لم تكن الكوفية مرتبطة بالشخصية الفلسطينية، بل كانت لباسًا عامًا عند الفلاحين وأهل البادية، ومن ثم ارتبطت بالنضال الفلسطيني بعد الثورة الفلسطينية الكبرى عبر تضامن الشعب مع الثوار الذين كانوا يرتدونها، وارتداها ياسر عرفات كرمز النضال الفلسطيني، ومن ثم بدأت ترتبط بالشخصية الفلسطينية بعد ما يعرف بمجزرة سبتمبر (أيلول) 1970، ومع أحداث الانتفاضة الأولى 1987، ومع التغطية الإعلامية المكثفة بدأت تنتشر الكوفية كرمز للقضية الفلسطينية، واتخذتها الجبهة الشعبية الحطة الحمراء كمقاربة لليسار العالمي الذي يعتمد اللون الأحمر، فبات الكثيرون يرتدونها كرمز متجاوز للنضال وباعتبارها تعبيرًا عن الهوية الفلسطينية في الداخل والخارج، إيحاءً بأن القضية مازالت ثورية ومتفاعلة حاضرًا ومستقبلًا، فهي فاعلة بالارتقاء بالوعي الجمعي، وعلو للعزائم، وسببٌ لكي يثمر العمل الوطني، فهي أيقونة تتجدد معناه بتجدد النضال العربي الفلسطيني المستمر.
في القدس بتاريخ 18 سبتمبر سنة 1938، أثناء اندلاع الثورة الفلسطينية الكبرى أرسل مجموعة من المحامين العرب وهم: المحامي مغنم مغنم، والمحامي أحمد زكي الأسطة، والمحامي حنا عصفور، والمحامي هنرى كتن، والمحامي جودت الكاظمي. إلى قاضي قضاة فلسطين رسالة

سعادة قاضي قضاة فلسطين المحترم. الموضوع- الكوفية والعقال.

اتصل المحامون العرب أن أمرًا صدر من سعادة وكيلكم قبل رجوعكم بصورة تعليمات إدارية فيه أمر القضاة وحكام الصلح بأن لا يسمحوا لأحد من المحامين العرب بالمرافعة أمامهم وعلى رأسهم الكوفية والعقال وقد صدر هذا الأمر وبوشر بتنفيذه دون أن يستشار أحد من المحامين العرب وقبل أن يعلن هذا الأمر لأحد منهم بأي صورة. حتى فوجئ أحدهم بطلب من حاكم الصلح برفع لباس رأسه قبل المرافعة.

وبناء على هذه الوقائع عقد المحامون العرب اجتماعًا مستعجلًا بتاريخ 18 أكتوبر الجاري وبعد المداولة في موضوع هذا الأمر قرروا بالإجماع تفويض الموقعين بذيله ليقدموا لسعادتكم البيانات والاعتراضات التالية:

1) اتخذت الأمة العربية في فلسطين الكوفية والعقال لباسًا للرأس بوجه عام والمحامون العرب كأفراد من الأمة اتخذوا هذا اللباس لباسًا لهم.
2) أن الكوفية والعقال هي اللباس العرب للرأس وليس بالشيء المستحدث أو الغريب في هذه البلاد وفي البلاد العربية الأخرى.
3) أن العادات العربية تلزم تغطية الرأس مهما كان نوع ذلك الغطاء في المواقف التي تستدعى الاحترام فارتداء الكوفية والعقال أمام المحكمة هو من دواعي الاحترام وتنفيذًا لتلك العادات القديمة ورفعها في مواقف كهذه معناه عدم الاحترام. وعندما كان المحامون العرب يرتدون الطربوش كانوا يبقونه على رأسهم احترامًا للمحكمة، وكذلك كان يفعل القضاة العرب أيضًا اتباعًا لتلك العادات.
4) فبعد أن أجمع المحامون العرب على اتخاذ الكوفية والعقال نرى أن صدور أمر مهما كانت قيمته القانونية «إذا كان له أية قيمة قانونية، هو ليس فقط خروجًا على العادات العربية، بل تعديًا على الحرية الشخصية، وربما كان فيه تحد أيضًا للشعار العربي القومي».

فاتجاه هذه الاعتبارات جميعها لا يسع المحامون العرب إلا إظهار استيائهم من إصدار أمر كهذا لا قيمة قانونية له حتى ولا داعي لإصداره والذي لا يخرج عن كونه تدخل في الحرية الشخصية بارتداء زي عربي قرر المحامون العرب بإجماع الرأي ارتدائه أمام المحاكم أيضًا، ويستثنى من ذلك طبعًا المشايخ ( المتعممين). لذلك نرفع هذا لسعادتكم ملتمسين فيه الأخذ بجميع ما عرضناه آنفًا وإلغاء الأمر المذكور محافظة على دوام تلك الصلات الحسنة الموجودة بين المحاكم والمحامين.

وتفضلوا بقبول فائق الاحترام.

الكوفية الفلسطينية التي لا تغادرنا ليس لباسًا فقط، ولكن فلسطين حتى وهي بعيدة، تمنحنا الكثير من الدِفء، فتوشحنا بالكوفية أصبح رمزًا للنضال الوطني والاجتماعي عند شعوب العالم وكل الأحرار.

فالكوفية لها دور الخطاب في كل المحافل العالمية لتعبر عن الشعب الفلسطيني المناضل في كافة مناطق الشتات، فهي عنوان الأول للرئيس عرفات.

هذه الوثائق من أرشيف جمعية المحامين العرب في قضاء القدس.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد