أشار عالم الاجتماع الألماني كارل مانهايم إلى أن تقوية وتنشيط الحراك الاجتماعي المتأثر بتغير أنماط التفكير تجاه المشكلات الجديدة يقود إلى تحطم الأوهام السائدة في المجتمعات «الساكنة»، وهذا يحدث ليس فقط بتأثير التطور التاريخي الطبيعي للمجتمعات فحسب، وإنما أيضًا بتأثير تغير في شكل الحراك الاجتماعي، فعندما ما يترافق الحراك الأفقي، الانتقال من مكان إلى مكان دون تغير في المكانة الاجتماعية، بحراك عمودي عنيف، ناجم عن صعود وهبوط سريع في وضع الطبقات الاجتماعية، حينذاك تتزعزع أنماط التفكير السائدة في المجتمعات وتهتز الثقة بالاستقرار القائم في تلك المجتمعات.

ناتاليا زوباريفيتش، الأستاذ في جامعة موسكو الحكومية، تلفت النظر في مقال نشرته «VTimes» إلى أن عمليات التحديث (Modernization) في روسيا خلال العقد الفائت أدت إلى إيجاد فضاء صالح لتنشيط الحراك الاجتماعي مما ساهم بتغير أنماط التفكير السائدة وبالتالي إحداث تغيرات في القيم والتفضيلات السياسية في روسيا، وتعتقد زوباريفيتش أن التغيرات التي طرأت على التفضيلات والقيم السياسية في روسيا هي تغيرات غير معكوسة ولا رجعة فيها، كما تُرجع زوباريفيتش هذه التغيرات إلى مفهوم «نشر الابتكار- Diffusion of Innovation» الذي يشرح انتشار(أنماط التفكير وأساليب الحياة الجديدة) في فضاء أي عمليات تحديث لأساليب الحياة، كما أنها تؤكد أنه بالرغم من أن سرعة عمليات التحديث وانتشارها الإقليمي في داخل روسيا متفاوتة بشكل كبير ووجود حواجز عديدة فإن انتشار الابتكار هو عملية موضوعية لا يمكن وقفها، إلى جانب ذلك فإنها تورد ثلاثة عوامل موضوعية ساهمت بشكل كبير في تغيير القيم والتفضيلات السياسية في روسيا هي الهجرة الداخلية التي أدت إلى تغيير في البنية السكانية والهيكل العمري للمدن الكبيرة ومراكز الأقاليم في روسيا، وثاني هذه العوامل هو الانخفاض المطول خلال السنوات الماضية في الدخل للمواطن الروسي دونما ظهور احتمالات واضحة لعودة للانتعاش، أما العامل الثالث فهو عامل طارئ متأثر بالمعالجة الحكومية للآثار المترتبة على حدوث أزمة جائحة كوفيد-19 والتي تركت آثارها على تقديم العناية الصحية، ومستويات البطالة، وتدهور دخل المواطن الروسي.

أمكن بسهولة ملاحظة الانخراط الواسع لفئة الشباب في موجة الاحتجاجات الأخيرة في روسيا وتحديدًا في كل من أكبر مدينتين فيدراليتين في روسيا وهما موسكو وسان بطرسبرغ، واللتان كانت نسبة المعتقلين من قبل القوى الأمنية فيهما 53% من عدد المعتقلين في سائر البلاد التي سجلت فيها احتجاجات في 100 مدينة، فكلا المدينتين كانتا منذ أمد بعيد هدفًا للهجرة الداخلية من الأقاليم، 70% من هؤلاء المهاجرين هم فئة الشباب بين أعمار 18- 35 سنة الذين يأتون للدراسة والعمل، وهذا أدى بدوره إلى تغير واسع في الهيكل العمري في كلتا المدينتين، مما زاد من عدد الشباب الذين هم سن العمل في هاتين المدينتين الرئيستين، وهذه الظاهرة يمكن ملاحظتها أيضًا في المدن التي هي عواصم الأقاليم الكبيرة بشكل أقل نسبيًّا، مما يوفر الشروط الموضوعية لحدوث الحراك الاجتماعي بشكليه الأفقي والعمودي في المجتمع في المدن الروسية الكبرى.

على مدى السنوات الأخيرة ظلت شعبية الكرملين تتدهور بشكل مستمر لدى هذه الفئة تحديدًا؛ مما أفسح المجال للمعارضة لتوظيف هذا السخط المتزايد في تعبئة الحراك الاجتماعي المتولد ضد سلطة الكرملين، وهذا تجلى في الانتخابات المحلية، حيث كشفت انتخابات مجلس مدينة موسكو الأخيرة، التي جرت في سبتمبر (أيلول) 2019، عن قدرة المعارضة في التعبئة للمشاركة الفعالة في التصويت في الانتخابات المحلية والتي نجم عنها كسر احتكار حزب روسيا الموحدة، حزب السلطة الموالي للكرملين، خسائر كبيرة؛ إذ خسر فيها أكثر من ثلث مقاعده لصالح المعارضة حيث خسر مقاعده في عشرين منطقة من مناطق العاصمة البالغ عددها 45 منطقة في انتخابات شابها كثير من المخالفات، وهذا شكل أكبر تحدٍّ للكرملين الذي رد بحملة أمنية طالت 150 من نشطاء المعارضة وتجميد حسابات مصرفية لإعاقة التمويل للأنشطة التي تقوم بها المعارضة، بيد أن هذه الإجراءات لم تفلح في وقف تقدم المعارضة التي حققت انتصارات رمزية في الانتخابات المحلية اللاحقة، والتي جرت في سبتمبر 2020 وتزامنت مع عملية تسميم أبرز معارضي الكرملين أليكسي نافالني.

تبرز البيانات المتولدة من الاستطلاعات والدراسات المسحية التي قام بها مركز Levada للأبحاث الروسي المنشورة العام الماضي، التي ركزت على الروس من أعمار 18- 35 أن هذه الفئة تمتاز بخصائص تميزها عن الفئات العمرية الأخرى التي ما يزال الكرملين يحظى بشعبية في أوساطها، أحد أهم هذه الخصائص هو الاختلاف في مصادر المعلومات، حيث تشير البيانات إلى أن الشباب أكثر اعتمادًا على وسائل التواصل الحديثة وبالتالي فهم أقل عرضة للبروباجاندا الحكومية التي تعتمد بشكل أساسي على قنوات التلفزيون التي يسيطر على معظمها مقربون من الكرملين، ففي السنوات الأخيرة اصبح «يوتيوب» هو المنصة الأكثر شعبية على الإنترنت بين الشباب، هذا سمح للسياسيين والناشطين والصحافيين المستقلين عن الكرملين بالوصول إلى ملايين الشباب الروسي متجاوزين القنوات التلفزيونية التي تسيطر عليها الدولة، مما عمق الفجوة بين خطاب الكرملين وجمهور هذه الفئة، فالشباب الروسي أقل إعجابًا من نظرائه من الفئات العمرية الأكبر بالقيم الأبوية التقليدية والوطنية بالشكل الذي يروج لها الكرملين، وهم أيضًا أقل ارتباطًا، بل توقعاتهم أدنى بما يتعلق بالدعم الذي يمكن أن تقدمه الدولة الروسية، ومن بين الشباب الذين تقل أعمارهم عن 25 سنة، كما تبلغ نسبة أولئك الذين يعطون الأولوية لحقوق الإنسان ضعف نسبة من يعطون الأولوية لمصالح الدولة، في حين أن النتائج بالنسبة للفئات الأكبر سنًّا هي العكس تمامًا، مع الرأي السائد بشأن أولوية مصالح الدولة.

من جانب آخر، فإن أزمة جائحة كوفيد-19 وحالات الإغلاق كان لها تداعيات أدت إلى تفاقم مشكلات العمالة بالإضافة إلى ضعف الدعم الذي قدمته الدولة للأعمال الصغيرة والمتوسطة مثل المطاعم ومحلات التجزئة والشركات التجارية والمصانع الصغيرة التي توظف بدورها عددًا كبيرًا من فئة الشباب الذي وجد كثير منهم نفسه فجأة بدون عمل أو دخل يمكنه من الحياة ودفع إيجار المسكن والالتزامات المالية المرتبة عليه، مما يحفز المزاج الاحتجاجي لدى هذه الفئة أكثر من غيرها.

في ضوء تحليل للمتغيرات التي تطرأ وتتفاعل داخل المجتمع الروسي، فإنه بالرغم من أن حادثة تسميم نافالني ومن ثم اعتقاله بعد عودته وإجراء محاكمة هزلية له، حفزت قطاعًا واسعًا من الشباب الروسي للاحتجاج، فإنه لا يمكن، بشكل موضوعي، أن نعزو موجة الاحتجاجات الأخيرة إلى حادثة نافالني واعتقاله وحدها، فالأسباب الكامنة والدافعة للحراك الاجتماعي الاحتجاجي هي أكبر وأكثر عمقًا، غير أن حادثة نافالني واعتقاله لعبت دورًا رمزيًّا في الدفع بعدد أكبر من هؤلاء في السياسة وتأطيرهم ضمن حراك اجتماعي له قيم وتفضيلات سياسية مختلفة عما كان سائدًا في روسيا في العقدين الفائتين.

على مدى عقدين استمد الكرملين شرعيته في ممارسة السلطة عبر مقاربة تعتمد على مرتكزين مهمين: الأول هو إعادة التوازن إلى المجتمع الروسي وتحسين وضع الروس الاقتصادي والاجتماعي بعد فترة التسعينيات الكئيبة، والثاني هو الحفاظ على وحدة روسيا واستعادة هيبتها بوصفها دولة كبرى، في مقابل ذلك يتمتع الكرملين بالسلطة المطلقة والتحكم في موارد البلاد بدون رقابة، في الوقت الحالي لم تعد هذه المقاربة صالحة للاستمرار، مما يعني أنه على الكرملين أن يجد مقاربة جديدة بدلًا من المقاربة الحالية كي يستطيع احتواء الحراك الحالي الذي لن تفلح الأساليب المعتمدة على الترهيب والاعتقالات والرهان على ملل المحتجين في التعامل معه، فهي ربما تفلح في إبطاء قطار التغيير، لكنها لن تكون مفيدة تماماً في تجنب الوصول إلى أزمة شرعية شعبية التي من شأنها ان تقوض كل ما أنجزه على مدى أكثر من عقدين في السلطة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد