بالنسبة لاتساع الفارق بينه وبين منافسه أكرم إمام أوغلو في الجولة الثانية ليصل إلى 700 ألف صوت بعدأن كان 10 الآف صوت فقط في الجولة الأولى، فيرجع السبب في ذلك إلى التسويق السياسي إعلاميًا لفكرة أن السلطة التنفيذية تريد أن تتجاوز إرادة الشعب، وبرغم فوز إمام أوغلو، يتخذون قرارًا بإعادة الانتخابات، ومن ثم جاء العناد وتجلى في الصندوق.
نأتي إلى ما يمكن الحديث عنه كسبب، أو أهم الأسباب الداخلية لفقدان العدالة والتنمية أنقرة وإسطنبول.

1- الوضع الاقتصادي

ظلت الأوضاع الاقتصادية الجيدة المستقرة أهم حافز لدى المواطن التركي يدفعه نحو التصويت دون تفكير لحزب العدالة والتنمية وقائده طيب أردوغان، صاحب التجربة.
وما أن بدأ الوضع الاقتصادي للمواطن التركي في التذبذب وتفاقم شعوره بالضغط وتزايد الصعوبات المادية وارتفاع أسعار كل السلع المنقولة والثابتة والمستهلكة، والتي انعكست على مزاجه وتفكيره في كيفية الخروج من هذا المطب فانطلق من لا يهمه أسباب هذه الأزمة ومن ورائها من محاور الشر في الشرق والغرب عرب وعجم، نحو البدائل السياسية ليستمع إلى برامجه على أمل أن يجد ضالته وحل معضلاته في برامجهم الانتخابية كما كان حاله في سنين العسل مع العدالة والتنمية.

٢- تحالف المعارضة

اجتمعت المعارضة التركية على هدف وفي مساحة عمل تجمعهم بعد أن كان من المستحيل الحديث عن مجرد تكهن بتلاقي بعض مكونات العملية السياسية مع بعضهم، فتأسس تحالف الجمهورية الذي ضم حزب الشعب الجمهوري (أكبر حزب معارض ووصيف العدالة والتنمية)، حزب الجيد (أسسته القيادية في حزب الحركة القومية بعد انشقاقها ومعها نسبة كبيرة من هيكل الحركة وكوادره)، حزب الشعوب الكردي بقيادة صلاح دميرطاش (معتقل حاليًا)، حزب السعادة (امتداد حزب الرفاه – الذي أسسه الأستاذ نجم الدين أربكان).
لقد حققوا المستحيل بتحالفهم من أجل إسقاط أردوغان، فكان الحديث عن تحالف مثل هذا بمثابة ضرب من خيال. فأبناء الحركة الإسلامية ممثلين في حزب السعادة برئاسة كرم الله أوغلو من جهة، وحزب الشعوب الكردي الرافض لحكم العرق التركي، ويحمل الكرد مشاعر لا وصف لها من المظلومية وإحساسهم بالدونية أمام الترك، والحركة القومية الممثلة بحزب الجيد المناهضة للأكراد، والتيار العلماني المناهض للإسلام السياسي، والذي يحمل نظرة عدائية لمظاهر التدين وجرم في سنين حكمه أن تدخل المحجبة الجامعة أو تتقلد منصب حكومي أو تصل إلى البرلمان، وكذلك جرم استخدام اللغة الكردية وأذاق الكرد ما هو أشد من المرار لعقود.
فحزب الشعب الجمهوري يهدف من هذا التحالف باعتباره المنافس الوحيد لحزب العدالة والتنمية إلى تحقيق تفوق، فشل في يحققه معتمدًا على شريحته الصلبة (حوالي 27% من أصوات الناخبين وفق نتائج الاستحقاقات في آخر خمس سنوات).
وكذلك حزب الجيد الذي جمع المنشقين عن الحركة القومية ممن لديهم ميول علمانية، وبالتالي فإن التقارب الفكري يجعل من تحالفهم مع حزب الشعب منطقي ومفهوم.
أما حزب السعادة فلا منفعة من وراء هذا التحالف وحركهم فقط الرغبة في إسقاط أردوغان، أما عن الأكراد فتحالفهم مع من يحملون لهم مشاعر سلبية للغاية جاء بدافع الانتقام من أردوغان الذي اعتقل زعيمهم السياسي صلاح دميرطاش رئيس حزب الشعوب الديموقراطي.
خاض هذا التحالف ثلاث استحقاقات (البرلمان، الرئاسة، البلديات) لم يستطيع التفوق على تحالف الشعب المكون من العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية (الذي فقد نسبة كبيرة من قوته التنظيمية بانشقاق ميرال أكشنار زعيمة حزب الجيد)، كانت الغلبة لتحالف الشعب باستثناء الانتخابات البلدية في أنقرة وإسطنبول.

٣- الأكراد

حالة من التجييش والشحن جعلتهم صوتا واحدا في انتخابات بلدية اسطنبول الكبرى، وأصواتهم التي تمثل 15% من إجمالي الناخبين في إسطنبول ستذهب إلى أكرم إمام أوغلو مرشح حزب الشعب الجمهوري، كما كانت في الجولة الأولى.
هكذا قال لي الشاب الكردي العشريني، والذي يعمل في إحدى شركات الالكترونيات في لقاء معه قبل انتخابات الإعادة بيومين، ولم يجد حرجا في أن يقول إنا لا نريد إلا إسقاط أردوغان لأنه يظلم الأكراد، ونحن في هذه البلد نعامل كمواطنين من الدرجة الثانية ونواجه نظرات دونية، حاولت أن أفهم منه كيف هذا والأكراد بقيادة العدالة والتنمية أصبح لهم قناة حكومية تركية ناطقة بالكردية وأصبحت لغة رسمية ومحطات راديو وأصبح بمقدور كل كردي أن يتحدث في أي مكان باللغة الكردية داخل تركيا، فكيف ستعطون أصواتكم لمن كان يجرم اللغة الكردية ولا يعترف لكم بتمثيل سياسي أو تشكيل حزب سياسي، وتسعون إلى إسقاط من منحكم حقوقكم؟ قال الشاب وبدا عليه الارتباك، صحيح حدث هذا، ولكن بفضل نضال عبد الله أوجلان (زعيم كردي)، ثم ساق لي سببًا جديدًا يجعلهم يرفضون أردوغان، وهو اعتقال زعيمهم ورئيس حزبهم السياسي صلاح دميرطاش، وأعاد كلمته بحماسه، أننا نريد إنزال أردوغان من كرسي الحكم.
جاءت واقعة اعتقال صلاح دميرطاش، الذي خاض غمار الانتخابات الرئاسية من داخل محبسه وبُثت خطاباته على الشاشات، على خلفية اشتراكه في جنازة مقاتلين أكراد في مواجهة من الجيش التركي، وهذه في نظر القانون التركي جريمة ودعم وتأييد لجماعات إرهابية انفصالية تقاتل الجيش التركي، ولم تتردد السلطات في اعتقاله وشعورها بأن هناك إخلال بالمصالحة والانخراط في العملية السياسية بحزب سياسي ونبذ العنف وترك السلاح، وبدت الأمور على أنه جناح سياسي لحركة معادية للدولة التركية، وليس حزبًا سياسيًا داخل الدولة التركية.

٤- الشباب

شباب الجامعات لا يسيطر على تفكيرهم إلا التغيير حتى وإن كان لمجرد التغيير، وبطبيعة المرحلة العمرية يمكن قبول هذه الفكرة، خصوصًا وأنهم ولدوا في عهد أردوغان وعلى وشك التخرج من الجامعة وهم في عهده، ومنهم من تخرج وبدأ مشوار الكبد مع الحياة.
سمعت من بعضهم ووجدت وانحصرت أسبابهم في أنهم بحاجة إلى تغيير ولابد لكل جيل أن يختار من يعبر عنه ويمثله في إدارة شؤونهم وأن من جاء بأردوغان إلى سدة الحكم كانوا شبابًا فمن حقنا نحن أيضًا أن نأتي بمن نؤمن به.
لاشك أن هناك قليلًا من كثير منهم على دراية بطبيعة المعركة الأممية التي تخوضها بلاده إقليميًا ودوليًا، واختياراتهم عقلانية وموضوعية إلى حد كبير واختياراتهم لا تأتي بدوافع التغيير من أجل التغيير.

٥- المسائل الداخلية في العدالة والتنمية

كما لم تكن أزمة أحمد داود أوغلو رئيس الوزراء الأسبق والرئيس السابق عبد الله جول، بعيدة عن فتحدث الكثير عن أنها أحدثت تأثيرًا سلبيًا لدى عدد من أعضاء والقيادات الوسطى في الحزب، ولكنه تأثير ضعيف في حد ذاته لا يصنع فارق إذا كان سببًا وحيدًا، ولكنه ساعد باقي الأسباب في إحداث هذه النتيجة.
٦- جماعة الخدمة (فتح الله جولن)
عمليات القبض على أعضاء جماعة الخدمة بزعامة فتح الله جولن، بعد محاولة الانقلاب الفاشلة في 15 يوليو (تموز) 2016، وعمليات تسريح الآلاف من موظفي الدولة في كل القطاعات لانتمائهم لهذه الجماعة التي حاولت مرارًا وتكرارًا التغيير بالقوة والسلاح بمحاولات عدة للانقلاب، خلفت حالة من النقم في أوساطهم الاجتماعية من أسر وعائلات، وربما أقرب الأصدقاء، على النظام السياسي، والذي بالضرورة ينعكس على اختياراتهم في الاستحقاقات الديموقراطية، وصنعت لديهم وإن كانوا غير منتمين لهذه الجماعة، رغبة في التغيير باعتباره السبيل الوحيد لتحقيق أمل لقاء أحبتهم، بغض النظر عن معايير الموضوعية في الاختيار ووضع مستقبل بلادهم نصب أعينهم، العاطفة والغضب دافعهم الوحيد بهدف بسيط إذا ما قارناه بمستقبل ومصائر بلاد وأمم.

٧- ملف اللاجئين

الورقة الرابحة للأحزاب المعارضة في عمليات التسويق السياسي الإيجابي لهم والسلبي بكل تأكيد لحزب العدالة والتنمية، حملات دعائية مكثفة رسخت لدى عدد ليس بالقليل من المواطنين الأتراك قناعة أن السوريين وراء كل الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في تركيا، يحصلون على مرتبات من الحكومة التركية في حين يتألم الأتراك من ضيق الحال وغيرها من الادعاءات العارية تمامًا من الصحة في مجملها، عدا أزمة ارتفاع أسعار العقارات بيع وشراء وإيجار، وهذا الارتفاع تسببت فيه زيادة الطلب واستغلال أصحاب المال والعقارات، الذين يستغلوا حاجة الأجنبي لمسكن فيضاعف من قيمة الإيجار وهو متأكد أن الأجنبي سيقيل، وبالتالي يصنع أمر واقع يعاني منه الجميع.

أما عن التحديات الخارجية فحدث ولا حرج، ومن كل حدب وصوب ففي الشرق الصهاينة والسعودية والإمارات ومصر والبحرين، وفِي الغرب كُثر ممن يعملوا على إنهاء حكم العدالة والتنمية للتخلص من الوجود التركي المزعج لهم إقليميًا ودوليًا وتعود الأمور كما كانت عليه، طيبة مُطيعة لا تنشغل إلا بما يأتيها من الغرب.

وأظن ختامًا أن العدالة والتنمية لديه بدائل ومشاريع لاستيعاب ما يمكن استيعابه من الغاضبين، واستحداث شرائح مؤيدين وإيجاد لغة حوار مع الشباب لمواجهة تحالف شرائح المعارضين الصلبة الراغبة في التغيير كالشباب والأكراد والقوميين العلمانيين وحزب السعادة وحزب الشعب الجمهوري.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد