كتبت منذ عام ونصف تقريبًا، عقب حادث إطلاق النار على مصلين مسلمين في مسجد بمقاطعة «كيبك» الكندية، والذي قُتِل فيه ستة من المصلين الأبرياء -نحسبهم شهداء عند الله تعالى- أتساءل عن أسباب هذا الحادث غير المبرر، وعن فرضية حدوث تغيير في المجتمع الكندي، المشهور بتقبله لكل الأعراق والديانات، واليوم أكرر نفس التساؤلات، بعد حادث عنف تجاه أسرة مسلمة في ضاحية «ميسيساغا» الواقعة في ولاية «أونتاريو» الزاخرة بالمسلمين من مختلف الإثنيات العرقية؛ تم فيها ضرب رب الأسرة ضربًا مبرحًا أمام طفلتيه الصغيرتين وزوجته.

نقل الضحية إلى المشفى في حالة خطرة، أسأل الله أن يعافي جسده ونفسه! الروايات عن بداية الواقعة مختلفة، فبعض الروايات تقول إن الضحية كاد أن يصدم الشابين أثناء مرورهما خلف سيارته، والبعض يقول إن سيارته كانت ترجع للوراء حيث كادت أن تصدم سيارتهما، ولا يزال التحقيق مستمرًا لكن المؤكد، أن أيًّا من هذه الأسباب لا يستدعي النتيجة التي آل إليها الموقف، وأن من قاموا به، عندهم من الكره والحقد ما دفعهم لارتكاب مثل هذا الفعل، هذا الحادث لم يكن الوحيد خلال العامين الماضيين، بل كانت هناك حوادث متفرقة هنا وهناك، لكن حادث الأسبوع الماضي، حاز على تغطية إعلامية كبيرة، ربما لدرجة العنف التي صاحبته، وأنا باعتباري مهاجرة إلى هذه البلاد، اصطحبت معي أولادي والله أعلم كم سيمتد لهم ولأحفادهم المعيشة هنا، ينتابني القلق من تصاعد وتيرة هذا النوع من جرائم العنصرية ضد المسلمين، ولا زلت أفتش عن أسبابها ولا يكفيني رد الفعل المعتاد من الاستهجان والمظاهرات أو حتى المبادرات المادية باعتبارها مساعدة لأهل الضحية، وكلها بالطبع مبادرات وردود أفعال واجبة محمودة، لكنني أفتش عن جذور المشكلة، وأين أصلها؟، ربما يساعد هذا في تجنب المشكلة أو الحد منها، وربما أصل إلى إجابة سؤالي المطروح منذ عامين.. ماذا حدث للكنديين؟

أول إجابة تتبادر للذهن، وربما تكون أسهل إجابة: إن تنامي موجة العنصرية حدث بسبب انتخاب «ترامب» في أمريكا، ثم «فورد» في ولاية «أونتاريو»، أكبر الولايات الكندية. و«فورد» هو زعيم حزب المحافظين ذو الموقف المعادي للمهاجرين عامة، وهي إجابة فيها الكثير من الصحة. لكن سؤالًا أعمق يتردد.. ولماذا انتخب الناس كلاهما؟ دعك من أمريكا، فأنا لا أسكن هناك، ولا أتابع تغير المجتمع، لكنني أتابع الصحف الكندية منذ عدة سنوات، وأتابع تعليقات الناس على الأخبار المختلفة، وأرصد تغيرات المعاملة لي باعتباري محجبة ترتدي عباءة في شوارع «تورونتو العظمى»، وولايات عدة في كندا.

قبل انتخابات «أونتاريو» بسنة، كانت تعليقات الكثيرين من الكنديين غير المسلمين على أي أخبار تخص «كاثلين وين» رئيسة المقاطعة، والتي تنتمي إلى الحزب «الليبرالي» على شاكلة: «صبرًا فسنقوم بإسقاطك في الانتخابات القادمة». وتعليقات مؤيدة لـ«هاربر» رئيس الوزراء السابق لحزب المحافظين، والذي أصدر عددًا من القوانين تُصعِّب حياة المسلمين خاصة، والمهاجرين عامة، بعض هذه القوانين تم إلغاؤها بعد وصول «ترودو» رئيس الوزراء الليبرالي الحالي.

ورغم إننا نحن المسلمين كرهنا السيدة «وين» التي أعلنت صراحة عن شذوذها الجنسي، بسبب إصرارها على تجاهل أولياء الأمور، وفرض أجندتها المخيفة في المدارس؛ كي تخرج جيلًا كامًلا متقبلًا، بل ومشجعًا لفكرة الشذوذ، وبالمناسبة لم يكن المسلمون هم وحدهم مَنْ تصدّوا لهذه الأجندة، فقد سبقهم المسيحيون المتحفظون، والكثير من العرقيات المختلفة، وقامت مظاهرات عدة في أنحاء الولاية، إلا أن السيدة مررت أجندتها، وتم تدريسها في المدارس العامة.

قامت «وين» أيضًا بالعبث في القطاع الاقتصادي، وبيع إحدى الشركات المملوكة للولاية وتخصيصها، ما نتج عنه ارتفاع سعر فواتير الكهرباء، وخرجت إلى العامة تعلن أسفها وتعتذر! لكن أسفها لم يفد دافعي الضرائب في شيء، فلم ترجع الأمور إلى ما كانت عليه، ولم تعد الأموال إلى جيوب المواطنين، وأصمت أذنيها عن شكاوى الناس وعن غضبهم، فخسرت هي وحزبها خسارة فادحة، وجاء لنا «فورد» الذي يشبه كثيرًا «ترامب» في كونه رجل أعمال غنيًا، صدرت منه الكثير من التصريحات غير المتوازنة، لكنه فاز! إلا أن اللافت في الأمر، أن البعض من الناخبين المسلمين، أيدوا «فورد»! المهم أنني وفي رصدي التعليقات المختلفة عن الأنباء في المواقع الكندية، تفاجأت وارتعبت أن تعليقات الناس على أخبار «ترودو» رئيس وزرائنا منذ عامين أو يزيد، تتزايد موجة الكره فيها، ونفس الوعيد الذي تحقق مع «كاثلين»، يتكرر.

الكثيرون ينتظرون الانتخابات الفيدرالية ليطيحوا بـ«ترودو»، إذا لم نسأل السؤال ونجد الإجابة قبل الانتخابات، فقد نتفاجأ بين ليلة وضحاها، بـ«فورد» أو «هاربر» آخر، تقلد رئاسة الوزراء، والله أعلم بما قد يفعله ضد المهاجرين عامة، والمسلمين خاصة.

دعوني أسرد عليكم بعض ما وجدته في التعليقات الغاضبة؛ البعض يكره «ترودو» لأنه دفع 10 ملايين من الدولارات في قضية «عمر خضر» الذي كان طفلًا حين اعتقلته الولايات المتحدة في أفغانستان، ونقلته إلى «جوانتانامو»، وتم تعذيبه كي يعترف بقتله ظابطًا أمريكيًّا، ورغم أنها ليست أول مرة تعوض فيها كندا شخصًا تم نقله إلى دولة أخرى وتعذيبه.

 فقد سبقتها قضية «ماهر عرار»، المواطن الكندي ذي الأصول السورية، والذي تم احتجازه في أمريكا، ثم نقله إلى سجن سوري لمدة سنة حيث تم تعذيبه، وتلقى اعتذارًا وتعويضًا بمبلغ 10 ملايين دولار من حكومة «هاربر» عام 2007، ورغم أن هذا المبلغ الضخم، ربما سيذهب جزء كبير منه باعتبارها أتعاب المحاماة، ورغم أن محامي «خضر» قد بدأ بالقضية في عهد «هاربر»، وأن حكومة «هاربر» هي من يجب أن تتحمل نتيجة ترك مواطن كندي يحاكم في أمريكا، إلا أن الرأي العام لا يزال ساخطًا بشأن هذه القضية. البعض يرونه مذنبًا خاصة مع الحرب الإعلامية التي استمرت لسنوات، والتي تشنها أرملة الجندي الأمريكي الذي قُتِل في الواقعة؛ كي تحصل على أموال التعويض من «خضر». والبعض يراه هو وكل عائلته، إرهابيين يجب ترحيلهم من كندا. أفهمُ أن هناك نفوسًا مريضة، لن تستجيب إلا لما يصور لها خيالها المريض، لكن هناك عقولًا قد تتفهّم إذا حاورتها، فعلى مَنْ تقع مسؤلية هذا التحاور؟

البعض الآخر من التعليقات الغاضبة، ينصب على موضوع اللاجئين السوريين، الذين استقدمتهم حكومة «ترودو» منذ عامين، والغضب يتركز في كم المساعدات التي قدمت لهم، لا أنكر أن البعض منهم قدم على كفالات خاصة، لم تتحمل منها الحكومة الكندية شيئًا، لكن السواد الأعظم، قدموا تحت رعاية الحكومة، وتم صرف مبالغ هائلة لهم لرعاية الأطفال، والبعض منهم كان على الإعاشة الحكومية لمدة عام. وربما أكثر، مثلهم مثل اللاجئيين الذين يصلون كندا، إلا أن لاجئي سوريا حصلوا على الإقامة الدائمة فور دخولهم أرض كندا، وهذا يختلف عن اللاجئ العادي الذي يمضي وقتًا حتى تبت الحكومة في قضيته، ثم بعد قبوله باعتباره لاجئًا، يستطيع بعدها البدء في إجراءات التقديم على الإقامة وبعدها الجنسية، وهذا بالمناسبة أثار حفيظة اللاجئين من عرقيات أخرى مختلفة، إذ اتهم هؤلاء الحكومة بتفضيل السوريين عليهم، بل وقال البعض أنه تم تأخير مواعيد الحكم في قضاياهم ما أحدث أضررًا كبيرة لهم، أو على الأقل إحساسًا بعدم وجود فرصة مساوية للاجئين السوريين.

لنلقِ رؤية على وجهة نظر المواطن الكندي غير المسلم، الذي لا تهمه قضايا الشرق الأوسط مثلنا، يرى الكثيرون من دافعي الضرائب من الطبقة المتوسطة، لا يعيشون بالأريحية التي يتوقعونها بينما الحكومة، تبدد أموالهم المقتطعة من ضرائبهم على شيء لا علاقة لهم به، ولن يؤدي إلى تحسين ملموس في واقعهم، البعض من هذه الشريحة أيضًا يرى أنه يوجد على أرض كندا من المتعطلين عن العمل، ومن أصحاب الأرض الأصليين من هم أولى بهذه الأموال، بل إن قطاع الصحة نفسه وقطاع المدارس الحكومية، يحتاجان أموالًا كثيرة كان يمكن توجيه ما تم إنفاقه على اللاجئين فيها، هذه الشريحة الغاضبة بالمناسبة، تقول نفس الشيء عن فتح باب اللجوء غير الشرعي من أمريكا إلى كندا، منذ تولي «ترامب» وموجات الهجرة التي تدفقت من الحدود من جنسيات وديانات مختلفة، فهم ساخطون على «ترودو» لنفس السبب.

في أحد التعليقات، سأل شخص ما «إننا لم نكن أبدًا دولة عنصرية، ماذا حدث؟» فأجابه آخر: «جاء ترودو»، وأجاب ثان: «جاء الليبراليون» وثالث: «لقد سمحوا للإرهابيين بالدخول إلى كندا»، بينما ردت سيدة: «أن العنصرية تواجدت من قبل في كندا حينما جاءت موجة اللاجئين الأوروبيين بعد الحرب العالمية الثانية، ثم موجة اللاجئين الفيتناميين بعدها».

يُحَمِّل أحد التعليقات السبب على العولمة، ووسائل الإعلام، وانخفاض الفرص المتاحة للجيل الحالي الذي رأى رخاءً أقل من جيل آبائه، وارتفاع الدين بالمقارنة بالدخل، والحركات اليمينية المتطرفة، بينما يعبر بعض من مؤيدي الليبراليين من تخوفهم واقتناعهم بأن «ترودو» خاسر لا محالة في الانتخابات القادمة، وهناك من مؤيدي المحافظين من يلمحون إلى التحسن القادم في الدخل وتخفيض نسبة البطالة، وهي بعض من الوعود التي يعد بها رئيس الحزب المحافظ الفيدرالي في حال فوزه بالانتخابات.

تسب بعض التعليقات الغاضبة «ترودو» وتصفه تارة بالسلطان وتارة بالمجاهد أو «ترودو» الإسلامي، ويلومون المسلمين الكنديين على وصف كل شيء يحدث لهم بـ«الإسلامو فوبيا»، يقول أحدهم: «ربما يصبح انتقاد الدين الإسلامي أو انتقاد مسلم بعد ذلك جريمة أعاقب عليها».

تعددت الأسباب إذن، لكن معظمها يبدو لي، اقتصاديًا بحتًا، والسؤال الذي لم أجد إجابته حتى كتابة هذه الكلمات: هل يفتح الحزب الليبرالي عينيه ويقرأ ويسمع للغاضبين من سياساته قبل الانتخابات بوقت كاف؟ هل شعبية «ترودو» لا زالت تكفي كي يغض الناخبين الطرف عن أخطائه؟ وسؤال آخر أتوجه به إلى أعضاء البرلمان الكندي المحسوبين على العرب والمسلمين: هل أنتم قريبون من ناخبيكم وترون تنامي السخط عليكم؟ أم أن جل المحيطين بكم هم من المنتفعين الذين لا يهمهم سقوطكم أو نجاحكم إذا ما وصلوا لما أرادوه من علاقات أو مناصب؟

أكتوبر من العام القادم، هو موعد الانتخابات الفيدرالية الكندية، لكن حتى هذا الموعد، ستظل كل هذه الأسئلة تبحث عن إجابة، ويظل عقلي يستحضر «ثلاثية غرناطة» مع اختلاف الزمان والمكان، أفكر في أولادي وربما أحفادي وكل ما سيشاء الله أن يأتي للدنيا مِنْ نسلي، ماذا سيحل بهم على هذه الأرض؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات