قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تعليقًا على العملية العسكرية التركية في تغريدة: «تدين إسرائيل بشدة التوغل التركي في المناطق الكردية في سوريا، وتحذر من تطهير عرقي ضد الأكراد من تركيا ووكلائها. إسرائيل مستعدة لتقديم المساعدات الإنسانية للشعب الكردي الشجاع».
هذا التصريح كان متوقعًا لمن هو على علم بالعلاقات القوية التي تربط الوحدات الكردية وأحزابها بمختلف أطيافها، سواء في العراق، أو سوريا مع إسرائيل، بل إن تلك الوحدات من أهم أدوات إسرائيل في المنطقة، إن لم تكن أهمها.
يعود تاريخ العلاقات الكُردية الإسرائيلية إلى الستينيات من القرن الماضي، حين رأت إسرائيل في الأكراد حليفًا قويًّا يمكن دعمه والاعتماد عليه لإضعاف النظام العراقي السابق؛ إذ قامت إسرائيل
– على الصعيد العسكري:
بمساندة قوات البيشمركة، المجموعات القتالية الكردية، ودعمتهم بالسلاح والعتاد والتدريبات، في أثناء خوضهم حرب الاستنزاف مع الجيش العراقي سنة 1966، وتكرر الأمر نفسه في حرب 1974. وقد ذكرت صحيفة «معاريف» الإسرائيلية أن الجنرال الإسرائيلي «تسوري ساغيه» قد أُرسل وقتها إلى إقليم كردستان، لتطبيق التدريبات التي أعطاها للأكراد على الطبيعة الميدانية هناك. كما أنه أرسل «ساغيه» مع اثنين من كبار الضباط المظليين الإسرائيليين «يهودا بار» و«عوزي فرومار»، والخبير في العمليات المسلحة «ناتان راهاف» إلى إيران لتدريب ضباط أكراد على شن عمليات مسلحة داخل العراق، بالاشتراك مع المخابرات الإيرانية، فيما قد هرَّب الأكراد، في المقابل وبالتعاون مع الموساد الإسرائيلي، «منير ردفا» الطيار المقاتل الآشوري الذي انشق عن الجيش العراقي، عبر تحليقه بمقاتلة من طراز ميغ 21 من العراق إلى إسرائيل، عام 1966.
وقد ذكر إليعازر تسافرير، وهو مسؤول كبير سابق في الموساد في 1963- 1975، أنه كان لدى إسرائيل، وعلى مدار تلك السنوات مستشارون عسكريون في مقر الملا مصطفى برزاني، إذ درب المستشارون وزودوا الوحدات الكردية بالأسلحة النارية والمدفعية الميدانية، والمدفعية المضادة للطائرات.
فيما عرض التلفزيون الإسرائيلي صورًا من الستينيات من القرن الماضي، التي تظهر والد مسعود بارزاني، مصطفى برزاني، وهو يضم وزير الدفاع الإسرائيلي آنذاك، موشيه ديان.
أما بعد سقوط النظام العراقي السابق 2003، فقد توطدت العلاقات العسكرية والسياسية بين الطرفين، وأصبحت العلاقة أكثر وضوحًا، إذ عبر رئيس الوزراء السابق شارون، وبعد اجتماعات بين مسؤولين إسرائيليين وأكراد عن «عمق العلاقات الطيبة مع إقليم كردستان»، فيما ذكرت عام 2004 صحيفة نيويوركر أن عناصر الجيش والمخابرات الإسرائيليين ينشطون في المناطق الكردية في إيران، وسوريا، والعراق، ويقدمون التدريب لتلك الوحدات، ويشنون بعمليات سرية بمساعدتها، وما يزال ذلك الدعم العسكري مستمرًا للأكراد من قبل إسرائيل حتى يومنا هذا، كما أن إسرائيل هي التي أشارت على الولايات المتحدة، والتحالف الدولي بالدعم والاعتماد على الأكراد في حربهم ضد تنظيم «الدولة الإسلامية» في سوريا والعراق 2014، رغم أن الولايات المتحدة تصنف تنظيم الـpkk الذراع العسكرية لحزب العمال الكردستاني على قوائم المنظمات الإرهابية.
– أما على الصعيد السياسي: فلا يخفى على أحد الدعم اللامتناهي الذي تقدمه إسرائيل في المحافل الدولية للأكراد في سعيهم لقيام دولة كردية، ففي خطاب السياسة العامة لعام 2014، أيد رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو إنشاء دولة كردية مستقلة. وقال ما نصه: «الشعب الكردي هو شعب يكافح، وقد أثبت التزامه السياسي واعتداله السياسي، كما أنه جدير باستقلاله السياسي».

وفي المقابل صرح رئيس كردستان العراق، مسعود بارزاني، 2006 خلال توضيحه للعلاقة التي تربط الأكراد بإسرائيل: «ليس جريمة إقامة علاقات مع إسرائيل. وإذا أقامت بغداد علاقات دبلوماسية مع إسرائيل، يمكننا أن نفتح قنصلية في أربيل».

وفي 9 سبتمبر (أيلول) 2017، أصبحت إسرائيل أول بلد في العالم يؤيد الاستقلال الكردي. قبل استفتاء استقلال كردستان العراق 2017، كانت إسرائيل القوة العالمية الكبرى الوحيدة التي تدعم استقلال كردستان العراق. أيضًا دعم نيتنياهو القوات الكردية في مواجهة القوات العراقية ومليشيات الحشد، إبان مهاجمتها لكركوك، وضغط على القوة المؤثرة لمنع أي انتكاسات لأكراد العراق.
واليوم تعود إسرائيل لتأكيد عمق تلك العلاقات مع الأكراد، إذ تعارض وبشدة العملية التركية ضدهم في الشمال السوري، وتحاول إسرائيل دعم الأكراد في العراق وسوريا لسببين؛ الأول: هو عدهم حليفًا مخلصًا لإسرائيل، والثاني: هو الضغط على تركيا باستخدام الورقة الكردية ضدها، خاصة بعد تدهور العلاقات التركية الإسرائيلية. إذن العلاقات الكردية الإسرائيلية قديمة وعميقة واستراتيجية، وأقوى بكثير من علاقة الأكراد بالولايات المتحدة، ولا يستطيع عاقل إنكارها، كان هذا تلخيصًا صغيرًا لتاريخ التحالف الكردي الإسرائيلي، الذي يبدو أنه سيستمر في المستقبل، حتى لو تدهورت العلاقات الكردية الأمريكية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد