في رحلة لاهثة خلف زفرات عربية متلاحقة عبر أقبية التاريخ، بدأت أولى تلك الزفرات هناك، حيث الفردوس المفقود الذي تخرج من بين أمواج بحره تلك الحورية الصهباء بلون قصرها الأحمر، لتسلب العقول بحزن عيونها المستمد من مآذنها الصامتة.

إنها غرناطة الغارقة في الذاكرة المتمردة على النسيان، هناك كانت آخر زفرات العربي بالفردوس المفقود كما اعتقد الإسبانيون والمؤرخون، ولكنها للأسف لم تكن الأخيرة في ممالك المسلمين، ظلت مآذن غرناطة عبر تاريخها تكتم دموعها بصمت؛ لأنها علمت أن التاليات أصعب، وأن ذاك الصغير المشئوم الذي أضاعها سيأتي من خلفه أحفاده الذين سيسيرون على نهجه من الضعف والاستسلام لعدوهم، وإضاعة الدين.

فأين أنت أيها الصغير لترى ما أوصلتنا له بتوقيعك المشئوم للتنازل عن أرض أجدادنا! أين أنت الآن لترى كم فاحشة أبصرناها بسببك! أين أنت لتعلم أن ضعفك وزفرتك اللعينة صارا سنة ابتدعتها، وامتدا لنا عبر أجنحة الأزمنة المتلاحقة، ولا نعلم إلى متى ستظل تلك اللعنة تلاحقنا.

أول الزفرات

 

منذ أكثر من خمسمائة عام بدأت زفرات العرب المتلاحقة وكأنهم يلفظون أنفاسهم الأخيرة، فكان أبو عبد الله محمد الصغير أول نكسة لضياع مجد صنعه رجال، وأضاعه صغير.

الأندلس ذاك الفردوس المفقود، الذي سيظل عنوانًا للحضارة على مر تاريخها، وخنجرًا مغروس في قلب المسلمين على مر تاريخهم، يذكرهم كيف كانوا عندما حكمهم دين الله، وإلى أين وصلوا من ذل ومهانة عندما حكمتهم الأطماع.

ستظل الأندلس درس التاريخ الذي لا يستوعبه العرب والمسلمون،لتخبرنا كيف كنا سادة العالم عندما كنا موحدين تحت راية واحدة، وكيف صرنا عبيدًا منبطحين عندما استقوينا بأعدائنا على بني جلدتنا من أجل ملك زائف، تعلمنا الأندلس أننا عندما نغير عقيدتنا ونجعل من العدو صديقًا، ومن الأخ عدوًا، نؤكل كما أكل الثور الأبيض.

ولأن أعداءنا يقرأون التاريخ ويتعلمون منه، ويعرفون أن هذا الدين لا يحارب وأتباعه أمة واحدة. كان الانقسام والتشرذم هو بداية انفراط العقد، فبعد سقوط الدولة الأموية في الأندلس، دخل الطمع قلوب الأمراء، وأخذ كل أمير من أمراء الأندلس ببناء دويلة منفصلة، وتأسيس أسرة حاكمة من أهله وعشيرته. فقسمت الدولة إلى 22 دويلة، ”نعم 22 دويلة”، هو نفس العدد الذي قسمنا له بعد سقوط الخلافة العثمانية، نعم نفس الأحداث ونفس النتيجة نسير إليها بخطى ثابتة وعيون مغمضة.

نعود للتاريخ

فبالرغم مما ورثته تلك الدويلات الأندلسية من ثراء الخلافة، إلا أن التناحر المستمر بين بعضها البعض جعل منها فريسة لمسيحيي الشمال، وظل الأمر في الأندلس بين ضعف وقوة،إلى أن انحصرت الأندلس في “مملكة غرناطة” والتي ظلت حامية لما تبقى من حضارة المسلمين في الأندلس لقرنين ونصف دام فيهما التناحر بين الإسبان المسيحين والمسلمين.

وأخذ أمراء غرناطة في الضعف، إلى أن وصل الأمر لنشوب الحرب الأهلية أولًا بين السلطان أبى الحسن على بن سعد وأخيه محمد “الزَّغُلّ”؛ فاستعان الزغل بملك قشتالة النصراني على أخيه، فتقسم المقسم، وقسمت مملكة غرناطة لشقين: مالقة للزغل، وغرناطة لأبي الحسن.

ثم بين الأب أبي الحسن، وابنه عبد الله الصغير، الذي عزل أباه من الحكم بعد أن صار لعبة في يد جارية صليبية، وفي الوقت الذي يتفتت فيه المسلمون، ويحارب الأخ أخاه، والابن أباه، كانت الممالك الصليبية تتحد لتكون قوة. فوقع الصغير في الأسر، ومن أجل إنقاذ حياته تاجر بالجميع، “تاريخ أجداده، ومُلكه وشعبه“، عندما وقّع على معاهدة سرية تنص على:

أن يعترف الملك الصغير عبد الله بطاعة الملك الإسباني، وفي المقابل تعهد الأميران الكاثوليكيان أن يطلقا سراح أبي عبد الله فورًا، وأن يساعداه في فتح المدن الثائرة عليه في غرناطة “أي حرب أهلية جديدة”.

فقد تم الاتفاق على ان يحاصر الملكان مالقة، فيهرع الزغل لإنقاذها، فيدخل الصغير من الشمال، ويستولي على غرناطة، وترجع مالقة له ولملكه، ولكن كالعادة غدر الملكان به، وخانوا العهود، واستولوا عليها، واسترقوا أهلها.

وهكذا أصبحت غرناطة يتيمة، فأكلت كما أكلوا جميعًا، بعد حصار دام 7 أشهر، وقع الصغير على معاهدة التنازل، وتسليم مفاتيح غرناطة بمعاهدة عار هي الأولى من نوعها، ولكنها ليست الأخيرة، ثم وقف باكيًا على أحد تلالها، ليطلق أول زفرات الخزي، لتتوالى بعدها الزفرات.

زفرة أخرى

كما أغرى صليبيو إسبانيا صغيرها حتى أسقطوا الأندلس، كان هنا في تاريخنا الحديث حفيد آخر خائن ومنبطح أغراه صليبيو العصر من الإنجليز هذه المرة بإسقاط دولة الخلافة العثمانية.

الصغير هذه المرة كان اسمه “الشريف حسين” أمير مكة الذي ثار ضد الدولة العثمانية في يونيو (حزيران) 1916 بدعم من بريطانيا خلال الحرب العالمية الأولى؛ حيث تمكن من ومنع وصول الدعم العثماني إلى الحجاز، ثم طردوا الجيش العثماني من أرض الحجاز ودمشق وأخيرًا حلب.

اتفق الشريف حسين مع بريطانيا على إنشاء مملكة للعرب، يكون هو ملكًا عليها، وتضم هذه المملكة الحجاز والعراق وسوريا والأردن وعاصمتها مكة المكرمة، وبموجب هذا الاتفاق قام الشريف حسين بحمل سيفه لضرب الخلافة العثمانية في ظهرها، فبينما كانت دولة الخلافة تحارب في الغرب والشمال الحلفاء، وتحارب في الشرق روسيا يأتي الشريف ويطعن في الجنوب، تمامًا كما حدث في غرناطة ومالقة.

ولكن كعادة الصليبيين في التعامل مع حلفائهم الخونة، الذين يجعلون من العدو صديقًا، ومن الأخ عدوًا، تتراجع بريطانيا عن وعودها لصغير الحجاز، في مساعدته لإقامة دولة عربية موحدة تحت قيادته، كما خالفوا عهدهم مع صغير غرناطة، وتأتي سايكس بيكو وتقسم الإمبراطورية العثمانية، ويكون نصيب العرب 22 دويلة، لكل منها صغير جديد يحكمها، 22 دويلة مرة أخرى، هل هي مجرد صدفة؟

وكما كان نصيب صغير الأندلس أن يخرج ذليلًا بعد عز، يخرج صغير الحجاز منفيًا بعد خزي، ولكن لا يتعلم أحفاده ولا باقي صغار العرب الدرس، ما زلوا تابعين كابرًا عن كابر لأسيادهم من يهود وصليبيي الغرب. وزفرة تلو زفرة، وحصار تلو حصار، وخيانة تلو الأخرى تتساقط الدول العربية تباعًا في زفرات لا شهيق لها.

زفرات

زفرة أضاعت فلسطين بخيانة الملك فيصل بن الشريف حسين في اتفاقية فيصل وايزمان سنة 1919م والإقرار بوعد بلفور، ثم تتوالى خيانة فلسطين؛ فيتم عقد مؤتمر السلام في “مدريد”، هل عرفت لماذا مدريد، وفي يوم سقوط غرناطة. وثانية أضاعت العراق، أخرى أضاعت سوريا التي تأمر حاكمها مع القوى الخارجية ضد شعبها، ورابعة أضاعت اليمن، فتسلط عليها خونة لإسقاطها وتدمير مدنها وتركعيها، يقصفونها ويحاصرونها بلا جريرة سوى أنها أرادت أن تكون حرة، وخامسة أضاعت ليبيا، وسادسة تضيع مصر بعد أن قام صغيرها بالتحالف مع كل أعدائها من يهود وصليبين المشرق والمغرب.

وتتوالى الزفرات دون أن نجد صغيرًا يبكي كالنساء ملكًا لم يحافظوا عليه كالرجال، لقد أدمنوا الخيانة، صاروا يفاخرون بها. هي سنة الله في أرضه، كلما ابتعد العباد عن منهج الله، يهيئ لهم أسباب الضعف والانهيار، وكلما تمسكوا بمنهاجه يسر لهم أسباب القوة والمنعة، لذا فليصمت كل خونة الوطن والدين دعاة التحضر الزائف، من يرون في فريضة الجهاد دعوة للتخلف والعنف، هذا هو تاريخ الغرب الذين تتفاخرون بهم على أنهم صناع التحضر.

فالغرب الذي تتفاخرون بحضارته، لم يصنع غير الحرب والتقسيم والخيانة والغدر، لم يعرفوا الحضارة، ولا التسامح، إلا مع المسلمين. فلماذا ترون في جهادنا من أجل رفعة ديننا وبناء حضارتنا سُبة؟ أحلالٌ عليهم، حرامٌ علينا!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

سياسة الملك الصغير ابو عبد الله محمد بن الحسن لوداد كردي الحمداني
عرض التعليقات
تحميل المزيد