لقد كان من المثير للاهتمام أنْ يحتوي كتاب “الهويات القاتلة” على كلّ هذا الكمّ من اللفتات المهمّة حول (الهوية) لدى البشر، والذي باسمٍ كهذا بوسعنا أنْ نتذّكر “السِّياجات الدّوغمائية المُغلقة، أو الانغلاقات التّراثية” للمفكّر الجزائريّ الراحل محمد أركون، و”زمن دين بلا ثقافة أو ما يُسمّى بالجهل المقدّس” للكاتب الفرنسي أوليفييه روا، وقصيدة “طباق” للشاعر محمود درويش حينما كتبها في المفكّر والمنظّر “إدوارد سعيد” ، بالإضافةِ إلى أنّ هذا الكتاب كانَ يُذكّرني للغاية برواية “الرجل الخَرَاب” للروائيّ “عبد العزيز بركة ساكن” وهو روائيّ حاصل على جائزةِ الطيِّب صالح عن مؤلَّفة “الجنقو مسامير الأرض” للعام 2009، والذي صَدَر بعدها بقليلٍ من الزّمن قرار وزارة الثقافة السودانيةّ بمنعِ الرّواية وتداولها.

ولقد كان “ساكن” كثيرًا ما يعتبر سلوكيات الحكومة بمنع العديد من مؤلفاته من النشر والتداول أمرًا غير مقبول، وعليه كان يؤكِّد على أنّه:

“كاتب حسن النية وأخلاقيٌّ، بل داعية للسِّلْم والحرية، ولكن الرقيب لا يقرأني إلا بعكس ذلك.”

“عبد العزيز ساكن” في روايته “الرجل الخراب” يضع لنا نموذجًا مفصَّلاً وقيّمًا بالمعنى الجليّ حول كتاب “الهويات القاتلة” والمحاور المُدَار حوله أفكاره، وليَكُن القارئ في الصورة، فإنّ الرجل الخراب بمثابة رواية يدور فيها الصراع من خلاله شخصيته الأبرز فيه ألا وهو “درويش” وهو سودانيّ الأب ومصريّ الأم، يجد ارتباكـًا هائلاً في ذاتِه أمام تركيبةٍ معقدة كهذه مُضاف إليها كونه قد انتمى في فترةٍ من حياته إلى “الجماعات الإسلامية ” ولولا حادثٍ حدث له قرَّر بموجبه السفر كمهاجرٍ غير شرعيّ إلى “النمسا” لأصبحَ الآن أحد أبرز المجرمين بامتياز- ربما!

 

ما حصل بأنّ درويش غادرَ فعلاً وكمهاجر غير شرعيّ إلى النمسا، ليَجد نفسه وفي رحلته المُروّعة تلك أمام عصفٍ من التحديات والأزمات اللاحدودية، ما بين صراع كونه (مهاجر)، و(غير شرعي)، وصراع التنقل (الرذيل والمهين) من بلدةٍ إلى أخرى، بالإضافة إلى التعرّف على وجوهٍ جديدة، ومعاناة أكثر شراسةً ممَّا لأي إنسان فينا تصوره، إلى أنْ يصل في نهايةِ المطاف بمصيرهِ إلى الزواج بنمساويةٍ تُسمَّى “نورا شولز” وإنجاب طفلته “ميمي” في النمسا، وأمام كل هذا التعقيد، يجد نفسه أمام زوجة نمساوية لا تفهم جيدًا ما لديه من (هوية جذرية)، وما لديه من انتماءات إسلامية، وموروثات ثقافية، وعادات آنفة كامنة فيه تختلف كثيرًا عما هو كامنٌ فيها، ليعيش بعدها صراعًا طاحنـًا للغاية معنويًا وأُسريًا باسم كل ذلك من التركيبات المتشابكة في (الهويّة) لديه ولدى والديْه سابقـًا وبيئته الاجتماعية في الأصل، وأهله، وحبيبته -التي تركها خلفه في بلدِه الأصلية، ودينه، ولدى زوجته النمساوية وحياته الجديدة على هويته، وانتماءاته الحديثة وانسلاخاته السابقة، وكلّ هذه التشكيلة المتنوعة في (الخنق الذاتيّ).

12

من هنا، ومن حيث يمكن لنا الحديث حول “الرجل الخراب”، يمكن لنا بخطوةِ “ثانيًا وليس أولاً” الحديث حول هذا الفكر العميق لأزماتِ الهويات المركَّبة والمطروحة في كتاب أمين معلوف “الهويّات القاتلة”.

ومما لابدّ الإشارة إليه هو أنَّ الاسم لهذا الكتاب لَمْ يكن باللغة الإنجليزية يُسمَّى

The killers Identities

!  أيّ “باسم الهويَّة”The Name of Identity  إنما

ولكنْ حينما تُرجِم من الإنجليزية أو الفرنسية إلى العربية أخذ هذا الاسم الموفّق كثيرًا – باعتقادي- ألا وهو  “الهويَّات القاتلة”.

المصطلح باللغة الإنجليزية يُذكِّرني كثيرًا في عالَم التكنولوجيا حينما كانوا يُدرِّسوننا بأنّ لكلّ  جهاز “IP”، كهوية خاصة له، من صفاته أنْ يكون فريداً من نوعه ولا يمكن تكراره.”

بالإضافة إلى أنّ الـْ “آي دي”  ترجمة لقسم “الهُوّ” الذي أتى به سيجموند فرويد حينما عرّفه على أنّه الجزء الرئيسي الذي ينشأ عنه الأنا (الإيجو) وأنه موْطِن الغرائز والدوافع الحيوية التي تتطلب إشباعًا مباشرًا للمتطلبات والحاجات النفسية والعضوية بما يُسمّى “بالمنطقة الحيوانية”.

وهذا هو بالضبط ما أشار إليه معلوف حينما قال:

(هويتي هي التي تجعلني غير متماثِل مع أيّ شخصٍ آخَر).

 

ولأنّ كلمة “هويّة” ذات إطار متمركز في دائرة يتفرَّع منها ألف مصطلح ومصطلح، فإنَّنا لابدّ أنْ نشير هنا إلى أنّ معنى الهوية فلسفياً، حينما تترك الفلسفة تلك التفرعات تأتي وحدها!

الهوية في اللغة الفلسفية تُعرَف بأنها: (حقيقة الشخص أو الشيء مشتملةً بذلك على صفاته الجوهرية، ومنسوبة إلى “هو”).

ويجدر الذِّكر هنا إلى ما يُشَار إليه – اعتقادًا- باسمِ الكاتب مصطفى المسعودي إلى: ( أنَّ “الهويَّة” في اللغة العربية تُعتبر مصدرًا صناعيًا، يتكوَّن من ضميرِ الغائب المفرد “هو” المعرَّف بـِ “الـ” ومن اللاحقة المتمثلة في الياءِ المشدَّدة إلى جانبِ تاء التأنيث، ويذهب معظم الباحثين إلى أنَّ اسم “الهوية” ليس عربيًا، وإنَّما كلمة مولدة اشتقَّها المترجمون القدَامى من الـ”هو” أيّ حرف الرباط الذي يدل عند العرب على ارتباط المحمول بالموضوع في جوهره، وهو “هو” في قولهم: “زيد هو حيوان أو إنسان”، ولينقلوا بالتالي  بواسطتها، وكما يقول الفارابي، “المعنى الذي تؤدِّيه كلمة “هست” بالفارسية، وكلمة “استين” باليونانية، أيّ فعل “الكينونة” في اللُّغات الهندو- أوربية الذي يربط بين الموضوع والمحمول، ثمَّ عدلوا عنها ووضعوا كلمة “الموجود” مكان الـ”هو” ، و”الوجود” مكان “الهوية”).

كما أنّ الجرجاني عرّفها بـ(الحقيقة المُطلَقة المشتملة على الحقائقِ اشتمال النّواة على الشجرة في الغيب المُطلق).

مجددًا، لنَعدّْ للتعريف الفلسفي، أيّ إنسانٍ فينا حينما نَطرح بشأنهِ “الصفات الجوهرية” لديه “هوَ”، هل نستطيع بذلك تكوين هويته؟

أبكلّ هذه البساطة؟!

إنني أعتقد بشدّة بأنّ الأمر ليس بكلِّ هذا الاستخفاف بالفهمِ للمصطلح الفلسفيّ ذلك، حيث أنِّي – وباجتهادٍ شخصيّ- أخالُ بأنّ مفهوم الهوية يُمكِن له وبناءً على ما سَبَق من تعريفات وتمّ العمل به كبحثٍ حول ذلك، وحينما يتحلّل لُغويًا – سواء باللغة الإنجليزية أو العربية- أنْ نؤول إلى ما نسمّيه بـ (هو) أو (أنا)، وذلك بأنَّه هو كل ما يمكِن للإنسان امتلاكه والتفرُّد به دونـًا عن غيره، ولئن كان ذلك التفرُّد يُماثِل آخرين فهو بطبيعة الحال قد يكون ذا تفرّد جمعيّ أو فئويّ أو طائفيّ وليس تفردًا فرديًا بذاته. وبناءً على ذلك يمكن لنا اعتبار (الهوية) بأنَّها جميع المعلومات والأشكال والسِّمات الذاتية للإنسان والتي تمنح الآخرين بالإشارة عليه بأنّها “بكلّيتها قاطبةً” تُشكّله هُوَ هُوَ دون غيره، بما في ذلك من المعلومات والأشكال والسِّمات المعنويّة منها والمادية، الفكرية والعقائدية والسلوكية والتعليمية والتربوية والاجتماعية والدينية والطائفية والحزبية والفلسفية والسياسية والاقتصادية، وحتى العاطفية منها، وفي ذلك أحسَب معلوفًا أحسن حينما قال: (يَصدُف أنْ يكتسب حدثٌ مفرِح أو مؤلم أو حتَّى لقاء عابر أهميّة في “إِدراكنا لهويِّتنا” أكثر من الانتماء إلى إرثٍ عريق يعود لآلافِ السِّنين.)

 

إنّ تعريفـًا كهذا “للهويّة” له بأنْ يَقتحم مصطلحات العصر الحديث الأكثر تعقيدًا على الإطلاق وبروزًا فكريًا وفلسفيًا، ويتشابَك معها بالتحامٍ مروِّع، أمثال: الحداثة وما بعد الحداثة والعولمة والتكنولوجيا والآخَر والحريّات والحقوق والصّراعات والجرائم والنزعات الإنسانية و”موت الإنسان” بما أشار إليه ميشيل فوكو، وكذلك” موت الإله” بما أشار إليه فريدريك نيتشه، وغيرهم الكثير الكثير.

 

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد