إن من المعلوم لكل أحد، بالضرورة، أنه ما من شيء إلا وهو محتاج إلى غيره، وما من إنسان إلا وهو يتصور احتياجه واحتياج أمثاله إلى بعض الأمور واستغناءه عن أمور أخرى.

فالمحتاج إليه في وجود الشيء يسمى علة أو سببًا، والشيء المحتاج يسمى معلولًا أو مسببًا.

وإذا تبين لك هذا، علمت أنه ما من شيء من الأشياء إلا وهو مسبب عن شيء مثله من جانب، وسبب لغيره من جانب آخر. ولك أن تضرب مثلًا على ذلك توالد الناس وتكاثرهم، واختلاف الأزمنة والفصول، وسبيل الزراعة والبناء والاستنبات، بل لك أن تضرب المثل على ذلك بمعايش الناس واختلافاتهم في الميول والمهارات والقوى والاستعدادات.

غير أن عدد الأسباب الظاهرة أمامك تتناقص كلما أمعنت التأمل وسبرتَ أغوار الأسباب نفسها كما تتناقص فروع الشجرة أمامك كلما دنوت بنظرك نحو جذعها. إلى أن تتجمع الأسباب المختلفة كلها في سبب رئيسي واحد، وهو السبب الواجب أو واجب الوجود وهو الله، عز وجل.

إن الله جل جلاله جعل بين أمور الكون التي تظهر أمامنا بمظهر ارتباط السببية والتأثير بمحض إرادته وقدرته فقط. فاستعرنا له كلًّا من هاتين الكلمتين على سبيل المجاز.

غير أن الإمام أبو حامد الغزالي «الحجة» رحمه الله، لا يرى تنافيًا بين أن تكون الأسباب الكونية جعلية كما نقول وكما قال جمهور أئمة الإسلام، وبين أن يكون فيها تأثير أودعه الله عز وجل فيها يسلبه عنها عندما يشاء. وهو يرى أن هذا هو الحق. أي فالمسألة ليست مسألة مقارنة مجردة، بل هنالك تأثير كامن في السبب المقارن، ولكنه ليس تأثيرًا منبثقًا من ذاته بل مودع فيه من قبل الله عز وجل. فإذا اراد تعطيل السبب عن سببيته أزال عنه هذه القوة المودعة فيه. ذكر ذلك في «المستصفى»

وتحليل الإمام الغزالي هذا أقرب إلى الانسجام مع التعليلات العلمية لظواهر الأشياء وتكويناتها، إلا أنه أبعد عن مسلك الجمهور وما اتفق عليه.

ونحن نرى أن الخلاف ينتهي بعد مراحل يسيرة من النظر إلى الوفاق. فهو خلاف لفظي. إذ المقصود أن تأثير الأسباب الكونية ليس تأثيرًا حتميًّا وإنما هو بإرادة الله عز وجل، فهي أمور لا علاقة لها في الأصل بغيرها. ولكن الله جعلها أسبابًا لها سواء قلنا إنه أودع فيها قوة مؤثرة أولم يودع فيها هذه القوة.

ويُذكر أن الإمام جنح في كتابه «تهافت الفلاسفة» إلى أن الصلة بينهما لا تعدو أن تكون مقارنة فقط، وإنما تخيل الناس من طول هذا الافتراق والفهم له وجود تأثير ما.

وعلى المسلم أن يعتقد عقيدة جازمة أن لا تأثير في الكون لأي شيء إلا لله عز وجل، وأن كل ما يتراءى لنا من مظاهر الأسباب والعلل إنما هو أسباب وعلل جعلية جعلها الله عز وجل كذلك، وأن ما قد يجده الباحث فيها مما يسميه العلم بالعوامل والمؤثرات وما إلى ذلك، إنما هو كذلك من حيث الظاهر فقط. والعلم لا شأن له بالأشياء إلا أنه يصفها على ما هي عليه في أدق مظاهرها، ثم يمارس هذا الوصف بالتجربة في مجالات متكررة.

إن الذي يتأمل أجهزة وآلات معينة ومنتشرة لا يمكن أن يصدق أنها جميعًا من صنع شخص واحد هو الموجد لها، إلا إذا تأمل فرآها متممة بعضها لبعض، متعاونة لدى التركيب في إيجاد عمل نوعي معين، وكلما ازداد لمسًا لهذا الانسجام وسبر مزيدًا من دقائقه، ازداد يقينًا بوحدة الصانع وذلك كأن يعمد فيركبها إلى بعضها تركيبها الصحيح المتصور وإذا هي قد انقلبت في يده ساعة تضبط الزمن وإذا هي من صنع معمل معين معروف.

فلكي يدل الكون دلالة باهرة على وجود الله عز وجل ينبغي أن يكون متناسقًا، ما نسميه نحن السببية والعلية الشائعة والسارية في كل صور هو أجزائه.

ولكي يتم فيه التناسق ينبغي أن يكون مرتبًا بعضه على بعض بأن يكون هذا محتاجًا وذاك محتاجًا إليه فيتلاقيان طبقًا للحاجة التي بينهما. فإذا تجلى لك من الكون هذا التناسق تنبهت لتناقص العلل في المسائل المتناسقة كلما أمعنت النظر أكثر، وكلما سبرت مزيدًا من اغوار هذه العلل والمعلولات. فتسير متأملًا في هذا السبيل، إلى أن تنتهي بك هذه العلل الكثيرة المختلفة إلى العلة الوحيدة الكبرى الكامنة خلف كل ما قد رأيت. أي إلى واجب الوجود وهو الله جل جلاله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد