رغم الشهرة التي يتمتع بها الفيلسوف المسلم ابن رشد غربًا وشرقـًا إلاّ أنه كثيرًا منا لا يعرف شيء عن سيرته الحقيقية بعيدًا عن ادعاء السينما في الفيلم الشهير المصير الذي ليس له أي علاقة بابن رشد وتاريخه؛ بل المشكلة الأكبر هو جهلنا بفلسفته وآرائه المبهرة التي تشكل لنا حجر أساس في كثير من قضايا العقل والمجتمع المسلم حتى الآن؛ لذلك وجدت أنه من الشيق والمفيد تعريفكم على بعض فلسفة ابن رشد وآرائه التي تمدنا بالكثير.

ابن رشد والحرية الإنسانية

الحرية عنده تنص على أن الإنسان ليس حرًا مطلقـًا ولا مقيدًا على الإطلاق؛ فهو ليس مخيرًا وليس مسيرًا.

إن حرية الإنسان تكمل في نفسه ولكنها تبقى محدودة بسبب الأحوال الخارجة عنه؛ فالأسباب مؤثرة في أعمال الكائنات لأجل هذا وردت في القرآن آيات تصف الإنسان تارة بالحرية وطورًا بالجبرية وتارة بالتحكم في أعماله؛ والحقيقة أنه حال وسط بين الاثنين وهذا مذهب وسيط بين الجبرية والقدرية نهجه ابن رشد في كتابه «مناهج الملة» حيث يقول: «للنفس قوة تقرير مصيرها حيال مختلف الشئون؛ فهي بذلك حرة ولكن ليست حريتها تابعة لهواها؛ لأن القوى الفعالة في الكون «الله» مسئولة عن نظامه وليس صفتها عدم المبالاة بسير الأمور فالمصادفات لا وجود لها في عالم المؤثرات».

فلسفته السياسية ورأيه في المرأة

لو جاز لنا أن نعتبر رأي ابن رشد في قضية «المرأة» استثنائيًا من ناحية كونه فليسوفـًا وفقيهًا أي لديه سببي التمييز ضد المرأة من الجذور؛ ولكنه على عكس ذلك فإنه يجوز أن نطلق عليه مناديًا كبيرًا بتحرير المرأة وبسياسة اجتماعية عادلة بل له أفكار غير مسبوقة كفيلسوف ومسلم، ومن ذلك قوله: «إن المرأة تقل عن الرجل في الدرجة لا في الطبيعة أي من ناحية الكم لا النوع؛ فإنها قادرة على ممارسة أعمال الرجال مثل الحرب والفلسفة ولكن بدرجة أقل من الرجل، وذلك بسبب طوال استعبادها ومنعها من إعداد عقلها ونفسها في ذلك».

ويقول المرأة أكثر قدرة على الفن والموسيقى، فيحسن دائمًا وضع الأنغام بواسطة الرجال وتوقيعها أي عزفها وغنائها بواسطة النساء.

أما رأيه في تقلد المرأة لمناصب الحكم والقيادة فهو يقول: «لا بأس إذا حكم النساء الجمهورية فهن صالحات للقيادة والحرب وضرب مثلاً بنساء أفريقيا وقال موضحًا: «إن إناث الكلاب تحرس القطيع مثل ذكورها».

ففيلسوفنا لم يجد سببًا جوهريًا علميًا أو دينيًا أو طبيعيًا واقعيًا يمنع المرأة من حقها المساوي للرجل في كل الأعمال والعلوم وفي العقل والسياسة والفكر بل كان من أقواله عن تحرير المرأة ما تم صياغته بعده بقرون طويلة على يد محرر  المرأة المصرية قاسم أمين!

حيث يقول ابن رشد: «إن حالتنا الاجتماعية لا تؤهلنا للإحاطة بكل ما يعود علينا من منافع المرأة فهي في الظاهر صالحة للحمل والحضانة فقط! وما ذلك إلاّ لأن حال العبودية التي أنشأنا عليها نساءنا أتلفت مواهبها العظمى وقضت على اقتدارها العقلي؛ فلذا لا نرى بين أمتنا امرأة ذات فضائل وحياتهن تنقضي مثل النبات فهن عالة على أزواجهن؛ وقد كان ذلك سببًا في شقاء المدن وهلاكها بؤسًا لأن عدد النساء يزيد على عدد الرجال ضعفين، ولكنهن يعشن كالحيوان الفيلي على جسم الثلث الباقي حتى عجزن عن تحقيق قوتهن الضروري!»

– فمشكلة الفلسفة الرشدية باتجاه التمييز ضد المرأة أنه يخالف مجتمعًا عاجزًا يعطل أكثر من نصف قوته بنفسه ويمنع إنتاج قيادات وعلماء وإنتاجًا حقيقيًا من النساء عمليًا وفكريًا وسياسيًا وبالتالي ننتهي بأمة بائسة وبلاد عاجزة جاهلة ومجتمع أعرج يمشي بقدم واحدة وأحيانًا يزحف؛ فلا هو يحقق بذلك شرع حقيقي ينص على ذلك الاضطهاد للمرأة ولا حتى يقيم مصلحة واقع أو يستسلم لطبيعة خلقة تعطل النساء عن أي دور غير دور جهازها التناسلي!

«فلسفة ابن رشد السياسية وكلامه عن الظلم»

لم يخرج ابن رشد بعقليته الفلسفية عن أفكار جمهورية أفلاطون الخيالية فيما يخص الفضيلة وقوة تعليم الحكمة للناس والمجتمع المثالي ولكنه تناول ما قصرت فيه جمهورية أفلاطون بخصوص مواجهة الظلم وفكرة العدل والأنسب للرعية، حيث يقول أبو الوليد بن رشد: «إن الظالم هو الذي يحكم الرعية لمصلحته لا لمصلحتها وأفظع أنواع الظلم هو ظلم رجال الدين؛ ثم قال إن حكومة الخلافة الراشدة القديمة كانت نظامًا ينعم بالفضيلة والعدالة أشبه ما يكون بمدينة فاضلة ولكن «معاوية» هدم نظامها وأتلف جمالها بأن خلع سلفه ثم أسس دولة استبدادية وكان من نتيجة ذلك تقويض أركان دولة الإسلام وحدوث الفوضى والفرقة في سائر بلاد المسلمين ومنها بلاد الأندلس.

وكان لابن رشد رأي قوي ضد الحكومات العسكرية حيث يقول رنان: «ويؤخذ من رأي ابن رشد في المملكة أن استغناءها عن القضاة والأطباء كان عنده خير دليل على انتظام شئونها، أما الجيش فلا وظيفة له غير حماية الشعب وحفظه؛ ولذلك فقد كان يكره الاستبداد العسكري والإقطاعات العسكرية.»

نكبة ابن رشد ونهايته

سيطر فقهاء الجمود والتعصب وأحقاد بعضهم من حظوة ابن رشد مع الخليفة من قبل ومناداته بأفكار الفلسفة وسط طبول الحروب، وبدأ الخليفة يتشعوذ بشعارات الدين لنيل رضا الفقهاء لجمع الناس حوله واتجه للتصوف وقناع الزهد راغبًا في زيادة فضله ؛هنالك وجد الحاقدون الطريق معبدًا للنيل من الفيلسوف العجوز لإنهاء فكره واغتيال شخصه من الأندلس، بل تمثل عداؤهم للفقه المالكي ككل وأحرق الخليفة كل كتب الفقه المالكي وبدأوا في إشاعة التهم الكاذبة عن كفر ابن رشد وفساد عقيدته ونادوا بتحريم الفلسفة والاشتغال بكتب اليونان؛ وهنالك عقدت محاكمة بالجامع الأعظم لابن رشد وكانت التهمة كما صاغها الخطيب «إن ابن رشد وصحبه خالفوا عقائد المؤمنين باشتغالهم بالفلسفة وعلوم الأوائل!»

وفي المسرحية الهزلية نفسها صدر حكم بنفي ابن رشد إلى (الليسانة) وتحديد إقامته؛ وقالوا إنه ينفي لتلك البلدة اليهودية لأن جدوده يهود وليس له نسب أندلسى! أما ابن رشد فمنع من دفع التهم الواهية الجاهلة عنه ولم يطلب أن يدافع عن نفسه، وكيف يفعل ذلك التنازل، أما حكم الغوغاء وأباطيل الحقد والتعصب والجهل، وعاش بعد ذلك بمعتقله المحدد حتى توفي منفيًا وحملت رفاته إلى قرطبة بعد أن استمرت الدعاية ضده وأهين هو وأولاده من العوام والمارة في كل مكان وأحرقت كتبه، إلاّ ما نسخ وخرج من الأندلس عن طريق تلامذته.

ومع تلك المعركة القديمة الباقية بين أعداء الفكر ومحاربي الحرية ودعاة الجمود والتعصب وأمزجة الحكام أسدل الستار على ذروة سنام إبداع العقل الفلسفي المسلم وسقطت الأندلس هناك وسقطنا نحن هنا وما زال باب الفلسفة الإسلامية والتجديد الفكري مغلقًا منذ نهاية الفيلسوف الأخير.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الفيلسوف
عرض التعليقات
تحميل المزيد