غابت شمس ذلك اليوم بعد أن عكست شعاعاتها حمرة على أنهار المدينة وأشجارها المصطفة في منظر بدائعي، أضفت إليه أسوارها وقصورها العالية وبواباتها الحصينة جمالًا طبيعيًا خلابًا.

كانت حركة الأذقة والحواري هادئة على غير عهدها وقد خلت الشوارع من المارة وضجيج الأقدام ولهو الصغار وحديث النسوة، بات المسلمون ليلتهم ورؤسهم محملة بأثقال الغد وأسئلة المستقبل اللا نهائية، ذلك الغد الذي تسقط فيه دولة الإسلام وتنتهي حقبته الزمانية في التاريخ الأندلسي الطويل، إنه الخروج الأخير.

عمر المسلمون بلاد الأندلس ثمانية قرون منذ أن دخلتها جيوش طارق بن زياد مولى موسى بن نصير عام 711م في زمن الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك بن مروان، وتعاقب ولاة الأمويين عليها إلى أن زالت دولتهم.

ولم يفلح خلفاؤهم من العباسيين في القضاء عليهم ودحر نفوذهم في بلاد الأندلس، إذ استطاع عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك الأموي، المعروف بالداخل وصقر قريش، أن يفر إلى الأندلس في عام 756م، ويؤسس بها ولاية أموية وعاصمتها قرطبة.

وفي عام 930م أعلن عبد الرحمن الثالث الناصر لدين الله الخلافة الأموية، منفصلًا عن أي تبعية للخلافة العباسية القائمة بالفعل، وتسمى بأمير المؤمنين، ودعي له فوق المنابر، وسك العملة باسمه، وارتقت الدولة في عهده إلى مكانة علمية ومعمارية وعسكرية كبيرة.

ضعفت الدولة على مدار العقود التالية، وتقسم أمرها ملوك وأمراء من الموالي والوزراء وكبار العرب في 22 مقاطعة، عرفوا بملوك الطوائف، وتناحروا فيما بينهم، ولم يجد الواحد منهم حرجًا في التحالف الأجنبي لهزيمة غيره من الملوك العرب، بل ودفع الجزية في أحيان كثيرة.

وأمام هذا الضعف كانت أوروبا تتكتل وتستعد لحروب الاسترداد والدفاع عن المسيحية، مشحونة بدعوة باباوات الكنيسة والطمع في وعود الغفران، وبدأت تتساقط المدن والحصون الإسلامية واحدة تلو الأخرى وانهارت كأحجار الدومينو؛ حيث كان سقوط طليطلة 1085م وتلتها مدن عدة أشهرها سرقسطة 1118م، قرطبة 1236م وأشبيلية 1248م.

كانت غرناطة هي آخر المعاقل المتبقية للمسلمين والمسمار الأخير في نعش وجودهم وحضارتهم في كامل شبه الجزيرة الأيبيرية، واستطاعت أن تصمد لأكثر من مائتي عام أمام غزو الإسبان إلى أن ضُرب عليها الحصار، وخارت قواها، ولم تجد أحدًا لنصرتها، فكان لا بد من التفاوض وتسليم المدينة لملوكها الجدد في يوم 2 من يناير (كانون الثاني) 1492م في مشهد أبكي مسلمي الأندلس قديمًا، وأبكانا حديثًا، فلم نجد لدموعنا عزاءً، ونحن أمام أندلسيات العصر الحالي.

ما قبل الحصار

إذ قُدر لمدينة غرناطة الصمود أمام هجمات الإسبان لأكثر من قرنين من الزمان، فما الذي حدث وعجل بسقوطها وأدى إلى هذه النهاية التراجيدية لمسلمي الأندلس جميعًا؟

وكي تتضح الصورة، لا بد من فهم الأوضاع الأوروبية والإسلامية قبل الحصار، وذلك من خلال عرضٍ للأوضاع الأندلسية بشقيها الأوروبي المسيحي والعربي المسلم، ثم عرض لدول العالم الإسلامي آنذاك ولما لم تهب لنصرة مسلمي الأندلس ومواجهة هجمات الإسبان.

الجانب الأوروبي المسيحي

كان من الطبيعي أن تنشأ حركة معارضة ورافضة للوجود الإسلامي منذ يومه الأول في الأندلس، وفي هذا فقد تكونت ممالك صغيرة في الشمال من شبة الجزيرة الأندلسية، متناحرة فيما بينها بحكم تكوينها القبائلي، ثم انتهي بها الحال إلى مملكتين كبيرتين متجاورتين هما مملكتا قشتالة وأراجون، وقد ساعد الزواج بين فرناندوا الثاني بن الملك خوان الثاني ملك أراجون والأميرة إيزابيلا أخت إنريكي الخامس ملك قشتالة عام 1469م في اتحاد المملكتين بعدها بنحو 10 سنوات، إذ استطاعت إيزابيلا بعد وفاة أخيها إنريكي الرابع 1474م أن تستخلص العرش لنفسها والقضاء على معارضيها، وتم تتويجها وزوجها ملكين لأراجون وقشتالة في 1479م.

وبهذا الاتحاد السياسي والعسكري، توحدت الأهداف والغايات، وشُحذت الهمم، وتوافرت الإمكانات في تأسيس قوة عسكرية وسياسية مناوئة للوجود الإسلامي والتعهد بالقضاء على آخر معاقلهم في ظل الحمية المسيحية لدى الملكة الكاثوليكية إيزابيلا؛ نظرًا لتدينها الشديد وعلاقاتها بالأساقفة والرهبان، فضلًا عن دور الكنيسة السياسي في العصور الوسطى في تشكيل وصياغة الوعي الجماهيري وتكوين صورة سلبية عن المسلمين منذ الحملات الصليبية على بلاد الشرق 1096م.

الجانب العربي المسلم لغرناطة

اعتلى أبو الحسن عرش غرناطة في 1461م بعد أن خلع أبيه سعدا عن ملكه، وكان له أخوان هما أبو عبدالله محمد الملقب بالزغل أي الشجاع، والثاني هو أبو الحجاج يوسف والمتوفى بالطاعون.

كان لأبي الحسن زيجتين الأولى من ابنة عمه عاتشة بنت محمد (الحرة) وأنجب منها ولدين هما أبو عبد الله محمد (الصغير) واسمه بالإسباني بوعابديل «Boabdil» وهو الابن الأكبر، والثاني هو أبو الحجاج يوسف، وابنة أخيرة واسمها عائشة، أما الزيجة الثانية وهي من أسيرة مسيحية اسمها إيزابيل دو سوليس، أسلمت وتسمت باسم ثريا وأطلق عليها المسلمون اسم ثريا الرومية. وكان لحبها نصيب كبير من قلب أبي الحسن وأنجبت منه ثلاثة أبناء هما نصرا وسعدا والثالث توفى في سن صغيرة.

ولعل أخطر ما تعرضت له المدينة خلال تنصيب أبي الحسن ملكا عليها، هو فتنة نسائه والثورات والاقتتال الداخلي بين الأب والابن ثم بين الابن وعمه؛ حيث استطاعت ثريا الزج بولدي عائشة (الحرة) في السجن الأميران أبو عبد الله محمد الصغير وأبو الحجاج يوسف.

تمكن الاثنان من الفرار من سجنهما في قصر الحمراء، ودعا أبو عبد الله محمد (الصغير) الملك لنفسه ووجد من أيده وسانده في ذلك من أهل غرناطة بوادي آيش في عام 1482م، وعلى الجانب الآخر التجأ أبوه إلى أخيه أبو عبدالله بن محمد الزغل، وهنا انقسمت غرناطة إلى مؤيد ومعارض هذا لذاك وذاك لهذا، فضلا عن معارك متفرقة مع الإسبان.

ولقد كان من سوء حظ أبو عبد الله محمد (الصغير) أن وقع في أسر الإسبان مرتين: الأولى في موقعة اللسانة، حينما قرر أن يحقق نصرا لنفسه على الإسبان بما يزيد من رصيد تأييده داخل غرناطة المتنازع على ملكها مع عمه الزغل وذلك عام 1483م، وانتهى أمره بفك أسره بمعاهدة سرية تقضي بولائه للملكين الكاثوليكيين، ومحاربة أماكن الثورة ودفع الجزية السنوية، والأفراج عن أربعمائة أسير مسيحي، فضلا عن تقديم عدد من أبناء كبار المدينة بما فيهم ابن ابو عبد الله محمد الصغير نفسه كضمان للولاء وعدم الثورة. أما الثانية فكانت في عام 1486م في معركة لوشة، وتم الإفراج عنه ثانية بمعاهدة تقضى بتعهده محاربه عمه الزغل، وأن يتخلى عن لقبه كملك لغرناطة.

وقد جرت الحروب وتسارعت الأحداث بعد ذلك، واستطاع أبو عبد الله محمد (الصغير) أن يستخلص الملك لنفسه وهزيمة عمه الزغل، وقرر الأخير بعد انحلال جيوشه وتشتت أمرها أن يلجأ إلى ملكي قشتالة وأراجون وينضوي تحت لوائهما وسلم كل ما كان له من مدن، عدا مدينتين هما بسطه والمرية، وتم الاتفاق على تخصيص موارد ومدخرات له لبقية حياته.

العالم الإسلامي

كان أهل المغرب هم النجدة الأقرب والأسرع لملوك الطوائف في حروبهم مع الإسبان، وقد استطاعت قواتهم غيره مرة أن يدفعوا عنهم، وأن لا يؤخروا عليهم استجابة، وذلك زمن دولة المرابطين، وأشهر ولاتها سمعة وقوة هو يوسف بن تاشفين، والذي دخل بجيوشة غير مرة إلى الأندلس وهزم الإسبان في معركة اللازقة عام1086م وضم أراضيها إلى ملكه.

وجاءت دولة الموحدين فيما بعد وناصرت الأندلس وخاضت في سبيل ذلك حروبًا مع الإسبان، منها معركة الآراك 1195م والتي كان لها دور هام في توطيد ملكهم بالأندلس، ثم كانت هزيمتهم في غير معركة ولا سيما معركة العقاب 1212م والتي قلصت وجودهم بشكل كبير.

ضعفت دولة الموحدين وزالت، وحل محلها دولة بني مرين من الأمارزيغ، وكانت هزيمتهم في معركة طريق 1340م آخر ما كان لأهل المغرب من مناصرة ملوك غرناطة ومحاربتهم ضد الإسبان بعد أن خسروا جل مواقعهم ومواطن قوتهم في الأندلس.

دخلت بعدها دولة بني مرين في مرحلة ضعف وما كان لها أن تنصرة بني الأحمر كما الماضي، وأهم الأسباب في ذلك هي الفتن الداخلية بالمغرب، والصراع على السلطة، والاختلافات والصدامات المستمرة بين بني مرين ومناوئيهم من الوطاسين الراغبين في الاستيلاء على الحكم، أضف إلى ذلك عدم تحصيل المرينيين أسطول كبير وقوي، ما عرضهم لمضايقات البرتغالين واحتلال أجزاء من أراضيهم الساحلية، ولقد كان المغرب سببًا دائمًا في الإبقاء على غرناطة ولقرنين من الزمان بعيدًا عن السقوط والانهيار أمام الإسبان.

أما مماليك مصر فقد لعب البعد الجغرافي دورًا في التثاقل المملوكي عن نصرة مسلمي الأندلس،كما أن المماليك لم تكن لديهم خبرة كافية بحروب البحر ولم يتوافر لديها أسطول بحري قوي قادر على مواجهة ملوك قشتالة وأراجون والقوة البحرية للبرتغال، وركزت سياستهم على خطر المغول البري، وانشغال أمرهم بالقوة العثمانية الناشئة والقادمة من الشرق.

وعلى الرغم من استغاثة أهل الأندلس بالسلطان المملوكي قايتباي، إلا أن العلاقات التجارية كانت نشطة بين الإسبان والمماليك واشترت مصر من الإسبان القمح لتأمين خطر مجاعة بلاد الشام. وكان هناك سفراء لتلطيف الأجواء بين المماليك في زمن قنصوة الغوري وإسبانيا المسيحية بما يؤمن أي خطوات عسكرية مملوكية في المسألة الأندلسية.

وبالانتقال إلى عثمانلية تركيا فقد كانت لا تزال تواجه الحملات الصليبية والتكتلات الأوروبية بعد سقوط القسطنطينية 857ه/1453م فكان من الصعب إرسال قوات حربية إلى بلاد الأندلس، خاصة وأن العثمان كان لديهم الرغبة الأكبر في إسقاط قبرص والتي كانت مدخلًا لحملات الصليبين.

وفي عهد بايزيد الثاني ورغم استنجاد أهل الأندلس به، فقد عمل على حل الأمور بإرسال سفارة إلى بابا روما في تحذير منه باستخدام مبدأ المعاملة بالمثل لمسيحي الشرق، وخشيت البحرية العثمانية الدخول في مواجهات مع البحرية البرتغالية والتي كانت الأقوى في زمانها، ليجد مسلمو الأندلس أنفسهم وحدهم في مواجهة ملوك قشتالة وأراجون دون عون حقيقي من عالمهم الإسلامي الكبير.

الحــصــــــار والسقوط

بعد تسليم أبو عبدالله بن محمد الزغل ما كان له من مدن إلى الملكين الكاثوليكين ومنحه مدينتا بسطة والمرية للإقامة فيها، نقضا ما كان منهما من عهود في العام التالي، وحاصر الجنود الإسبان المدينتين، واستسلمت بسطة بعد أن خان قضيتها حاكم المدنية وصهر أبو عبد الله بن محمد الزغل وهو يحيي النجار واستسلم لإغراءات الملكين الكاثوليكين وتنصر وتسمى باسم بطرس الغرناطي، وتبعتها المرية في أواخر عام 1489م.

لم يبق أمام الإسبان سوى معقل المسلمين الأخير في غرناطة، فطالبوا أبو عبد الله محمد (الصغير) بتسليم المدينة تنفيذًا لبنود المعاهدات أيام ما كان أسيرًا وفي زمن حربه مع عمه، إلا أنه رفض أو لم يكن ليأخذ قرار التسليم بنفسه، فتقررت الحرب بين الطرفين، وُضرب الحصار على غرناطة وأسس الإسبان مدينة شنتفي على بعد 12 كيلو متر من أسوار غرناطة لإقامة الجند والفرسان، ما بعث برسالة أن هذه الحرب مقضية لا محالة مهما طال أجلها.

وأثناء هذا الحصار، دافع المسلمون عن المدينة ببسالة بارعة، وأبدوا دفاعًا بدمائهم عن أعراضهم وأموالهم وذويهم، وحققوا انتصارات محدودة، إلا أن خسائرهم كانت أفدح وأكبر، فقلت حيلتهم وخارت قوتهم، ولم يجدوا لهم نصرة من بلاد العالم الإسلامي.

وعلى مدار سبعة أشهر، اشتدت الأمور سوءًا في ظل نقص الموارد التي تسمح لهم بالمقاومة مدة أطول، وانقطعت إمدادات الطعام عنهم مع دخول فصل الشتاء من مدينة البشرات، وطمع الإسبان في القضاء على المدينة وأهلها جوعا دون حرب أو قتال، فكانت هذه المدة كفيلة أن تقرر المدينة وذوي الرأي فيها التفاوض والتسليم للملكين الكاثوليكين.

أوكل الطرفان من يقوم بالتفاوض عنهما، وأبرمت في هذا معاهدتين واحدة علنية في 25 نوفمبر لعام 1491م، تضمنت 67 بندًا لحفظ حقوق المسلمين وتحديد أوضاعهم بما يضمن لهم حرية العبادة وصون الكرامة وأن يأمنوا على أنفسهم وأموالهم وعيالهم ومقارهم ودور عباداتهم، وأخرى سرية ملحق بها، أُعلن عنها فيما بعد لحفظ الحقوق والمنح والمزايا لأبي عبد الله محمد (الصغير) وأسرة بني الأحمر، ثم كان تسليم المدينة يوم الثاني من يناير (كانون الثاني) 1492م.

مشهد التسليم

ما طلع على المسلمين أقسى من صباح يوم تسليم مفاتيح غرناطة إلى ملوكها الإسبان، وما عاشوا أصعب من هذه اللحظات في تاريخهم الطويل منذ بعثة رسول الإسلام لتنطوي صفحة من تاريخ العرب المسلمين ما كانوا بالغيها إلا بشق الأنفس، فالأجداد الذين دخلوها منتصرين، يخرج أحفادها اليوم منها مهزومين ومطرودين غرباء في الأرض.

أطلقت مدافع قصر الحمراء طلقاتها استقبالا للجنود وعلامة على تنفيذ التسليم، ودخل المدينة الجنود والمشاة والقادة ومعهم وفود من الكنيسة والأمراء والوزراء لتسلم المدينة التي استعصت عليهم قرنين وأكثر من الزمان. وعلى الجانب الأخر جاء أبو عبد الله محمد (الصغير) ومعه خمسين من رجاله وأسلم مفاتيح المدينة إلى الملك فريدنادو وقال «أيها الملك المعظم.. خذ مفاتيح هذة المدينة، بل المملكة، بل الجنة، لأن القدرة الإلهية شاءت ذلك وأننا لواثقون في جودك وكرمك وعطفك وحنوك»، ودخل الإسبان آخر الحواضر الاسلامية وأنزلت راية الاسلام من فوق أسوار قصور الحمراء وحلت راية الإسبان.

وتختلف الروايات ما إن كان دخول الملكين الكاثوليكين يوم التسليم ذاته أي 2 من يناير (كانون الثاني) أو دخلاها في 6 يناير 1492م، إلا أن دخولهما رافقه احتفالات عسكرية وكنسية ضخمة وامتلأ فضاء غرناطة بأصوات الترانيم وأغاني الجوقات المسيحية، واحتشد الجند والفرسان وأساقفة الدين وكبار الدولة يتقدمهما الملكان الكاثوليكيان في أبهى حلة و زينة، فرحين بزهو الانتصار وفتح ما عصي عليهم لقرون من الزمان.

وهكذا أُسدل الستار عن أخر فصل من فصول المسلمين بالأندلس، ونزل أبو عبد الله محمد (الصغير) عن ملكة، وفي مشهد دامع، ينظر الملك الشاب من بعيد إلى قصور الحمراء وخفقان راية الإسبان، فتدمع عيناه على ملكه الزائل فلا يجد من أمه إلا أن قالت له: «ابك مثل النساء ملكا مضاعا لم تحافظ عليه كالرجال»، ولا يزال هذا المكان شاهدا على دموع الصغير ودموع جموع المسلمين إلى اليوم وهو المعروف بـ«زفرة العربي الأخيرة» ثم رحل الملك الشاب وأسرته وزوجاته إلى مدنية فاس بالمغرب إلى وفاته بها.

بداية النهاية

وبسقوط غرناطة تبدأ المرحلة الثانية من تاريخ المسلمين وهي الأصعب في تاريخهم الأندلسي واستمرت قرنًا من الزمان؛ حيث كان السقوط هو بداية النهاية لكل ما هو عربي مسلم في الاندلس، إذ حظي المسلمون بموجب معاهدة التسليم على وعود ولا شي سواها لاحترام حقوقهم وحرياتهم الدينية ولا ضامن لتنفيذها.

ما هي إلا بضعة أعوام وتنكر الإسبان لبنود المعاهدة وبدأت المضايقات تتزايد، ووقعت صنوف من الاضطهاد ورفع شعار التنصير أو التهجير، وأصبح حال المسلمين أو الموريسيكيين كما سماهم الإسبان بين أمور أربع: متنصرين اختيارا ومنهم الكثير من كبار الأمراء ورجال الدولة أو متنصرين قسرا متبعين في ذلك مبدأ التقية، أو مهجرين قسرا إلى بلاد شمال أفريقيا أو غيرها من ربوع الأرض، وأخيرًا من بقي على إسلامه وهم عرفوا قبل سقوط غرناطة بـ«المدجنين»، ثم شملت تسمية «الموريسيكيون» كل مسلمي الأندلس بعد انتصار الإسبان إقلالًا لهم وازدراء.

ومن هنا تم قطع كل صلة بين المسلمين ولغتهم العربية ومصادر ارثهم الثقافي والتاريخي والديني، والتفصيل في هذا يطول، إلا أن الصورة العامة كانت بائسة إلى أبعد الحدود، فحرقت الكتب والمخطوطات والمصاحف، وفرضت عليهم القوانيين الجائرة والمراسيم التي تقيد من حرية العبادة، وازدادت حملات التنصير وتحويل المساجد إلى كنائس، وأنشئت محاكم التفتيش وحملات التحريق، ولاقى المسلمون مالم يلاقوه على طول تاريخهم وعرضه، وفشلت جميع الثورات وقمعت جميع الانتفاضات إلى أن صدر قرار الطرد العام لكل الموريسيكيين وقرارات الترحيل في عام 1609م ليقطع دابرهم من هناك الا من الأطفال الذين تم ربطهم بالدين المسيحي خلال المدارس الإرسالية منذ نعومة أظافرهم وغيرهم ممن استطاع البقاء وكانوا قلة.

خرج الموريسيكيون من الأندلس مشتتون في الأرض، تقلهم السفن إلى أرض الله الواسعة، وتركوا ورائهم ثرواتهم وأراضيهم وبيوتهم وعقارهم وارثهم الحضاري والثقافي، واستقرت الغالبية العظمى منهم في بلاد المغرب العربي وشمال أفريقيا، ليكون ذلك هو خروجهم الأخير.

بين واقعنا العربي والإسلامي.. ما أشبه اليوم بالبارحة

إن سرد أحداث التاريخ هو أمر بفرض على الشخص المعاصر أن يمعن النظر فيه، مسقطًا ذلك على واقعه مستفيدًا من دروسه وتجاربه، وأمام هذة الوقفة السريعة أجد نفسي في تلقائية فكرية أعقد المقارانات بين أوضاعانا العربية والإسلامية بما كان عليه مسلمي الأندلس وحكامها، لعلها أن تثور فينا الفطنة وحميتنا العربية وينقذنا وعينا في استشراف القادم والتهيؤ له، وما يحاك لنا.

واقعنا العربي فإن بلادنا العربية 22 دولة، ومقاطعات ملوك الطوائف كانوا أيضا 22 مقاطعة، وما دب الضعف فيهم إلا حينما تفرقوا إلى مقاطعات معادية، ويعمل كل منها منفردا في إطار المصالح السياسية والاقتصادية للحفاظ على سلطانه، حتى ولو فرض الأمر عليه التعاقد مع عدوه المشهر بعدواته، صنعنا الغرب بأيديه ومزق وحدتنا وأنشأ حدودا بيننا، ثم بنى الجسور فبعدت المسافة وصعب اللقاء.

ضاع العراق وسوريا واليمن وليبيا بعد أن مزقتهم الحروب وتداخل الأطراف فيهم من عرب وعجم فزادوا لهيب النيران وأججوا الصراع، وضعفت القضية الفلسطينية أمام سياسات الاحتلال الجائر لنهب أراضيي القدس في مخطط استيطاني واضح، فلم يعد أمرنا بأيدينا، وما واقعنا الذي نحياه الآن إلا مرحلة ثانية من أندلس الماضي.

أما الاسلام فهو يعيش غربة مزدوجة: الأولى داخل أراضيه؛ حيث الطائفية والمذاهبية التي مزقت الجسم الواحد للمسلمين، وصراع التراث والحداثة الإسلامية في مواجهة أفكار التطرف والنزاعات التكفيرية والارهابية، ناهيك عن أن المجتمعات الإسلامية تعيش أزمة أخلاق دينية وطبيعية. أما الثانية فهي غربة خارج أراضيه مع تنامي ظاهرة الإسلاموفوبيا والترادف الذهني بين الإسلام والإرهاب في تجاهلٍ صارخٍ لواقع المسلم الذي تأذى أكثر من غيره من نار الإرهاب ودائمًا هو في موقف الدفاع عن النفس.

وختامًا فإن هذة صفحة من صفحات التاريخ الإسلامي، عاشها أسلافنا من المسلمين، فيها تذكير وعبرة لنا جميعا وللأجيال التالية، لتظل قضية العرب والمسلمين موصولة، وأن ما وقع لهم قديمًا لا يمكن أن يتكرر لأبنائهم حديثًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد