ﺇﻧﻨﻲ ﺃﻗﻒ ﺣﺎﺋﺮًﺍ ﺃﻣﺎﻡ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻨﺒﻊ ﺍﻷﺻﻴﻞ، ﻭﺃﻣﺎﻡ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻨﻌﻤﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﻟﻢ ﻧﻌﻄﻬﺎ ﺣﻘﻬﺎ ﻭﻻ ﺟﺰءًا كبيرًا ﻣﻦ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﺤﻖ ﻓﻲ ﺷﻜﺮﻫﺎ ﻭﺗﻜﺮﺍﺭ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﺸﻜﺮ ﻟﻠﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ.

ﻟﻘﺪ ﻭﻗﻔﺖ ﻋﺎﺟﺰًﺍ ﻋﻦ ﺍﺧﺘﻴﺎﺭ ﻋﻨﻮﺍﻥ أﺗﺤﺪﺙ ﻓﻲ ﺇﻃﺎﺭﻩ ﻋﻦ ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ، ﻭﻟﻢ ﺃﺟﺪ ﺃﻧﺴﺐ ﻣﻦ ﺍﺧﺘﻴﺎﺭ اﺳﻤﻪ ﻧﻔﺴﻪ، ﻭﻻ أﺭﻯ ﺃﻥ ﻣﻦ ﺑﺎﺏ ﺷﻜﺮ ﺍﻟﻨﻌﻤﺔ ﻭﺍﻟﺤﺪﻳﺚ ﻋﻨﻬﺎ ﺃﻥ ﺃﻧﺼﺐ ﻟﻬﺎ اﺳﻤًﺎ ﺳﻮﻯ ﺍلاﺳﻢ ﺍﻟﺬي ﻳﺸﻴﺮ ﻟﻤﻀﻤﻮﻧﻬﺎ ﻭﻗﻴﻤﺘﻬﺎ.

ﺇﻥ ﻟﻲ ﻣﻮﺍقفَ ﺟﻤﺔ ﺃﺭﻳﺪ ﺍﻟﺒﻮﺡ ﺑﻬﺎ، ﻣﻮﺍﻗﻒ ﻋﺸﺘﻬﺎ ﻣﻊ ﺍﻟﻠﻪ، ﻣﻦ ﺧﻼﻝ ﺣﺪﻳﺜﻪ ﻣﻌﻲ، ﻓﻠﻠﻪ ﻣﻊ ﻛﻞ ﻣﻘﺒﻞ ﻋﻠﻰ ﻛﺘﺎﺑﻪ أﺣﺎﺩﻳﺚ ﺫﺍﺕ ﺷﺠﻮﻥ ﻭﺫﺍﺕ ﻣﺬﺍﻕ ﻻ ﻳﻌﺮﻓﻪ ‏(ﺇﻻ ﻣﻦ ﺟﺮﺑﻪ‏) ﺑﺘﻌﺒﻴﺮ الأﺳﺘﺎﺫ ﺳﻴﺪ ﻗﻄﺐ. ﻧﻌﻢ ﻟﺪﻱ ﻣﻮﺍﻗﻒ ﻋﺸﺘﻬﺎ ﻣﻊ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﻨﺒﻊ ﺍﻟﻄﺎﻫﺮ ﺍﻟﻘﻮﻱ ﺍلأﻣﻴﻦ. ﻛﻤﺎ ﻗﺪ ﻳﻜﻮﻥ ﻟﻜﻞ ﻣﻦ ﻭﺭﺩ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﻨﺒﻊ ﻭﻟﻮ ﺟﺮﻋﺔ ﻣﻦ ﺁﻳﺎﺗﻪ ﻣﻮﺍقف ﺧﺎﺻﺔ ﻣﺮﺕ ﺑﻪ، ﺑﻞ ﻛﻞ آﻳﺔ ﻣﻦ ﺁﻳﺎﺗﻪ ﻻ ﺗﻌﻄﻲ ﻛﻞ ﺍﻟﻤﻘﺒﻠﻴﻦ ﻧﻔﺲ ﺍﻟﻤﺬﺍﻕ ﻷﻧﻬﺎ ﻟﻴﺴﺖ ﻣﺼﻨﻌﺔ ﺑﺸﺮﻳﺔ ﺗﺤﻤﻞ ﻧﻔﺲ ﺻﻔﺎﺕ ﺍﻟﻤﺼﻨﻊ ﺍﻟﺒﺸﺮﻱ، ﺑﻞ ﺗﻌﻄﻲ أﻣﺰﺟﺔ ﻣﺨﺘﻠﻔﺔ ﻟﻠﻨﺎﺱ، ﻭﺃﻛﺜﺮ ﻣﻦ ﺫﻟﻚ، ﻓﺄﺣﻴﺎﻧًﺎ أﻟﻤﺲ ﻃﻌﻤًﺎ ﻓﻲ آﻳﺔ ﺛﻢ ﺃﻗﺮؤﻫﺎ ﻣﺮﺓ ﺃﺧﺮﻯ ﻓﻲ ﻳﻮﻡ ﺁﺧﺮ ﻓأﻟﻤﺲ ﻃﻌﻤًﺎ ﺟﺪﻳﺪًﺍ ﻏﻴﺮ ﺫﻟﻚ ﺍلأﻭﻝ ﺍﻟﺬﻱ ﻟﻤﺴﺖ، ﻓﺄوﻗﻦ ﺣﻘًﺎ ﺃﻥ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ ﻋﺠﻴﺐ.

ﺇﻧﻪ ﻳﺪﻕ ﻓﻲ ﻧﻔﺴﻚ أﻭﺗﺎﺭًﺍ ﻋﺪﺓ، ﻓﺘﺎﺭﺓ ﻳﺪﻓﻌﻚ ﺩﻓﻌًﺎ ﻟﻤﺸﺎﻫﺪ ﺍﻟﻜﻮﻥ ﺍﻟﺒﺪﻳﻊ ﻭﻛﺄﻧﻪ ﻳﺄﺧﺬ ﺑﻴﺪﻙ ﻟﻴﺮﻳﻚ ﻣﻌﺎﻟﻢ ﺍﻟﻜﻮﻥ ﺍﻟﺘﻲ ﻏﻔﻠﺖ ﻋﻨﻬﺎ ﺣﻮﺍﺳﻚ ﺑﻤﻮﺟﺐ ﺍلاﻧﻐﻤﺎﺱ ﻓﻲ ﻣﺸﺎﻏﻞ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ ﻟﻴﺮﺑﻂ ﻟﻚ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﻤﺸﺎﻫﺪ ﺑﻌﻈﻤﺔ ﺍﻟﻠﻪ ﻭﻗﻮﺗﻪ.

ﻭﺗﺎﺭﺓ ﻳﺄﺧﺬ ﺑﻴﺪﻙ ﻟﻤﻮﺍﻋﻆ ﺍﻟﺒﺸﺮﻳﺔ ﺍﻟﻐﺎﺑﺮﺓ ﻓﻴﺴﺮﺩ ﻟﻚ ﻣﺸﺎﻫﺪﻫﺎ ﻭﺻﺪﺍﻣﻬﺎ ﻣﻊ ﺍﻟﺮﺳﻞ، ﻟﻴﺲ ﻟﻴﺤﺠﻴﻚ ﻟﺘﻨﺎﻡ، ﺑﻞ ﻟﻴﻮﻗﻆ ﻓﻴﻚ ﻗﻴﻤًﺎ ﻗﺎﺗﻠﻬﺎ أوﻟﺌﻚ ﺍﻟﻘﻮﻡ ﻓأﻫﻠﻜﻢ ﻗﺘﺎﻝ ﺍﻟﻘﻴﻢ. ﻭﺗﺎﺭﺓ ﻳﻄﺮﻕ ﻣﺎ ﻓﻴﻚ من ﺧﻤﻮﻝ ﻭﻛﺴﻞ ﻟﻴﺪﻓﻌﻚ ﺩﻓﻌًﺎ ﻟﻠﻨﺸﺎﻁ ﻭﺍﻟﻌﻤﻞ ﻭﺍﻟﺠﻬﺎﺩ. ﻭﺇﺫﺍ أﻗﺒﻠﺖ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ ﻣﺬﻧﺒًﺎ فلن ﻳﺴﺘﺨﺪﻡ ﻣﻌﻚ ﺃﺳﻠﻮﺑًﺎ ﺳﻠﺒﻴًﺎ ﻓﻘﻂ ﻣﻦ ﺃﺳﺎﻟﻴﺐ ﺍﻟﺘﺮﺑﻴﺔ، ﻓﻴؤﻧﺐ ﺿﻤﻴﺮﻙ ﻭﻳﻠﻌﻦ ﻣﺎ ﻓﻌﻠﺖ ﻣﻦ ﺇﺛﻢ، ﺑﻞ ﻳﺪﻓﻌﻚ ﺑﺄﺳﻠﻮﺏ ﺗﺮﺑﻮﻱ ﻓﺮﻳﺪ ﻟﻠﺘﺼﻮﻳﺐ ﻭﺍﻟﺘﺼﺤﻴﺢ ﻭﻳﺒﻌﺚ ﻓﻴﻚ ﺭﻭﺡ ﺍلأﻣﻞ ﻧﺤﻮ ﺍﻟﻨﻬﻀﺔ ﻭﺗﺼﺤﻴﺢ ﺍﻟﻤﺴﺎﺭ، ﻭﻳﺒﻴﻦ ﻟﻚ ﻣﻌﺎﻟﻢ ﺍﻟﻬﺪﻯ ﻭﻳﺮﺷﺪﻙ ﻟﻄﺮﻕ ﺍﻟﻨﺠاﺓ.

ﻳﺴﺘﺨﺪﻡ ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ ﺍﻟﻜﺮﻳﻢ ﺃﺳﺎﻟﻴبَ ﻋﺪﺓ ﺗﺘﻤﺎﺷﻰ ﺗﻠﻚ ﺍﻷﺳﺎﻟﻴﺐ ﻣﻊ ﻃﺒﺎﺋﻊ ﺍﻟﺒﺸﺮ، ﻭﺗﺘﻤﺎﺷﻰ ﻣﻊ ﺍﻟﺤﺎﻟﺔ ﺍﻟبشرﻳﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﻳﻌﻴﺸﻬﺎ ﺍﻟﻔﺮﺩ ﻓﻲ ﻛﻞ ﺃﺣﻮﺍﻟﻪ، ﻓﺈﻥ ﻛﺎﻥ ﺍﻟﻔﺮﺩ ﻳﺎﺋﺴًﺎ ﺑﻌﺜﺖ ﻓﻴﻪ ﺗﻠﻚ ﺍﻷﺳﺎﻟﻴﺐ ﺍلأﻣﻞ، ﻭﺇﻥ ﻛﺎﻥ ﻣﺴﺘﻜﺒﺮًﺍ ﻃﻮﻋﺘﻪ ﻟﻠﺨﻀﻮﻉ ﻭﺍﻟﺘﻮﺍﺿﻊ، ﻭﺇﻥ ﻛﺎﻥ ﻛﺴﻮلًا ﺑﻌﺜﺖ ﻓﻴﻪ ﺭﻭﺡ ﺍﻟﻨﻬﻀﺔ، ﻭﺇﻥ ﻛﺎﻥ ﺟﺎهلًا بشيء ﺩﻓﻌﺘﻪ ﺩﻓﻌًﺎ ﻟﻠﺘﻌﻠﻢ، ﻭﺇﻥ ﻛﺎﻥ ﻣﻈﻠﻮﻣًﺎ ﺣﺮﺿﺘﻪ ﻟﻨﻴﻞ ﺣﻘﻪ، ﻭﺇﻥ ﻛﺎﻥ ﻇﺎﻟﻤًﺎ ﻛﺴﺮﺕ ﺷﻮﻛﺔ ﻇﻠﻤﻪ، ﻭﺇﻥ ﻛﺎﻥ ﻣﻨﺘﺼﺮًﺍ أﺯﺍﻟﺖ ﻣﻨﻪ ﺯﻭﺍﺋﺪ ﺍﻟﻔﺮﺡ ﺍﻟﻤﺆﺩﻱ ﻟﻨﻜﺮﺍﻥ ﺍﻟﻨﻌﻢ، ﻭﺇﻥ ﻛﺎﻥ ﻣﻬﺰﻭﻣًﺎ أﻧﺒﺘﺖ ﻓﻲ ﻗﻠﺒﻪ ﺑﺬﻭﺭ ﺍﻟﻨﺼﺮ . ﻧﻌﻢ ﻛﻞ ﺫﻟﻚ ﻓﻲ ﺭﺣﺎﺏ ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ أﻭ ﻓﻲ ﻇﻼﻟﻪ ﻛﻤﺎ ﻋﺒﺮ ﺳﻴﺪ ﻗﻄﺐ.

إذا أردت أن تنهل من معين القرآن وتتذوق ما فيه من حياة وروح، فعليك أولًا تعلم معانيه فيه مفتاح الولوج إليه لأن جزءًا من جماله يكمن في بلاغته وتعبيراته الدقيقة الفريدة والتي تعطي إيقاعات متناسقة مع الروح، فتولد في تلك الروح دهشة وإعجابًا، فعند معرفتك المعاني والمضامين التي يحتويها النص القرآني يمكنك حينها أن تلمس مذاقًا غير الذي كنت تلمسه سابقًا.

أقبل على قراءته كمن يريد أن يقف أمام معلم ليستقي ثمار النصائع، وإياك أن تقبل عليه إقبال الذي يريد تصفح مجلة أو كتاب عادي، فنظرتك للقرآن تحدد ما تخرج به منه، وكلما اتخذته مربيًا وجدت فيه عجبًا في أساليبه في التربية وتقويم النفس.

إن القرآن في الجانب التربوي لا يقتصر فقط بتعريفك معالم الطريق لتقويم النفس، بل يكشف لك ذاتك ويعرفك بنفسك وتركيبها ونشأتها، بل يعلمك بما تألفه وما تأنفه من أشياء، فمثلًا قبل أن يقول لك (قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها) يمهد لك بالقول (ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها). حيث إن الشر والخير كامنان في غمارها ومجال البشر في العمل بينهما. فليس القرآن مجرد موجه بل هو أكبر من ذلك، إذ إنه يوضح طبائع الأشياء وأصولها ومآلاتها، وأنى لطبيب أو حكيم أن يسبر غمار كل ذلك.

يجمع القرآن في طياته أبعاد الحياة كلها، فتجده يتناول الأحكام والتربية ومشاهد الكون ومآلات البشرية ومنهاج حياتها، ويضع الإشارات الكلية للناس ويؤطر لهم حياتهم الفكرية ببوصلات وموجهات أخلاقية عالية، ليفتح للبشر مساحة ضخمة من التفكير الحر في إطار تلك الموجهات العامة التي تمثل سياجًا أخلاقيًا ومنهجيًا يحفظ الناس على فطرتهم.

عند الدخول في القراءة والتأمل في المعاني وسياقاته الرائعة يشعر المرء كأنه ارتفع فوق المستوى المعتاد الذي كان فيه في خضم حياته، لأن القرآن ينقل الفرد نقلة فوقية سامية، يستصغر المرء بعد تلك النقلة وهو يتجول بين حروفه، يستصغر مشاغل الحياة وتكبر نفسه عن سفاسفها وترقى روحه عن دناياها، فحينها لا يبالي بمشكلة مهما كانت كبيرة، فمع القرآن وصحبته تحل جميع المشاكل.

نعم يرفع المرء درجة لو كان خائفًا امتلأ شجاعة، فهو يبث في النفس طمأنينة عارمة، لأنه يخاطب العقل والفؤاد ويوجههما إلى المراتب العليا ويستعلي بهما عن كل ما كان يخيف الفرد في حياته.

ما من جيل من أجيال هذه الأمة وقف مع القرآن وقفة صحيحة وأقبل عليه بتمعن إلا نهض ذلك الجيل، وهل يخاف المستبدون أكثر من خوفهم من أن تعي الأمة حقيقة قرآنها، فقط لأنه يحرض على الحقوق ويدفع الناس للجهاد والكفاح، وكلما كانت الأمة بعيدة عن فهم النص القرآني كانت بعيدة عن حقوقها بل ومغيبة في وعيها وبصيرتها.

في كثير من الأحيان تطوف بك آيات القرآن في تصوير المشاهد وتصوير الأحداث بصور بلاغية فذة تأخذ الخاطر والوجدان، ففي تلك الصور إذا أراد القرآن أن يريك بؤس شيء صوره لك صورة لو تأملتها في ذهنك لوجدت فيها عجبًا، فمثلًا إن أراد أن يصف لك الدنيا ليزهّدك فيها، لا يصفها وصفًا عاديًا عابرًا، بل يجعل لها صورة وكأنها مقطع فيديو يعرض لك باختصار شديد كل ما فيها وكل ما بها، فتأمل معي قول الله تعالى في الدنيا:

(إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّىٰ إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ ۚ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) يونس 24.

وهنا أنوه القارئ الكريم بالاطلاع على كتاب رائع للأستاذ سيد قطب باسم (التصوير الفني في القرآن) يعرض فيه تفصيلًا جميلًا لبلاغة القرآن في التعبير.

ومن أهم أسرار الفرح الروحي الذي يجتاح النفس فتتفتق كالورود من أكمامها، خلال قراءة القرآن والتأمل فيه، هو أن نصوصه تخاطب في تلك النفس بذور الفطرة الإنسانية وتلبي ما تسعى له تلك الفطرة السليمة، ليس لشيء أكثر من أن القرآن ناطق بالحق الذي يُفرح تلك النفس، ناطق باحتياجات تلك النفس. فما أجمل أن تكون فاقدًا للحق وتجد من يدلك أثناء بحثك عنه، بل تجد من يأمنه ضميرك للنطق بذلك الحق، فكم من ناطق بالحق وخوّان عند محاكاته، فالقرآن أشد الأمناء على طبيعة النفس وفطرة البشر.

إنه بمثابة منهج ودستور يرجع له الفرد وترجع له الأمة، يرجع له الفرد إذا زلت قدمه وآن إلى السقوط، فبرجوعه ذاك للقرآن يستند من جديد على ركائز صلبة من موجهات الحياة تُنبت في نفسه روح التجديد. وترجع له الأمة كلما سقط نظامها الاجتماعي أو السياسي أو الأخلاقي، فتجد فيه من الحكمة والروح ما تنهض به من كبوات نظمها التي تردت في التيه والطغيان والفساد.

فاهرعوا للقرآن بعين الباحث عن فطرته فإنه بصير بفطرتكم، وأعلم بنفوسكم منكم، فهو كلام الله المبثوث لتلك الفطرة ولتلك النفوس، وستجدون فيه الحلول لجميع مشاكلكم وقضاياكم، لأنه يرفعكم لمنزلة أعلى من واقعكم فتبصرون من تلك المنزلة سوأتكم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد