ماذا لو؟!

انسحب وفد المعارضة من مؤتمر جنيف مطلقا رصاصة الرحمة على العملية السياسية.

القصف الروسي على أشده في حلب وريفها، مفسحًا المجال لتقدم قوات النظام والميليشيات العراقية واللبنانية في محاولة لاستعادة المناطق الشمالية والشمالية الشرقية.

انكسار للجيش الحر وباقي فصائل الثوار في مناطق قوتها الشمالية والجنوبية، بعد سقوط الشيخ مسكين والسقوط المتوقع لحلب وريفها، بسبب انقطاع أو شح الإمدادات من الحليفتين السعودية وتركيا على الجبهتين الشمالية والجنوبية، مترافق مع انخفاض القوة المقاتلة على الأرض، بسبب ارتقاء المجاهدين –رحمة من الله بهم- فقد أُحيط بهم، وأُسقط بأيديهم لتخاذل القريب قبل البعيد.

ما هي النتيجة؟

يستعيد النظام سيطرته على الأراضي التي خسرها، ويستعيد إحكام قبضته الأمنية على سوريا، ربما بعض المناوشات هنا وهناك من بعض الكتائب المتفرقة…

بعدها، وبثقة غير عادية، يُطل علينا “رأس النظام” وكأنه “نبيٌ مرسل”، ولم لا؟! فقد تلى علينا الجعفري فاتحة قرآنه الجديد منذ أيام، يطل علينا هذا “النبي” ليعلَم العالم كيفية “مكافحة الإرهاب”، وكيف أن الالتفاف الجماهيري حول “قيادته الحكيمة” هو ما أدى إلى هزيمة “العربان” أم نقول “العرب المستعربة” حسب تعبيره، وانكفاء “العثمانيين الجدد” الذين تجرأوا وطمعوا في “عرشه”.

أما إيران، إن تحقق لها ما أرادت في سوريا، فلن تكون أقل من “الآمر الناهي” في المنطقة، فقد اكتمل هلالها الشيعي، وامتد نفوذها حتى البحر المتوسط، وأعادت رسم المنطقة والتوزيع الديمغرافي لسكانها، عن طريق توطينها وتجنيسها لميليشياتها ومرتزقتها من الشيعة الإيرانيين والعراقيين والأفغان… ليكونوا الأداة التنفيذية لمخططاتها اللاحقة، وأولها طبعًا اليمن، أليست لطمياتها تذكر ذلك بوضوح:

“اليمن عبر الزمن…هي أرض ابن الحسن… فيها شعب يولد منه اليماني

صارت اليوم اليمن.. رافضية للعلن… وركيزة جيش صاحب الزمانِ

شيعة البحرين هل الحملة تشنها… توصل لعند فاطمة وتبني صحنها

يظهر لِنا من الخفاء… قبر سيدة النساء… فالجزيرة بـــ يا علي نحرر مدنها

الكعبة لنا… والركن لنا”.

فبعد استعادة علاقاتها (العلنية) مع “الشيطان الأكبر”، و”الشياطين الأوروبية الأصغر”، والضخ الهائل للأموال الذي حصل، كل هذا جعل من إيران سوقا كبيرة مستهدفة، انفتحت شهية الدول الغربية لاقتحامها، وخاصة مع مخزون إيران من الطاقة (نفط وغاز) والذي يؤهلها لتكون بديلا مهما عن السعودية، طبعا لا ننسى ذكر سيطرتها على أهم المضائق البحرية، كل هذا أدى لسيلان لعاب الدول الأوروبية، والتي لم تتوان عن تغطية التماثيل العارية إكراما لزيارة “الأموال الإيرانية”.. أقصد “الرئيس الإيراني” لها، وليس من المستغرب أن تقيم هذه الدول مجالس العزاء واللطميات في شوارعها خلال زياراته اللاحقة، تحقيقا لرغبات وطموحات إيران في ذلك:

“راية المهدي حملناها معانا… بالغرب ننشر شعائرنا وعزانا

بالعزى صوت البكاء… يوصل لأبعد فضاء

وعن قريب الأجنبي يلطم معانا

الغرب لنا ..الشرق لنا”.

إبقاء النظام في سوريا سيكون أول حجر في إسقاط أنظمة الحكم الحالية، في السعودية خصوصًا والخليج عمومًا، فالتحرك الحالي في أمريكا على عدة مستويات ضد “الوهابية” وما يقال عن أنها أصل للفكر الإرهابي من القاعدة وداعش… سيجعل جميع الاحتمالات موضوعة على الطاولة، وخاصة مع قرب انتهاء فترة الرئاسة الحالية والضبابية التي تلف المرحلة القادمة، فالاحتمالات كلها واردة!

استبدال السعودية بإيران بدأ بالفعل، فالأخيرة هي مصدر بديل للطاقة، وفكرها “المعتدل” والذي لا يحمل أي مشروع تدميري للغرب يؤهلها لاستلام مكان السعودية كحليف لأمريكا في المنطقة، وخاصة مع الفكر “التمردي” للملك سلمان، والذي يأبى دخول بيت الطاعة الأمريكي بسهولة.

أما عن موقف مصر بقيادة السيسي تجاه ذلك، فلن تكون هناك مشكلة على الإطلاق، فالسيسي سياسته واضحة: “يلي يتجوز أمي يصير عمي” فهو غير مهتم من أين يأتي التمويل، المهم أن يأتي، فإن تم استبدال المال السعودي والخليجي بالمال الإيراني “فيا مرحبا”!

تركيا ستكون محاصرة تماما من قبل روسيا وإيران “المنتصرتين” وقوى الأكراد الانفصاليين في الجنوب، فالوعود الأمريكية الأخيرة للأكراد خلال زيارة ممثل أوباما منذ أيام، والدعم الروسي المتواصل للفصائل الكردية الانفصالية قائم على قدم وساق، ولن يمانع بشار بالطبع في التخلي عن المناطق السورية الكردية مقابل احتفاظه بالكرسي، وبالنهاية ستمثل تلك القوى الانفصالية حائط الصد ضد تركيا مستقبلا.

روسيا وغطرستها، إيران ومشاريعها التوسعية، الانفصاليون الأكراد الذين ستزداد شوكتهم مع الدعم الروسي-الأمريكي، كل ذلك، سيفتح الأبواب على مصراعيها للدولة العميقة في تركيا لتبدأ بفعل فعلها، في هدفٍ للإطاحة بالحزب الحالي ومكتسباته، ولو كان ذلك على حساب ما حققته تركيا من نجاحات خلال السنوات السابقة، صحيح أنه ليس من مصلحة أمريكا المباشرة إضعاف تركيا مقابل روسيا وإيران، ولكن حتما من مصلحتها القضاء على المشروع السني متمثلا بالحكومة الحالية.

هذا هو أحد أكثر السيناريوهات توقعًا في حال بقاء نظام الأسد، وهو واحد من عدة سيناريوهات ممكنة، القاسم المشترك بينها هو أنها لن تحمل خيرا لدول المنطقة. إن لم يقم أصدقاء سوريا، من سعوديين وأتراك، وبشكل فوري، بالتصدي للتغول الإيراني الروسي فستكون النتائج والعواقب كارثية عليهما، فهم إذ يساندون الثوار، فإنهم يساعدون أنفسهم أولا!

فلا يبخلن بمال أو سلاح، وقد وجدوا من الثوار ما وجدوا من تقديم الثمن الأكبر بجهادهم وتضحياتهم بأنفسهم وبكل غالٍ ونفيس، فلينقذوا أنفسهم بإنقاذ الثوار قبل أن يندموا، ولات ساعة مندم!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد