لا يفوتني أن أكتب عن آخر خليفة للإسلام والمسلمين، إنه الخاقان (لقب لكل ملك عند الأتراك) عبد الحميد الثاني في ذكرى موته الذي كان تذكيرًا لنا بسقوط الخلافة الإسلامية، والتي كانت قاصمة الظهر، وانهيارًا غير مسبوق في تاريخ الأمة كلها، بالرغم من كل ما فعله عبد الحميد من محاولات لإعادة الدولة إلى مجدها وعزها، من إصلاحات مادية ملموسة فى الطب والهندسة والزراعة، وإصلاحات اقتصادية أدت إلى تقليل الدين العام إلي النصف تقريبا، بالإضافة إلي محاولة نشر الوعي عن تاريخ الأمة وحاضرها، ونشر ثقافة الأمة الواحدة الذي هو مطلب ديننا الإسلامي في الأساس، لكن الخطط الغربية كانت أقوى، فخر سقف الخلافة الإسلامية من فوق ذلك البناء الشامخ الذي ظل قرونًا – من عهد أبي بكر الصديق – يشهد إنجازات في كل مناحي الحياة – حتى عبد الحميد – وأتت الأمة الأفكار التي تمزقها من حيث لا تشعر، وكانت هذه الأفكار سببًا في تشرذم الأمة فكريًا، والذي أدى تبعًا لتحول الأمة إلى دول متقطعة، ثم محاولات لجعلها دويلات طائفية، وكان ذلك كله نتيجة أفكار ناقدة للفكر الإسلامي تزعم في ظاهرها قيامًا للأمة – التي تخلفت ماديًا لفترة – لكنها تحمل في باطنها هدمًا وذلًا للأمة الإسلامية والعربية؛ لأننا في أمة لا تقوم إلا بثقافة، وثقافتنا منبعها ديننا، لكن لكي تزول الخلافة، وبالتبعية يزول الدين من التعاملات، كان يجب طرح أفكار ضد ثقافة الأمة ودينها، وكان من أهم هذه الأفكار.

1- فكرة القوميات

كانت الفكرة الإسلامية ولا تزال تحمل معنى العالمية في مبادئها وأصولها ومقاصدها، لكن كان على الغربي – حتى يرتاح ويـتأكد أنه لن ينافسه أحد في ملكه – أن ينشئ مبادئ جديدة يتنحى فيها الإسلام، ويتم تهميشه وتبقى أفكار جديدة تحمل معنى التقوقع، فكانت فكرة القوميات والعصبيات التي نادي رسول الله صلي الله عليه وسلم بقتل كل عصبية مقيتة، فقال لمن ينادون بالعصبيات (أبدعوى الجاهلية وأنا بينكم)، فسمى المفاخرة بالعصبيات أمرًا جاهليًا، ولكن الأمة قد نسيت دينها، فنادت الأمم العربية بإرادة انفصالها عن لحمتها، فصارت في مصر القومية المصرية، وفي العرب القوميات المختلفة، ولم يرتح الغربي في ذلك، بل قسم أبناء العروبة إلى دول كما في اتفاق سايكس بيكو، لتظل الأمة ذات القومية الواحدة متناحرة في نفسها! فلا تقوم لها قائمة، ونسي هؤلاء أنهم جميعًا لم يكن لهم تاريخ عظيم أو مجد تليد إلا بمبادئ الإسلام العالمية، وأخلاقه الرفيعة، لذلك حارت هذه الأمم جميعًا، وهم يبحثون عن تاريخ يقيم حضارتهم الجديدة يكون بديلًا عن حضارة الإسلام وثقافته! كذا زعموا! فلم يجدوا إلا الغرب مرة أخرى، فتركوا ثقافتنا المتجذرة منذ القرون لتلك الأمة الغربية المادية المتحضرة التي تتخبط في ثقافتها، ولا تدري من أين تأخذ تلك الثقافة، وقد نبذت دينها لفترة، ولم تبق إلا التجارب التي أنتجتها فى مجال الثقافة والأدب، وهي لا تعدوا في أغلبها، إلا كزبد يوشك أن يذهب جفاءً، ذلك لأنه ليس للغرب حتى يومنا هذا ثقافة تذكر، أو مجد أدبي، أو تربوي كبير، مثل تاريخنا العربي والإسلامي، ولكن أمتنا العربية أبت إلا أن تكون تابعة للغرب بثقافته التي تخلو في الحقيقة من الثقافة ومبادئها إلا قليلا.

وبدأت صناعة تاريخ جديد لكل بلد على حدته، وقطع أصحاب القوميات العلاقة  بين الأمة الواحدة المتمثلة فى الخلافة وبين بلادهم، بل قطعوا الصلة الإسلام وبين ثقافتهم وصار الإسلام هامشيًا بعدما كان مصدر حياتهم! فلا يذكر أحد عز الخلافة العثمانية ولا العباسية ولا الأموية، بل سموا الخلافة اسم دولة! لم يُعلّموا أبناءنا أن دولتكم قد حكمت ثلثي الكرة الأرضية، وذلك بفضل دينها السمح الذي نشر العدالة في الجميع، بل تحول التعليم إلي تعليم أجوف قائم على تعظيم الحاضر وقطع الصلة بالماضي فترانا نمجد كل رئيس! ولا توجد بعدًا له أمجاد، بل تصنع الشعوب أمجاد حاكميها بتغنيها له! وترانا نعلي اسم قطر بأمجاده المزعومة، وبعدما كانت أمتنا ذات اسم واحد صارت لها أسماء متعددة كمصر والمغرب والجزائر وغيرها من أسماء صنعوا لها تاريخًا مبتورًا.

كانت فكرة القومية قد سحبت البساط من تحت أقدام الفكر الإسلامي مع غفلة بين أبناء الإسلام عن تاريخه ومجده فصار واقعنا كما ترى! ولم يقف الأمر على ذلك فهم يعرفون أن الإسلام سينمو من جديد، لذا حاربوه بأفكار أخرى أهمها.

2- الإسلام منهج ديني لا سياسي

كانت هذه هي القشة التي قصمت ظهر البعير في محاولة لعدم قيام الإسلام مرة أخرى، فكانت هذه الفكرة التي تبعد المسلمين عن مجدهم وعزهم، ولكي تتأصل عند الجميع أن الحكم لا علاقة له بديننا استخدم رجالا نحسبهم رجالًا مخلصين، لكن وقعت منهم الغفلة، مثل الشيخ علي عبد الرزاق، فهو رجل من أبناء الأزهر الشريف،  ذو علم ومعرفة ليست بالقليلة، لقد استعمله الغربي بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، فلقد تغلغل الاحتلال في كل شيء حتى صار احتلالًا ثقافيًا، وكتب الشيخ علي رحمه الله وغفر له كتابه (الإسلام وأصول الحكم). وتقوم فكرة الكتاب المركزية على تفسير الدين الإسلامي بما يتفق مع التصور الغربي للدين، فرسالة النبي  ما هي إلا رسالة روحية ليس فيها إلا البلاغ لوجود (آيات متضافرة على أن عمله السماوي لم يتجاوز حدود البلاغ المجرد من كل معاني السلطان). فهي رسالة لا تتضمن سلطة حكم، حيث كان النبي صلى الله عليه وسلم (رسولًا لدعوة دينية خالصة للدين لا تشوبها نزعة ملك ولا دعوة لدولة منكرًا بذلك الخلافة والحكم، واللذين استقرا من عهد النبي صلى الله عليه وسلم، حتى قبل مائة عام من الآن!

ولا أريد أن أكتب عن زيف هذه الفكرة فقد رد عليها شيخ الأزهر مولانا العالم الشيخ محمد الخضر حسين رحمه الله وغفر له في كتاب (نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم) فجاء برد بديع، وكتب العلامة الطاهر بن عاشور وغيرهم في نقض هذا الكتاب، لكن كان هذا الكتاب وللأسف نواة وقف عليها بعض أبناء أمتنا المستغربين، فترى الدكتور فرج فودة وغيره حتى الآن يرددون ما في هذا الكتاب، بل يمجدونه، وزاد الطين بله أن يدخل هذا الكلام بين بعض أبناء الجماعات السلفية، كذا زعموا، يقولون: (إن الله لم يتعبدنا بإقامة الدولة أو الخلافة، بل بالصلاة والصيام!) وهذا كذب مفتر، ويكفيك لدحض كل هذا أن الإسلام كان بخير في مكة لو لزم العبادة وفقط، ولكن دينًا عالميًا ليس خاصًا بجنس أو لون كان عليه أن يناضل من أجل إقامة العدالة فى البشرية كلها وتعريف الناس برب الناس من خلال العدل والخير، لا من خلال العبادات وحدها، لقد هاجر الإسلام ليقيم عدالة كاملة بدين كامل لتعلم البشرية أن هذا هو النظام الإلهي الحق المكون من حكومة تخدم الشعب بأمر الله، فإن ظلمت حوسبت من الناس أولُا، ومن الله بعدئذ.

3- تغيير ثقافة الأمة

فليست هناك أمة بلا ثقافة، وإذا حاربت الأمة ثقافتها انتكست وضلت الطريق، والثقافة تتكون من عوامل متداخلة، أهمها الدين، ثم العادات والتقاليد، ثم الماضي المشرق، وأبرز مقوم للثقافة هو الدين، وهذا الدين كان مشعل الحضارة في أرض العرب، ثم في العالم كله، الأمر الذي جعل عمر بن الخطاب يعترف بذلك قائلًا: (نحن قوم أعزنا الله بالإسلام فإن ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله)، لذلك كان على الغربي أن يغير ثقافة الأمة حتى يتمكن منها ويوهنها، ويوهمنا بأن التخلف سببه هذا الدين! ووضع دينه الذي كان سببًا في مجاعته وتسلط الحكام عليه، في مقابل ديننا الذي كان قاطرة الحضارة في الدنيا كلها بداية بتحديده لعلاقة الحاكم بالمحكوم فى أول خطبة له في قول الصديق: (أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم)، منتهيًا إلى ضرورة التطور لصالح البشرية كما في القاعدة (حيثما وجدت المصلحة الحقيقية، فثم شرع الله) وبهذه الأحكام الإسلامية عاش المسلمون أربعة عشر قرنًا في خير وسلام وتقدم، ولكن الحضارة الغربية وتقدمها أنستهم ذلك كله، ومع إرادة الغربي أن يطيح بكل حضارة من شأنها المنافسة، فقام بمحاولة إدخال نفس الأفكار الغربية من وجوب إزالة الدين من الحياة ووضع الواقع الغربي الذي كان متخلفًا بسبب الدين فى الحكم إلى الواقع الإسلامي الذي كان متحضرًا بسبب الدين، فدخلت المنتديات التي تنادي بالإلحاد تارة، والأفكار التي تصرف الدين عن السياسة فى واقع مرير لم يحدث في عالمنا من قبل، وكان الغزو الفكري الذي كان أداة الغزو الاستعماري؛ مما أدخل أفكارًا من شأنها هدم حجر الأمة كلها من أساسه، وصارت هذه الأفكار حيز التطبيق من وضع تعليم مواز لتعليم الأزهر الشريف مثلًا، ثم تهميش دور اللغة العربية التي هي قوام الثقافة، ثم إزالة القرآن الذي هو أساس الأخلاق والثقافة والديانة وإزالة الكتاتيب أدى ذلك كله إلى تغيير ثقافة الأمة، فصارت دور الغناء بدلًا من دور القرآن؛ الأمر الذي جعل إسماعيل باشا يستدين ليقيم الأوبرا!

ونادى الغربي بمزيد من تغيير الثقافة؛ فتغيرت الثقافة، لكننا لم نصنع سيارة أو دبابة أو طائرة، ولم نمتلك سلاحًا نوويًا في الوقت الذي امتلكه الكيان الصهيوني المعتز بلغته وثقافته الباطلة!

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!