قد يخطر في بال القارئ في الوهلة الأولى أن المقال يتكلم عن قصة من القصص الأسطورية، أو أن العنوان كناية عن مقال يتصف بمغامرة مجنونة، والكثير من الظنون، وقلما يخطر في بال الناس أن المقصود هو المعنى الاصطلاحي العلمي البحت ألا وهو لغة لجنون!

الغريب في الأمر أن هذه اللغة ليست كاللغات التي نتحدث بها صوتًا من اللسان ونبرة ونطقًا والغريب فيه أيضًا أن هذه اللغة ليست للتواصل بيني وبينك أو بينك وبين أحد آخر.

قد ترونه إجحافًا لو قلت إن الحضارة البشرية الحالية بتقدمها وتطورها ومساعيها ما هي إلا عبارة عن نطق فكري بهذه اللغة. فليست لغة ناطقة صوتية بل لغة ناطقة فكرية حسية!

ولنفهم الأمر علينا أن نفهم الجنون..

هذه الكلمة التي لا طالما وصفنا أو تهكمنا بها على أي شخص قد يتصرف تصرفًا غير لائق أو تصرفًا غبيًا فكان من السهولة أن نصفه بالجنون، في حين أننا لا  نعلم أن الجنون ليس مقتصرًا على ذهاب العقل وقصوره، بل قد يكون بالجهة المعاكسة تمامًا!

نعم فالنشاط العقلي الجامح وغالبًا ما يكون المحرك الوحيد للإبداع الذي بدوره يكون دافعًا للحضارة البشرية، لا ينم سوى عن اختلال عقلي ولكن بصورة معاكسة للفهم المعتاد من قبل الناس، ألا وهو القصور أي يعني هذه الفاعلية الكبيرة الذهنية وسرعة التأمل والحساسية المفرطة للأمور والقدرة على المحاكمة العقلية الرهيبة وسرعة الملاحظة والكثير من أوجه الذكاء ليست إلا وجهًا من وجوه هذا الجنون متمثلة بنشاط ذهني وعقلي رهيب وإحساس وحساسية عالية، وهذا ما ثبت تاريخيًّا عند أغلب إن لم يكن معظم من حركوا الحضارة البشرية بكافة مشاربها. في الوقت الذي كانوا يتمتعون بنشاط ذهني كبير كانت تظهر عليهم أعراض نفسية تنم عن اختلال عقلي أي جنون واضح، فلا ننسى الفصام والتوحد والاكتئاب بمشاربه المختلفة التي عانى منها هؤلاء المبدعين وقد أودت بحياة الكثير منهم إلى الانتحار!

ومن هنا أتى السؤال عن اللغة التي يوصل بها الجنون المعاكس (إن صح المصطلح) أفكاره ويناغمها مع بعضها البعض ويخلقها في بيئة أو عالم قد أبدعه خاص به لا يسعني أن أشبهه إلا برحم امرأة جديد، أي يكون عالما خاصًا به يركب فيه هذا الجنون الخلق فيناغم الأفكار ويركبها بطريقة رهيبة ويناسقها ويجعل منها مخلوقًا فكريًا جديدًا له قوام متناسق متراص ينمو ويكبر ليولد في هذا العالم، يحمل لونًا وصوتًا ومظهرًا وبصمة خاصة به لينزل إلى الواقع كإبداع علمي أو فني!

ومن منا قادر على أن يركب خلقًا جديدًا؟!

لغة لا يفهمها عقول الكثيرين منا، لغة تربط الأفكار وتجعلها تتواصل فيما بينها بصوت متناغم بإيقاع معين
وتكثر الإيقاعات في صوت هذه اللغة لتخرج لنا فنونًا بألوان مختلفة وعلومًا بمشارب كثيرة، قد يكون صدق من قال الجنون فنون وحتى لو عن دون قصد!

ولكن يبقى هذا الكلام محض نظرية لا يمكن التسليم بها يقينيًا مئة بالمئة.

لا إله إلا الله، محمد رسول الله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد