فجر الـ18 من يناير  (تشرين الثاني) 2016م، يقف محمد ثابت مرابطـًا في نقطة أمنية بمدخل بلدة سناح في الضالع الجنوبية؛ الضالع هي بوابة الجنوب التي لم يستطع الحوثيون وقوات صالح اختراقها.

محمد ومعه العشرات من رافقه يحرسون المدخل الشمالي لمدينة الضالع الجنوبية، فعلى الرغم من شدة البرودة في فصل الشتاء إلا أن الهدف الذي يقول محمد إنه وقف من أجله كفيل بالتغلب على عوامل الطقس والبرد القارص.

يرى كثير من الجنوبيين أن الضالع باتت تمثل لهم رمزًا وطنيًا في كيفية التصدي لما يصفوه بالاحتلال اليمني لبلادهم.

واحتل نظام صنعاء الذي كان يتزعمه علي عبد الله صالح، الجنوب في يوليو (تموز)1994م، عقب حرب دامت أكثر من ثلاثة أشهر، وبرزت الضالع لاحقـًا وخاصة في منتصف العام 2007م، كمعقل بارز للحركة الوطنية الجنوبية السلمية التي طالبت برحيل الاحتلال اليمني من عدن وعودة القيادات الجنوبية التي هربت إبان دخول قوات صنعاء عدن.

خلال الحرب الثانية التي شنها الشمال على الجنوب، وقفت الضالع حصنـًا منيعًا في وجه الحوثيين وقوات المخلوع علي عبد الله صالح، وتمكن مقاتلون مدنيون من هزيمة اللواء 33 مدرع الذي كان يقوده العميد عبد الله ضبعان المتهم بارتكاب مجازر وحشية بحق المدنيين.

 

مجزرة سناح

قتلت قوات ضبعان في قصف لمخيم عزاء في بلدة سناح العشرات من المدنيين بينهم نساء وأطفال في أبشع جريمة ترتكبها تلك القوات بحق المدنيين في الضالع.

ورغم الإدانات الشعبية والحقوقية لتلك الحادثة إلا أن ضبعان ظل طليقـًا ولم يتم تقديمه إلى أية محكمة، يقول محمد إن مقاومتهم وصدهم لقوات ضبعان أتت منذ تلك المجزرة البشعة التي ارتكبتها قوات موالية للرئيس المخلوع والحوثيين.

وعقب انتصار القوات الجنوبية على القوات الموالية للحوثيين في منتصف يوليو تموز إلا أن الوضع الأمني شهد نوعًا من الانفلات، خصوصًا عقب تعرض مقرات حكومية وأمنية في عدن لهجمات من قبل مسلحين.

وعلى الرغم من توجيه السلطات الشرعية في عدن الاتهامات للمخلوع صالح وجماعة الحوثي بالوقوف وراء الهجمات التي تعرضت لها مقار حكومية وأمنية في العاصمة عدن، إلا أن الجنوبيين يقولون إنهم ملزمون بالحفاظ على أمن بلادهم واستقرارها.

وتولت قيادات في الحراك الجنوبي ولأول مرة منذ حرب 1994م، مناصب حكومية رفيعة في السلطات الحكومية الشرعية، وهذا يأتي وفقـًا لبيانات الحراك الجنوبي ضمن خطة استعادة مؤسسات جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية التي دمرها نظام المخلوع صالح إبان اجتياحه الأول للجنوب في منتصف تسعينات القرن الماضي.

 

حرب صيف 1994

مثلت حرب صيف 1994 أقسى انتكاسة يواجهها سكان الجنوب اليمني في حياتهم ومعها فر العشرات من القيادات الجنوبية إلى المنفى، ومنذ ذلك الحين تولت قيادات شمالية بارزة مقاليد الحكم في اليمن.

عانى الجنوبيون كثيرًا طوال السنوات التي مضت ومعها ارتفعت حدة الشكاوى من التمييز والاضطهاد الذي مارسته قيادات شمالية ذات نفوذ قوى.

بسطت هذه القيادات على وطن كامل بكل خيراته ومقدراته وخلال سنوات قليلة باتت قوى النفوذ هذه متحكمة بتصدير أكثر من مليون برميل من النفط يوميًا وإيرادات مؤسسات حكومية ضخمة وعوائد اتفاقات صيد واسعة النطاق على طول شواطئ بحرية تقدر بأكثر من 1500 كليو متر.

مثلت السنوات التي تلت حرب صيف 1994 فرصة لتقاسم النفوذ والقوة والمال بين القوى المنتصرة، وبدلاً من معالجة اختلالات الحرب يومها ذهبت القوى المنتصرة إلى ممارسة أعمال نهب واسعة النطاق بالإضافة إلى تسريح الآلاف من جنود الجيش الجنوبي السابق.

وسارعت هذه القوى الشمالية في عمليات تقاسم للأرض والثروات في الجنوب في حين كانت دائرة الفقر والعوز والحاجة تتسع في مدن الجنوب.

 

انطلاق الحراك الجنوبي

انطلق الحراك الجنوبي في العام 2007، وكان نتاجًا لسنوات طويلة من الظلم والتهميش الذي عانى منه الجنوبيون على يد القوى الشمالية المتنفذة.

تحرك الآلاف في عدد من ساحات الاحتجاجات السلمية في عموم مدن الجنوب ونادوا بداية الأمر بإصلاحات حقوقية، لكن الاحتجاجات هذه سرعان ما تحولت إلى مطالب سياسية صرفة تطالب باستقلال الجنوب عن الشمال، وعودة الدولة السابقة التي دخلت في وحدة هشة مع اليمن الشمالي، انقلب عليها المخلوع صالح بعد مرور أقل من أربعة أعوام على توقيع اتفاقيتها.

وحقيقة الأمر أن مطالب استقلال الجنوب لم تكن موجهة صوب مواطني الشمال، لكنها كانت رفضًا لسياسة الاستحواذ والظلم التي مارستها قوى الشمال التي كانت متفقة فيما بينها على نهب الجنوب وإخضاعه.

ومع انطلاق فعاليات الحراك الجنوبي حاول نظام الرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح إخضاع مناطق الجنوب تحت سيطرته، وقامت قواته بقمع هذه الاحتجاجات، إلا أنها لم تتمكن من إضعاف حركة الاحتجاجات التي كانت تتمدد.

كان المخلوع صالح يدرك أن هذه الاحتجاجات يمكن لها أن تنهي وجوده في الجنوب، تمكنت حركة الاحتجاجات في الجنوب من إضعاف نظام حكمه بشكل كبير، وتمكنت خلال عامين من الوصول إلى مدينة عدن رغم حدة الإجراءات الأمنية التي فرضت حول العاصمة التاريخية لليمن الجنوبي.

 

العام 2011  نقطة تحول

كان العام 2011 نقطة تحول في التاريخ اليمني، تأثرًا باحتجاجات الربيع العربي اندلعت احتجاجات غاضبة في مدن الشمال ونادت بإسقاط حكم الرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح، وهو ما تم بعد أشهر طويلة من الاحتجاجات.

ورغم أن القوى الشمالية المعادية لنظام صالح تحدثت عن مظالم الجنوبيين ومن بينها قوى الإصلاح والحوثيون إلا أن أيًّا من هذه القوى أقر واعترف بهذه الحقوق عقب السقوط الشكلي لنظام صالح.

سيطرت قوى من حزب الإصلاح على مقاليد الحكم بشكل كبير في اليمن عقب ما بات يعرف بثورة 2011، وبدلاً من أن تذهب هذه القوى صوب منح الجنوبيين حقوقهم، ذهبت هذه القوى إلى ممارسة أعمال القمع نفسها التي مارسها صالح ضد الجنوبيين.

تدرك هذه القوى أن أي منح حقيقي للجنوبيين مشاركة في السلطة والثروة يعني إنهاء عقود من النهب والتدمير غير المشروع في مدن الجنوب.

واجهت آلة القمع الإصلاحية الاحتجاجات السلمية الجنوبية بنفس أدوات نظام صالح وتواصلت أعمال القمع والنهب للثروات حتى العام 2014.

 

2014 عام التحول الحوثي

في العام 2104 بدأت خارطة السياسة المحلية بالتغير الكبير في اليمن وطفت إلى السطح الجماعة الحوثية باعتبارها قوة مسلحة وفاعلة على الأرض.

تمكن الحوثيون من السيطرة على أجزاء من الأرض في محيط العاصمة اليمنية صنعاء، ووصل الأمر إلى سيطرتهم على عاصمة محافظة عمران بعد اشتباكات دامية مع عناصر حزب الإصلاح هناك.

تحدثت قيادات جماعة الحوثي عن المظالم الجنوبية لسنوات طويلة، لكنها ومع دخولها العاصمة اليمنية صنعاء وسيطرتها على الأوضاع هناك أدارت ظهرها لتلتحق بركب الإصلاح وصالح في تعامله مع الجنوبيين.

تنكرت جماعة الحوثي لكل العهود التي قطعتها خلال السنوات الماضية تجاه قضية الجنوب وحولتها إلى قضية حقوقية.

أثار التنكر الحوثي غضب قطاع واسع من الجنوبيين الذين أدركوا أن أيًّا من القوى الشمالية (مؤتمر – إصلاح – حوثي) لا يمكن له أن يعترف أن للجنوب قضية سياسية.

كانت القوى الشمالية تريد للجنوبيين مشاركة ضئيلة وشكلية في الحكم والثروة والسلطة وذهب المؤتمر والإصلاح والحوثي إلى إنتاج قوى جنوبية هزيلة ادعى كل طرف أنها تمثل الجنوبيين.

ورغم اختلاف القوى الشمالية فيما بينها إلا أنها في مواجهة الجنوب والقضية الجنوبية كانت تتفق على ضرورة وجود قوى جنوبية شكلية تدعي تمثيلها للجنوب وحصته في المشاركة.

 

حرب 2015

مثلت حرب 2015 انقلابًا كارثيًا في تشكيلة القوى السياسية اليمنية، وبعد أن ظل لسنوات طويلة القوى الشمالية (مؤتمر – إصلاح – حوثي) هي الوحيدة الفاعلة على الأرض تدخلت قوى عربية جديدة تمثلها السعودية والإمارات.

مثلت عاصفة الحزم أول تدخل عربي من نوعه في الصراع اليمني المحلي، وبعد أن ظلت لعقود ملفات الصراع محصورة بين القوى الشمالية المتنفذة، بات هنالك لاعب دولي جديد يملك قدرة التحكم بعدد من الملفات وبينها ملف القضية الجنوبية والوضع السياسي والعسكري جنوبًا.

في الـ26 من مارس 2015 دفعت قوات موالية للحوثيين وصالح بقواتها صوب مناطق الجنوب، كان الأمر يشبه عملية الغزو نفسها التي تمت في العام 1994 حينما تقدمت قوات شمالية واحتلت الجنوب عقب حرب دامت شهرين.

على خلاف حرب صيف 1994 تمكنت القوات الموالية للحوثيين من السيطرة على غالبية مناطق الجنوب خلال 4 أيام فقط.

جاء التدخل العربي عبر عاصفة الحزم مفاجئًا لكل حسابات القوى الشمالية، ورغم الرضا الظاهري لحزب الإصلاح حيال هذا التدخل إلا أن واقع الأرض الذي كان يتشكل لم يكن مرضيًا لكافة الأطراف الشمالية التي وجدت أنها قد تكون خارج لعبة الملعب السياسي في الجنوب وبينها حزب الإصلاح ذاته.

 

كيف دارت الحرب؟

خلال أشهر من الحرب تمكن الجنوبيون من أن يكونوا القوة العسكرية التي تتشكل في مدن الجنوب، وبدعم قوات التحالف العربي ومساندتها، كانت كل قوى النفوذ الشمالية تدرك أن استمرار الحرب وظهور المقاومة الجنوبية بوجهها العسكري يعني انتهاء أية سيطرة أو نفوذ لها في مناطق الجنوب.

مع انتهاء الحرب في مدن الجنوب وتمكن المقاومة الجنوبية من دحر القوات الموالية للحوثيين بدأ النموذج الأكثر إخافة لقوى النفوذ الشمالية وهو بدء تطبيع الحياة العامة في مدن الجنوب.

لا يعني تطبيع الحياة العامة في مدن الجنوب مع وجود قوة عسكرية جنوبية خالصة إلا انتهاء فوري لأية محاولة لقوى النفوذ الشمالية عودة السيطرة على عدن، لذا فإن الهدف الذي تتفق حياله كل القوى الشمالية مهما كانت مختلفة هو إرباك الحياة العامة في عدن وتعطيل أية محاولة لاستقرار الأوضاع في مدينة عدن ومحافظات الجنوب الأخرى.

عقب الحرب دشنت القوى الشمالية محاولات ضرب حالة الاستقرار وعلى خلاف ما حدث خلال السنوات الماضية شهدت مدينة عدن أعمال عنف هي الأوسع منذ حرب صيف 1994.

تحاول القوى الشمالية اليوم إرباك أية محاولة انتقال سلمية للسلطة وعودة للعمل لكافة المؤسسات الحكومية، تدرك هذه القوى مجتمعة أن تشكيل قوات الأمن والجيش والسلطات المحلية بعدن في حين ماتزال الحرب مشتعلة شمالاً يعني انفصالاً ناعمًا وهادئًا للجنوب، وهو الأمر والقضية الذي تتفق حياله كل القوى الشمالية بأنه يجب ألا يحدث.

لا يواجه الجنوبيون اليوم في عمليات العنف هذه تيارًا سياسيًا أو عسكريًا شماليًا واحدًا، لكن كل الأطراف الشمالية ألقت بثقلها خلال محاولات ضرب الجنوبيين، خصوصًا مع تولي قيادات جنوبية صرفة مناصب حكومية مثل محافظ عدن عيدروس الزبيدي ومدير الأمن شلال علي شائع.

 

الانتصار الجنوبي مهم جدًا

يمثل انتصار الجنوبيين في معركة استعادة الدولة والسير صوب تكوين مؤسسات الحكومة والبدء فعليًا بحكم أرضهم وتقديم نموذج مستقر للمحيط العربي والخليجي على وجه الخصوص المعركة الأكثر أهمية التي يجب عليهم خوضها دونما أي تراجع.

يرى كثير من المراقبين والمحللين أن تجاوز الجنوبيين لمرحلة تثبيت الدولة في عدن لا يعني إلا أن تمتد التجربة إلى محافظات الجنوب الأخرى، وهي تجربة حكم سياسية بأدوات جنوبية، الأمر الذي يعني وصولاً تامًا إلى استقلال الجنوب بشكل كامل.

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

اليمن

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد