هل حقًا تغيرت اللغة بعد سقوط غرناطة عما كانت عليه في شبه الجزيرة الإيبيرية؟

اللغة وسيلة للتواصل، وسيلة لنقل الأفكار والمشاعر، وسيلة لحفظ ثقافة وتاريخ الدولة من الضياع، فبدون التدوين واللغة يندثر هذا التاريخ ويضيع، وهي أساس الأمة وبها تربط الحضارات بعضها ببعض، فهي الهوية والانتماء، ولا تزول إلا بزوال الأمة أو مجيء أمة أخرى مكانها.

وهذا ما حدث في شبه الجزيرة الإيبيرية، فقد تطورت اللغة تطورًا كبيرًا، وخاصة بعد سقوط آخر معقل من معاقل المسلمين فيها، فتأثرت بلغات وأثرت في لغات نتيجة لما كان يحدث آنذاك.

وقُبيل سقوط غرناطة وباقي المدن الأندلسية، كانت اللغة السائدة هي اللغة العربية منذ الفتح العربي لها نتيجة لاختلاطهم بالمسلمين، لكن كان يسبق اللغة العربية الكثير من اللغات منها (الجرمانية والرومانسية أو اللاتينية العامة).

وقد بدأت العربية تحتل محل اللاتينية تدريجيًّا، ولم يمض الكثير من الوقت إلا ونجدها قد انتشرت وشقت لها طريقًا واسعًا بين اللغات الأخرى، وسادت الفلسفة والآداب العربية أيضًا.

حيث إنها كانت لغة أساسية، وظهر ذلك في دراسة الشعر الأندلسي. فقد كانت اللغة العربية قبل كل شيء لغة القرآن والأحاديث النبوية، وكانت لغة الطبقة الحاكمة والسلطة فكانوا لا يرون لغة أخرى يمكن أن تعادلها في غناها وثرائها اللغوي.

واستمرت اللغة العربية في شبة الجزيرة الإيبيرية قرابة الثمانية قرون، لكن كل هذا لم يستمر وبدأ يندثر شيئًا فشيئًا، وذلك بسقوط المدن الأندلسية الواحدة تلو الأخرى، ومع سقوط غرناطة ودخول النصارى وعلى رأسهم فرناندو وإيزابيلا ملكي إسبانيا، بدأوا بمحاربة اللغة والقضاء على أي شيء له صلة بها من قريب أو بعيد.

وبدأت سياسة العنف والقهر والتنكيل من الكنيسة تجاه الموريسكيين، نتيجة لتمسكهم بلغتهم العربية فجُنّ جنونهم من ذلك.

ووجدوا أن تمسك الموريسكيين باللغة العربية، يزيد من تمسكهم بماضيهم ودينهم وتراثهم وحضارتهم، فبدأ مجموعة من أحبار الكنيسة بتعلم اللغة العربية لكي تساعدهم في عملية التنصير، ولكي يستطيعوا إقناع الموريسكيين بلغتهم في اعتناق عقيدتهم والتخلي عن ثقافتهم وعقيدتهم، لأنهم كانوا يرون أن بقاء اللغة العربية يمنع تغلغل النصرانية في نفوس الموريسكيين.

ولم يكتفوا بكل هذا فقد أجبروهم على تسليم كل ما في حوزتهم من كتب باللغة العربية ومخطوطات، في مدة لا تتجاوز خمسين يومًا، ويقوم مختصون بفحصها ومعرفة ما فيها، وما له علاقة بالدين الإسلامي أو العقيدة أو الفقة يقومون بحرقها على رؤوس الأشهاد، وما سواها من الكتب في الفلسفة والطب والعلوم الأخرى ترجع لأصحابها. ومن يقتني أي كتاب أو مخطوطة لها علاقة بالدين الإسلامي بعد هذه المدة، تصادر مملكاته كلها.

وقد ترتب على ذلك صدور الكثير من المراسيم التي تأمر بالقضاء على العربية لتحل محل اللغتين الرومانية والقشتالية، ونتج عن ذلك أن أصبحت اللغتان المذكورتان تكتبان بحروف عربية أُطلق عليها اللغة الألخميادوا Aljamiado ، فلم يكن أمامهم شيء سواها هربًا من محاكم التفتيش ومحاولة منهم في الحفاظ على عقيدتهم ودينهم. وبدأت الإسبانية في الظهور وتأثرت بالعربية كثيرًا إلى أن سادت إلى يومنا هذا.

مارس الإسبان كل السبل من أجل محو الهوية والفكر العربي، وليتمكنوا من السيطرة على عقولهم ويستطيعوا غزو أفكارهم بثقافتهم الأوروبية، وكان لهذا أثره السريع في القضاء التام على الفكر والثقافة العربية، وأحد أسباب سقوط الأندلس والحكم الإسلامي العربي فيها.

وبهذا انتهت ثمانية قرون من الإسلام، تحولت فيها
الأندلس العربية الإسلامية إلى إسبانيا الأوروبية النصرانية، ولقي المسلمون في
فترة التحول كل ألوان الظلم والقسوة والاضطهاد من أجل ردهم عن الإسلام، وجعلهم
يعتنقون المسيحية سواء بالإغراء أم بالجبرية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أدبي, ثقافي, مقال
عرض التعليقات
تحميل المزيد