في تسجيل نادر ورقيق جدًّا، يتحدث فريد الأطرش صاحب الحِس «الحُنيّنْ» عن أختِه، إلهة الجمالِ أسمهان، فيقول في وسط كلامِه «وبعد ما توفّت أُختي أسمهان «هانِم»، أنّا كذا كذا…».

دعونا نتوقف هُنا بُرهة أَيُّهَا السيدات والسادة.

بغض النّظر أن فريد بك إنسان رقيق الخاطر مُهذب الْحِس، رجل فريد حقًّا، وَأنَّ حبه لأخته تعبير في علاقة أخوية باذخة الحبّ والود، لكن السؤال لماذا اختفت تلك الألقاب الرقيقة من حياتنا؟! لماذا استبدلنا بها ألقابًا سمجة حداثية خالية لا أقول من الرقة بل تكاد تكون خالية من الآدمية من فئة يا مدام ويا آنسة وَيَا أبلة ويا أستاذة وَيَا ست!

لستُ أفهم لم الربط الظالم بين الكِبر وبين لقب «هانم»، بل الأسوأ هو ربطه والرّدح! كأن يتلاسن بعضهم بقول «وكذا كذا… يا هانم»!

وكلمة «هانم»، هو التدرج العامي المصري لكلمة «خاتون» باللغة التركية، و«خانم» باللغة الفارسيّة وهما = السيدة! لكن المنطقيّة وأسلوب الحياة المصري قديمًا كان فيه يُطلق لقب «هانم» على المرأة بنت الأصول، ثم المرأة الجميلة، ثم الفنانة، ثم اندثر اندثارًا مروعًا وبات ماسخًا، لا تستلذه الآذان، إذا ما سُمِع هنا أو هناك، لربطِه معنويًا بقدرة قادر بمعاني التَهكم و«النأورة»، أو على أقل تقدير بالنّساء الثريات!

والهانم كمفهوم أصلي بسيط من المفترض أنّه يَخُص كل امرأة مُتسترة، رقيقة الخاطر، حلوة المنطق، أصيلة النسب، فنانة الجو، لذيذة المعشر، المهذبة «اللي ما تطلعش العيبة من فُمّها»، بسيطة لكن باذخة في آن واحد، صوتها يُدخل البهجة على القلوب، تضحك بأدب وبرقة وتخبئ ضحكتها بيدها ولا تتضاحك وسط النَّاس والشارع كأسوأ منظر، عاقلة، مثقفة تعرف أصول الحديث والفن، لا تمل جلستها ولا تكره رؤيتها، شاطرة ولديها مهارات النّسوة وفي شمولية يمكن أن نقول عنها: الأنثى العبقرية!

وفي الريف ولوقتٍ قريب كان يُطلق لقب «هنومة» على المُتسترة في بيتها، الصاينة، الماهرة، وليست الهيلق الهايتة طويلة اللسان كأحد مظاهر الثقافة الخايبة التي ضحكوا علينا بها في أكبر خِدع التاريخ الكالحة باسم الحريات والمساواة!

يحضُرني في هذا الصدد موقف حيث وجدتني أجلس وحدي بالمقهى، كلّ ما أردتُه فنجان قهوة يُعدَّل مزاجي وكتاب، وفريد الأطرش يُغنّي للربيع في آهات تُذيب الخيال جمالًا وهيامًا. حاولت أن أفرغ ذهني من كل شيء إلا استمتاعي بدقائق معدودات استعدادًا لمواصلة الركض وراء الأعمال المُعطلة. آثرت ألا أضع أية مساحيق تُخْفِي هالاتي السوداء بسبب نومي المضطرب. غسلت وجهي بصابون يبثُ رائحةَ الرّبيع وارتديتُ متخففة شيئًا من الأبيض ليُناسب مزاجي الصيفي. كانت هي مع صديقة لها تجلسُ في طاولة مقابلة يُصادرني ظهرها. أعجبتني نقوش فستانها ولم أكن قد رأيت وجهها بعد. أعجبتُ بها، دون أن أراها، وربما قصدتُ حقيقة أَنِّي أعجبتُ بفستانها الرقيق جدًّا. نادرات هن اللواتي يرتدين الفساتين في زمن السّرعة المُهلكة التي نعيشُها. ومرّ الوقت مندمجتان كلتانا كلٌ في شغله، حتى قامت لحاجة. فكانت لطيفة، خفيفة الرُّوح، هادئة الملامح، لم تضع هي الأخرى أية مساحيق كلافتات حريق أصفر مزعجة، كعادة نساء مدينتنا. ومع زخم اندماجي مع فريد، والرّواية التي أقرأ، ونسمات مفاجئة بريئة في حرِ الصيف، ورائحة الخُبز الطازجة المنبعثَة من ركنٍ بالمقهى، وجدُتني أبتسم لها، صدقًا فعلت! شحيحة تلك اللحظات التي تترك نفسك على طبيعتها بين النَّاس، تبتسم لهذه، وتشكر هذا، وتومئ لتلك. هكذا ببساطة دون حسابات أن يقابل النَّاس بساطتك وعفويتك بالتجاهل، باللا مبالاة، بالجفوة. وسعيدة تلك اللحظة التي قابلت ابتسامتي لها بابتسامة أكثر اتساعًا وكأننا صديقتان تعرِف إحدانا الأخرى منذ زمن فالتقتا في مبادرة حديث أوله «نهار جميل يا هانم، موش كده؟»، لترد هي «أنتِ أجمل»! غزل؟ وماله؟ من قال إن الغزل له صِنف أو وقت. تغزل الشعراء في الحجر، في السماء، في أوراق الشّجر، لمَ نستنكر على أنفسنا غزلًا رومانسيًا بين اثنتين استشعرتا جمال النّهار وعذوبة الموسيقى! 

وانشغلنا.

وقبل أن ترحل، كغيمة ظليلة في عز الصيف، فوجئت بيدٍ ممدودة إليَّ بجويرية حلوة بديعة الحُسن. أن يُهديكِ رجلٌ «وردة» تلكَ قِصة! وأن تُهديكِ امرأة جميلة «وردة» كانت توها تحتضنها، تلكَ قِصة أخرى، فرفعت عيني عن الرّواية لأجدها تُهديني إياها مغلفة بعبارة رقيقة، لم أسمعها مع الأسف. كانت أذناي مع فريد «يا ليل، يا بسمة، يا زهر، يا طير، يا أغصان»! فتلقفتُها في فرحة من أُسديَ إليهِ صنيعٌ، وعبارات شكر منّي ربما لا تُناسب ذوقها ورهافة حِسها، إذ من كمال الذوق أن تشكرَ المرأةَ الحسناء إذا ما قامت لك بنفسها تُهديك وردًا! هل يحدثُ ذلك كل يوم؟! حسنًا، لا أظن.
بيد أنّها ستكون المرة الثانية التي تُهديني فيها امرأةٌ جميلة وردةً!

جميلٌ هو الحبّ اللا مُعنون، وجميلة هي تلك «الهانم»!

ثمّ نجد الرجال يشكون حظهم في اندثار المرأة الرقيقة والتي تُجيد فنون سعادة البيت، وغيره! ووالله، وكرأي متواضع، ما ضيع رقة النِّسَاء وأنوثتهن إلا فُحش انتشار اللامروءة بين الرّجال، كبداية نقد، ثم يتبع ذلك مظاهر عدة في سوء التربية وجهل الأبوين، وغباوة قهر الأنثى وتنشئتها كـ«شيء»، إن كان التشيؤ هو اللفظ المهذب الوحيد في بالي حاليًا! وهنالك أسباب كثيرة حريٌ بنا أن نُفرد لها عِدة مقالات.

فيا معشر النَساء، لا يخدعوكن بعد اليوم بصيغ المساواة الكاذبة، واسترددن اللقب!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد