المتابع للانتخابات الأمريكية يستشعر في بعض الأحيان أن السباق محسوم لهيلاري.

أختلف قليلًا مع هذا الطرح!

الأجواء العالمية الحالية مع نتائج المناظرتين الأخيرتين لا تقول هذا، بل ربما تحذر قليلًا من هذا الوثوق الزائد عن الحد.

توجد عوامل وشواهد عدة تقول أن لدى ترامب فرصة ليست قليلة للفوز بالرئاسة. هذه العوامل تمثل رهانات أخيرة لحملة ترامب لتدعيمه في رحلته للبيت الأبيض.

ورهان – أو رهانات – ترامب الأخير يستند إلى عدة أشياء وأولها:

أولًا: الناخب الخجول

ارتكب ترامب الكثير من الأشياء غير الاعتيادية في سباق الترشح لرئاسة الولايات المتحدة الأمريكية. كوصفه هيلاري مثلًا بالمرأة الوقحة! وسبه لكل الأقليات تقريبًا. بل وسخر من مذيع أمريكي ذي إعاقة، بتقليده. كما ظهر له تسجيل قديم يتحدث فيه بفخر عن إمكانيته فعل شيء لا أخلاقي مع النساء، لأنه مشهور وغني!

كل هذه الأشياء وغيرها جعلت أشد المؤيدين له خجولين من تأييده العلني. بعض مؤيديه تغلب على هذا عن طريق ذكر مساوئ هيلاري وزوجها، وإن ترامب تكلم فقط، على عكس هيلاري وزوجها الذين فعلوا الكثير ولم يتكلموا فقط.

هذا الخجل من التصريح العلني لمسته في بعض المعارف «الغربيين» لأحد أصدقائي الذين يصرحون أن: ترامب يعبر عن الكثير مما يجيش بصدورنا – الغربيين – ولا نستطيع أن نقوله!

في هذه الحالة، سيقوم الناخب الخجول عند استطلاع رأيه بشيء من اثنين: إما سيقول لم أقرر، أو سيقول أنه اختار هيلاري! وهذا ليس مستبعدًا ويحدث عندما يحس المرء أنه لابد أن يساير الجماعة. توجد عدة تجارب اجتماعية ممتازة تشرح هذا المفهوم.

هذا السلوك الانتخابي سيتسبب في إعطاء نتائج مغلوطة تظهر تقدم هيلاري، أما عندما يكون الناخب وحده في غرفة التصويت فعندها…

ثانيًا: حرب الموصل

في المناظرة الأخيرة، قال ترامب شيئًا مهمًا بخصوص الموصل وهو أن المستفيد الوحيد حاليًا منها هي إيران وروسيا  وهيلاري نفسها. حيث عمومًا أن إدارة أوباما ظهرت ضعيفة ومهتزة مما جعل كل من بالساحة يكسب ما عدا أمريكا!

أكد ترامب أن الحرب تم شنها لمساعدة أوباما ومن ثم هيلاري في حملتها الانتخابية.

وأرى صحة هذا الطرح، حيث كان من الأسلم لأوباما أن يترك تركة الموصل الثقيلة لمن سيفوز بالرئاسة. حيث إنه من الأسلم الخروج من الرئاسة بدون أي خسائر في أي حرب. ولكن تم التعجيل بحرب الموصل كرهان من إدارة أوباما على إمكانية حسم المعركة بسرعة، وإعطاء هيلاري مزيدًا من الزخم في حملتها.

الخلاصة أن هذه الحرب المصغرة إذا نجحت قبل التصويت، فستكون دفعة مهولة لإدارة أوباما وهيلاري بالتبعية، أما إذا استمرت كما يتنبأ ترامب فستصبح في مصلحته قطعًا.

ثالثًا: استطلاعات الرأي ليست دائمًا صحيحة

من تابع منا التصويت البريطاني على الخروج من الاتحاد الأوروبي، رأى جهابذة المحللين و«كل» استطلاعات الرأي العلمية العالمية التي «أكدت» أن البريطانيين يفضلون البقاء. فمثلًا جريدة الفاينانشيال تايمز العالمية المعروفة أعطت نسبة 48% بقاء مقابل 46% خروجًا.

وطبعًا معروف ماذا حدث: خرجت بريطانيا!

السر كان في المصوت الخجول كما ذكرنا في أول نقطة وعدم ذهاب الشباب للتصويت بشكل كافٍ.

نقطة أخرى، أن معظم استطلاعات الرأي بها هامش خطأ ليس قليلًا: 3%. وهذا الخطأ للجانبين: هيلاري وترامب. أي أنه إذا كان الفرق بين الخصمين أقل من 6%، فتعتبر نتيجة الاستطلاع غير دقيقة بالمرة!

لا ننسى أن نذكر أن استطلاعات الرأي فشلت مرتين على الأقل من قبل في الانتخابات الأمريكية نفسها. في عام 1948، تنبأت مؤسسة جالوب لاستطلاعات الرأي – أو رجحت – فوز توماس ديوي على هاري ترومان بفرق 5% وحدث العكس تمامًا!

نفس المؤسسة في عام 1976، رجحت فوز جيرالد فورد على جيمي كارتر، وحدث العكس أيضًا!

فعدم دقة الاستطلاعات تعتبر أحد أهم رهانات ترامب على الفوز.

رابعًا: خطر العمليات الإرهابية

عندما حدثت عمليات فرنسا الإرهابية الواحدة تلو الأخرى، عاب ترامب على سياسة فرنسا في عدة مواضع وأبرزها: «أن فرنسا لم تعد كما كانت! » و«أن مناطق كاملة في فرنسا أصبحت خارجة عن القانون» في إشارة خفية للمهاجرين وبخاصة المسلمين.

أما في أمريكا فكان ترامب أكثر وضوحًا وصراحة. حيث ذكر مثلًا في حادثة أورلاندو الإرهابية بفلوريدا – بعد أن فتح «عمر متين» النار على تجمع للشواذ – أو المثليين أيهما يفضل القارئ – أن «كلينتون تريد أخذ السلاح من الأمريكيين وترك الأمريكيين يذبحون على يد الإرهاب الإسلامي!» وأنه «حان الوقت لترك الخطاب السياسي المنمق والعمل على استرجاع بلدنا عن طريق القوة والسرعة والذكاء». كما أشار أيضًا إلى أعداد المهاجرين السوريين إلى أمريكا وبالغ في أعدادهم حتى يخيف ويحمس مؤيديه. ودعا كلينتون وأوباما للتخلي عن الكلام السياسي وتسمية الهجمات صراحة بـ«الإرهاب الراديكالي الإسلامي»!

أيد حظرًا عامًا على المسلمين بخصوص المجيء إلى أمريكا وخصوصًا من الدول المعروفة بالإرهاب. خفف ترامب في مناظرته الثانية من حدة كلمة «حظر» واستبدلها لتصبح «تدقيقًا شديدًا».

هنا نستنتج أن في الوقت الحالي أي عملية إرهابية في أوروبا – أو في أمريكا وهو الأخطر – ستصبح من أحد رهانات ترامب للوصول لسدة الحكم.

خامسًا: التحيز الإعلامي الواضح ضده

السي إن إن، الواشنطون بوست، ذا نيويوركر، وأكثر من 182 صحيفة تؤيد هيلاري وبالتبعية تهاجم ترامب هجومًا ضاريًا. هذا الهجوم لا يخفى على الناخب الأمريكي غير المقرر لمن سيعطي صوته حتى الآن.

ومن شاهد المناظرة الأولي والثانية – أما في الثالثة فكان الموضوع أكثر اتزانًا – حيث تحيز مديرو المناظرات بوضوح ضده، فسيدرك مدى رد الفعل العكسي الشعبي الممكن حدوثه كنتيجة لهذا التحيز الجلي ضد ترامب.

قد يقول قائل إن هذا متوقع مع ما صدر من ترامب من أقوال مخجلة. وردي هو أن هيلاري فعلت ما هو أكثر بتعريض الأمن القومي الأمريكي للخطر عن طريق فضيحة استخدامها لبريدها الإلكتروني الشخصي وتخزينها وإرسالها بريدًا إلكترونيًا حكوميًا شديد الخطورة والسرية.

هذا بالإضافة إلى عدم ردها على استغاثة السفير الأمريكي في ليبيا وقت الهجوم عليه في بني غازي، مما تسبب في مصرعه. وحتى لو تم تبرئتها، فالناخب العادي الأمريكي سيعتبر أو يظن أنه تم «طبخ» هذه البراءة بمعرفة الإدارة الأمريكية، لإعداد هيلاري للرئاسة.

هيلاري قامت أيضًا بأخذ 12 مليون دولار من ملك المغرب لدعم حملتها الانتخابية، حيث ذهب زوجها وابنتها بدلًا منها لتجنب الحرج.

ترامب صرح تصريحًا خطيرًا لجمهوره بتعهده بتفكيك إمبراطورية أمريكا الإعلامية إذا تم انتخابه! بل وتعهد بإفساد صفقة شراء مؤسسة إيه تي أند تي لمؤسسة تايمز وارنر والتي تمتلك محطة سي إن إن التي شنت هجومًا كاسحًا عليه في فترة ترشحه. حيث قال إن تركز القوة الإعلامية بهذا الشكل في أيدي القليلين سيفسد الديمقراطية الأمريكية، وأنه بالكاد بالرغم من كل موارده، استطاع أن يقف في وجوههم، فكيف بالمواطن العادي؟!

من الممكن جدًا أن يصبح هذا الهجوم الإعلامي نقمة على هيلاري وليس العكس، وأحد رهانات ترامب للفوز.

سادسًا: رغبة «الكثير» من الأمريكيين في تغيير الوضع الحالي

تعاني أمريكا من معدلات نمو لا تجاوز الاثنين في المئة. أوباما فعل الكثير بالفعل حيث ساهم في خفض معدل البطالة إلى نصف ما كانت عليه في أكتوبر 2009. ولكن المواطن الأمريكي يريد المزيد!

لذا تعهد ترامب بعمل تغييرات جذرية في جميع أنحاء الدولة الأمريكية.

سيخفض ترامب الضرائب على الشركات من 35% إلى 15%. هذا التخفيض سيغير من معدل النمو في الناتج القومي الأمريكي وربما يزيده بمعدلات أكبر بكثير من الحالية. لا يفكر الناخب الأمريكي أنه ربما يزيد هذا الخفض من عدم المساواة في الدخول للفرد الأمريكي، حيث إن الضرائب تستخدم لتمويل الخدمات الاجتماعية والتأمينية المختلفة وتعويض فجوات الدخول، مما يؤدي إلى تحقيق بعض الوفر والكفاية للأسر الفقيرة. وهذا لأن الشعوب بطبيعتها لا تفكر إلا في اللحظة الحالية.

أيضًا، تعهد ترامب في 22 أكتوبر 2016 بما سيفعله في أول مئة يوم من الرئاسة وكلها أشياء في غاية الخطورة:

– طرد وإجلاء اثني مليون مهاجر غير شرعي (كنت توقعت خمسين ألفًا على الأكثر في أحد نقاشاتي مع أحد الأصدقاء!).

– تجاهل موضوع التغير الحراري للأرض، ووضع كل الأموال المخصصة لهذا الغرض في صندوق لصلاح البنية التحتية الأمريكية.

– وضع حد أقصى لعدد مرات الترشح لأعضاء الكونجرس الأمريكي.

– وضع قيود على موظفي البيت الأبيض عند خروجهم على المعاش ومنعهم من العمل مع جماعات الضغط والمصالح.

– مراجعة كل اتفاقات أمريكا التجارية والتدقيق الشديد فيها.

– وأخيرًا – كشيء شخصي – مقاضاة النسوة الإحدى عشرة اللاتي ادعين أن ترامب قام بالتحرش بهن.

كل هذه الوعود سهلة التحقيق ومحددة، مما سيغري الناخب الأمريكي اليميني المتحفظ – وربما آخرين – بتأييد ترامب رئيسًا.

 سابعًا: ويكيليكس

لقد كانت التسريبات التي نشرها «ويليام أسانج» – منشئ ويكيليكس – وبالًا على حملة كلينتون! كشفت التسريبات عن آراء الديمقراطيين في بعضهم البعض – وشتائمهم المقذعة لمستشاري «بيرني ساندرز» – المرشح السابق أمام هيلاري في الانتخابات التمهيدية الديمقراطية. أظهرت التسريبات عدم حياد اللجنة العامة الديمقراطية وانحيازها لهيلاري على حساب بيرني ساندرز، مع أنه يفترض حياد اللجنة التام حيال المرشحين! كما أوضحت أن هيلاري وحملتها كانوا يطلقون النكات على الجنوبيين والكاثوليكيين المتشددين الذين ربما يكون لهم رد فعل غير ودود وقت التصويت. هذا بجانب تأكيدها على أنها ستساعد وال ستريت – كناية عن السوق المالي الأمريكي وكبار المستثمرين – بأقصى استطاعتها، على الرغم من ادعائها أنها في طريقها لفرض المزيد من الضرائب على الأغنياء!

مجرد تسرب كل هذه الإيميلات من حواسب مدير حملتها الانتخابية – واستعمالها لبريدها الإلكتروني الشخصي وقت توليها مسئولية العمل العام – يعد سقطة لا تغتفر، وطرح شكوكًا في أهليتها ومن معها لحكم أقوى دولة في العالم. ورهان آخر لترامب في طريقه للبيت الأبيض.

ثامنًا: الناخب المتردد

إذا نظرنا للانتخابات الأمريكية السابقة، مثلًا انتخابات عام 2008، فسنجد نسبة هؤلاء حوالي 3% من الناخبين المستطلعة آراؤهم. إذا نظرنا إلى عام 2012 فسنجد حوالي 5%.

أما في هذه الانتخابات فالنسبة 25%!

أي، ببساطة، سنجد أن معظم استطلاعات الرأي الحالية ليست مؤشرًا يمكن الركون إليه!

سر هذا التمزق في حيرة الناخب بين مشاكل هيلاري المتعددة وعنف ومساوئ ترامب.

لو فرضنا – جدلًا – أن نصف هذا العدد فقط هو من سيذهب فعليًا للتصويت، فهم قادرون على قلب الدفة تمامًا. حيث إن استطلاعات الرأي الحالية تظهر فروقًا طفيفة بين المرشحين – بعض الاستطلاعات يظهر هيلاري متقدمة بفرق محترم – مما يجعل هؤلاء المترددين كنزًا غير عادي لأي من المرشحين. ونظرًا لما ناقشناه من قبل فأعتقد أنهم سيريدون بعضًا من التغيير عن الوضع الحالي.

وأخيرًا: ذعر النخبة الأمريكية غير المسبوق

الكل يهاجم ترامب!

كل الصحفيين والمشاهير ورئيس الدولة وزوجته ومحاورو التليفزيون ومقدمو البرامج الفكاهية ضد ترامب بشكل لم يسبق له مثيل في تاريخ أمريكا!

نائب الرئيس الأمريكي أجاب أنه بدلًا من مجادلة ترامب في لقاء بينها، فإنه يفضل لو كانوا شبابًا في الثانوية العامة، حيث سيأخذه «خلف صالة الألعاب»!

فجأة كل من تحرش بهن سابقًا من النساء تذكرن الموضوع في خضم الانتخابات الأمريكية!

كل هذا الهجوم العنيف سيثير التساؤلات حتمًا عن التوقيت الغريب، ويرفع من درجة التعاطف معه بين الناخبين المترددين.

وفي الخاتمة؛ سواء فاز ترامب أو فازت هيلاري، فقد أحدث ترامب شرخًا في المجتمع الأمريكي ولن تعود أمريكا كما كانت من قبل. وكما قالت هيلاري في آخر مناظرة؛ إذا فاز ترامب فسينشر الكراهية والخوف والعنصرية في المجتمع!

للاطلاع على مقالات الكاتب يرجى زيارة صفحته علي الفيسبوك.

ملحوظة: آراء الكاتب لا تعبر عن أي مؤسسة أو جهة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد