كان الفيلم من نوع الأكشن، والتمثيل لم يكن في الأستوديو أبدا، الممثلون والممثلات لم يضعن الماكياج اللازم كي يظهرن كما يجب، استعملت في التمثيل معدات ثقيلة وأسلحة حقيقية وأطلقت ذخائر حية، ضخامة العمل من ضخامة عدد الممثلين المشاركين، فقد انضم الجميع إلى خشبة المسرح من أكبرهم إلى أصغرهم، لأول مرة في التاريخ يتمكن عمل سنمائي من حشد عشرات الملايين من البشر.

البطل الذي يشار له بالبنان وهو مرجح لنيل أعلى أوسمة العمل الفني هو رئيس الدولة أردوغان، عندما أتقن أداء دوره جيدا وعرف متى يتحدث بثقة ومتى يذرف الدموع ومتى يشحن الجماهير.

روعة هذه الدراما التركية أنها كانت مثالية بامتياز، إذ انضم للتمثيل كل الشعب بمختلف مشاربه وتوجهاته، وشاركت فيه كل الأحزاب، حتى المعارضة أتقنت دورها.

عمل درامي بهذا الحجم يتم تمثيله وإخراجه في ظرف قياسي (5 ساعات) دون أدنى خطأ من طرف الممثلين، دون إعادة لأية لقطة ولو مرة واحدة، يجعل هولييود تقف وقفة إجلال واحترام وتقدير للسينما التركية، ستكون جائزة الأوسكار من نصيبها بلا شك ما دامت لا توجد جائزة أغلى وأفضل منها.

السلبية الوحيدة هي وجود ضحايا حقيقيين وجرحى واعتقالات بالآلاف، ربما هذه ميزة خاصة لهذا العمل الأول والفريد من نوعه، لا بأس بفاتورة تُدفع لإنجاح المسلسل،

كاميرا خفية لشعب بأكمله!

هذا ما خرج به بعض الخبراء النادرين في التحليل السياسي، أما عن الشعب الذي تفاجأ فعلا من الأمر وخاف وتردّد وبُهت واستجاب لزعيمه، هذه الهزة النفسية العنيفة تدخل ضمن مسلسل الكاميرا الخفية التي ستصدر في رمضان القادم.

لقد صرفت المليارات من الدولارات من أجل هذا العمل الهائل، ستُدفع لأهالي الضحايا تعويضات قيمة وتُقدّم لكل مشارك منحة من الحكومة جزاء تحمّله لهذه النكتة الثقيلة، وتحصل المعارضة على مقاعد أكثر في البرلمان ويُجزل لهم في العطاء كذلك،

لم يستبعد هؤلاء الخبراء أن يتربع هذا العمل الدرامي على الــ box office لسنتين قادمتين مما يحقق للفيلم عائدات خيالية تضع تركيا في مصاف الدول الأغنى والأقوى في العالم في وقت وجيز جدا.

قد تستغرب من تحليل هؤلاء الخبراء إلا أنهم يصرون على صحة ما يدعون مستدلين على قوة المسلسلات التركية التي تزداد شعبيتها يوما بعد يوم، وتجعل المشاهد يتسمّر أمام الشاشة لا يفارقها ولو حدث زلزال أو انقلاب.

 تبرير الفشل عند الفاشلين

هذه حكاية الفاشلين فكرا وواقعا، لا يتحملون مشاهدة الديموقراطية في أسمى معانيها، لا يتحملون الشعبية الرهيبة التي يتمتع بها أردوغان أمام شعبه، لم يتحملوا صدمة إحساسهم بالمرارة لما فشل الانقلاب، فصاروا يفبركون كل ما يمكن أن تتخيله في الحلم، راحوا يؤكدّون أن الأمر كله مسرحية.

لم يتحملوا نجاح النموذج التركي في مسيرة الديموقراطية مع شعبه، لماذا؟ لأنهم ببساطة لم ينجحوا في بلدانهم، وأُقنعوا أن الديموقراطية لا يمكن أن تنالهم، فسارعوا للشماتة (كلنا في الهوى سوى)، ولما فوجئوا بالنتيجة، سارعوا لإعداد تحليلات وطبخات غريبة لا تمت للعقل ولا للواقع بصلة، هذه الطبخات لن تنضج ولو وضعت في أفران شمسية، فما بالك أن تهضم أو تُبلعَ.

ما فاز فيه الأتراك هو التربية

كان على هؤلاء أن يتعلموا أن الشعب التركي قد تلقى تربية مميزة وفريدة، لم أقل تربية إسلامية كما سيفهم قصار الفكر والفهم، بل التربية التي تجدها في بعض الكواكب كاليابان مثلا.

هذه التربية التي جعلتهم يفهمون الوضع من أول لحظة ويتصرفون بالحكمة قائلين، ما أتى بالشرعية لا يسقط إلا بالشرعية نفسها، هذه التربية التي جعلت الملايين يخرجون للشوارع منددين بالانقلاب الجبان دون أن يحطموا زجاجا أو يخربوا ممتلكات عمومية كانت أو خاصة.

هذه التربية التي يجب أن نقف عندها طويلا، على الشعوب أن تفهم، على النخبة أن تفهم وتُفهم، بدل أن تتفرج وتصفق وتتشفى في خراب دار غيرك، حاول أن تقارن أولا مع دارك الهشة والمليئة بالعقارب والقوارض والحيات، ستجد أنك لم تقم بشيء لترقيعها وتنظيفها، في حين قام الأتراك بكل شيء.

بدل أن تسارع للتشفي لإراحة ضميرك المثقوب المنهك الواهن، حاول أن تتعلم من الشعب التركي، من تربيتهم وتكوينهم، وروعة قادتهم، ونجاح دولتهم المدنية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

عمل
عرض التعليقات
تحميل المزيد