هذه مجموعة من القوانين والنصائح التي يُدركها المرء تباعًا ارتطامًا بتعرّجات الحياة حينًا وتجنّبًا لمطبّات حينًا آخر واستقراءً مُبكرًا لعراقيل الحياة وعوائقها. لكن الحياة ليست كلّها علقمًا أجاجًا، ففيها الجميل المُستطاب أيضًا، ولكلّ واحد منّا قوانين يسعى جهده للإحاطة بها والتنبّه لها، بالرغم أنّها تتكرّر على مرّ التاريخ وإن بصورٍ مختلفة أو مستويات متباينة، لكنّنا ربما لا نُدركها إلا من خلال التدوين والمشاركة. لا ألزم أحدّا بأيّها لكنّني أعيش من خلالها، وأربي أولادي عليها، وأشجع أحبابي على تعهدها. ومن باب مشاركة الأفكار والمُساهمة بتطوير الخبرات، أضع بين أيديكم الجزء الثالث من قوانين الحياة علّها تجد لدى القارئ ثلمة تسدّها، أو فكرة تُفكّكها وتُجلّي أساريرها. علّها تكون سندًا لأحد العابرين!

قانون (15): يُقابل المرء في حياته الكثير من الناس (القصير و الطويل، السمين والنحيل، الوسيم والدميم، الغني والفقير… إلخ) ثم يبدأ عقلك الباطن ومن النظرة الاولى بإطلاق الأحكام والتصنيفات بناء على الانطباعات النمطيّة التي كوّنتها حول كل صفة من الصفات البشرية انطلاقًا من البيئة والعرف وغير ذلك من العوامل، ثم ما تلبت تتفاجئ – أحيانًا – حدّ المباغتة حينما يبدأ الشخص بالكلام لتكتشف أنّه مُغاير تمامًا لجميع تصوراتك، فمن كنت تظنّه في عداد البسطاء والمساكين تتفاجئ بحكمته وعقلانيته ومعرفته الواسعة، وذاك الذي كنت تتوقعه في عداد الأذكياء الفطناء يُخيّب ظنّك تمامًا فتكتشف بلادته ورعونته فور نطقه لأول كلمة.
فلا تغرنّك الأشكال والأوصاف والصور، فما إن يتكلم أحدهم حتى تراه على حقيقته، ثم تُقرّر بعدها بأن تمد رجلك أو تقبضها، أجمل ما في #عالم_الأفكار أنّه لا يتبع قانون المظاهر والهيئات، بل قانون التحليل والتجريد والتركيب والبحث عن #الحقيقة.

قانون (16): لا تحسبها كثيرًا
تُرادونا الكثير من الأحلام التي نطمح لتحقيقها في حياتنا، ليست بالضرورة مشاريع كبيرة، قد تكون رحلة سياحية مُعيّنة أو شراء سيارة جديدة، أو الالتحاق في دورة تدريبية مُعيّنة، أو الانضمام لعمل خيري، لكنّنا نستغرق الكثير من الوقت والجهد في حساب هذه الأفكار والمشاريع، ونُعيد التفكير والحسابات عشرات المرّات حتى تفوتنا الفرص وتفتر الهمّة ويذهب الشوق لتحقيق المُراد، تمرّ الأيام ونحن نُراوح مكاننا دون حركة.. فماذا نفعل إذًا؟ هل نترك التخطيط والحسابات؟
لا، بل على العكس، لا ينبغي أن تترك التخطيط أبدًا، لكن عليك بـ«#نظرية_العجلة» نظرية العجلة أو الدراجة باختصار شديد هي نظرية تعتمد على أن من يقود العجلة يجب ان يستمر فى التبديل حتى يحافظ على وضع العجلة ولا يسقط، يذهب يمينًا بعض الشيء ثم يذهب يسارًا بعض الشئ، لكنّه يستمر في الحركة للوصول لهدفه من خلال تصحيح مساره تباعًا، فبقاء العجلة منتصبة وعدم سقوطها على الأرض مرهونان بأن يحرك راكب العجلة قدميه، فمتى ما توقف عن التبديل وعن الدفع، فستتوقف العجلة عن السير إلى الأمام أو سيقع صاحبها من عليها).
يا صديقي، لا تنتظر حتى تكتمل كل الظروف المثالية للمشروع أو الفكرة. حدّد الأساسيات (الحد الأدنى) وابدأ، ثم عدّل المسار لاحقًا وفق الظروف والإمكانات المُختلفة. التغيير يأتي مع الحركة، تذكّر أنّ كثرة الحسابات تُوهن العزيمة وتجلب الكسل.

قانون (17): يسأل الشباب كثيرًا عن القيادة. يطمح كثيرٌ منهم لأن يُصبحوا قادة مستقبل في مجالات الحياة المختلفة: مُجتمعيًا واقتصاديًا وسياسيًا. لقد درستُ القيادة دراسة أكاديمية في مرحلة الماجستير، ومارستُها مهنيًا، ودرّبت لسنين عديدة مجموعة كبيرة من الشباب عن أساسيات القيادة ونظريات القيادة التي لم يتفق على تعريفها أحد حتى الآن. ما أستطيع أن أقوله أنّني خرجت بثلاث دلالات أساسية حول ماهية القيادة الحقيقية:

1- القيادة الحقيقية ليست ممارسة السلطة وكفى! بمعنى أنّ المرء لا يًصبح قائدًا بالمنصب، لكنّه يُصبح قائدًا من خلال المُخاطرة، نعم المخاطرة.. الإقدام على الابتكار، الجرأة على التغيير، الشجاعة لطرح أفكار مُختلفة.

2- القائد الحقيقي هو الذي يستطيع تأسيس فريق عمل عالي المستوى، حتى لو كانت الظروف الداخلية أو الخارجية صعبة ومُعقّدة، على القائد أن يفهم قدرات فريقه بعمق ويسعى لتطويرها في ظل التغير السريع، عليه أن يُدرك أنّ نجاح المشروع مُرتبط بمستوى أداء فريقه.

3- القائد الحقيقي هو الذي يستطيع المُوازنة بين العمل و الحياة الخاصّة، هذه المرونة، هذا التوازن – وليس المزيد من السلطة – هو سر زيادة الإنتاجية ومشاركة الأفكار الإبداعية والإجتهاد أكثر والعمل لمدة أطول.

قانون (18): أعرفُ أنّك شابٌ مُتقد الذهن، قوي الجسم، مُثقف الفكر، ثائر الروح، تشعر بطاقة هائلة، وتُحلّق الأفكار في رأسك كأنّها سرب من الطيور المُهاجرة، تتملكك الكثير من المشاعر، وتلتهب لديك الملاحظات والإقتراحات والانتقادات كأنّها بُركان غاضب، ترغب في التقدّم، وتودّ لو أنّ القرار قرارك والقول قولك.

– إيّاك إيّاك أن تتخلّى عن هذه الروح المُتأججة مهما نازعتك التحديات وأتعبتك العثرات وصادفتك العوائق والصعوبات، بل ذكّها بخُلق متين ونفس زكية طيبة مٌباركة وعلم ثابت مكين، هذه فترتك الذهبية وفُرصتك في التغيير والتطوير والتحسين. الأمّة بحاجة هذه الهمّة المُستعرة. دافع عن نجاحك وأفكارك، وكن جادّا مُتشبثًا مُصمّمًا على ذلك، ولا تسمح لأحدٍ بأن ينتقص من أحلامك أو يسخر من طموحاتك، ستصل بإذن الله تعالى.

– لكن لو استطعت يا صديقي أن لا تستعجل قطف الثمرة قبل أوانها، لو استطعت أن لا تتلهف لكل وميض، لو أنّك يا أخي لا تتعجّل في كل أمرك، لو أنّك لا تتسرّع بأخذ المواقف الحادّة، لو أنّك تعرف متى تقول وكيف تقول دون نزق عنيف ينقلب ضدك فيُحيل خيرك إلى شر. لو أنّك تصبر حتى تفهم وتفطن وتبلغ مُراد الله منك. لو أنّك تٌقّيم نفسك بين الفترة والأخرى لتعرف سلبياتك وإيجابياتك وتتأمّل قدراتك وطاقاتك، لو أنّك تسمع لتجارب الآخرين وتستفيد منها وتُمهّد بها طريقك، لو أنّك تتواضع وتأخذ قدر ما تستطيع من المعارف والعلوم والخبرات قبل أن تُعطي وتبذل. لو أنّك تفعل ذلك لأدركت ووصلت!
اللهم فهّمنا وارزقنا القوة والمعونة حتى نصل يا الله!

قانون (19): عندما تتخرّج من الجامعة، أو تنتهي من المراحل الدراسية لتنتقل بعدها للبحث عن وظيفة، هذه الوظيفة التي سوف تُعطيك القدرة المادّية والإجتماعية لتُكمل مشوار الحياة بالزواج وبناء العلاقات والتفكير بالمُستقبل وادّخار الأموال وغير ذلك، ثمّ يغرق غالبية الشباب في بحر لقمة العيش وينهمك كُلّيًا في التركيز على عمله. الحقيقة يا صديقي أنّ انهماكك في العمل لدرجة نسيانك نفسك أمرٌ مُحزن للغاية. لا تنسى نفسك!

– يقول إيمانويل جيمس رون والذي يُعتبر أحد أهم مُنظّري الاقتصاد الأمريكي الحديث: الجِدّ في عملك يُمكِّنك من كسب لقمة عيشك. لكن العمل الجاد على نفسك يمكنك من صنع ثروة.

– ما أريد أن أقوله لك عزيزي هو أن تُركّز على نفسك أكثر من خلال تطوير قدراتك والإستثمار في ذاتك، وتكريس طاقتك لتحسين الإمكانات والجهود والتي تصبّ في النهاية في تغذية عملك أو وظيفتك. وسّع دائرة معارفك، وسّع رؤيتك للأمور، اقرأ، ادرس، خذ أوقاتًا للراحة والاستجمام، طوّر مهاراتك السابقة، شارك في دورات أو مؤتمرات تتحدّث عن مهارات جديدة، اذا استطعت أن تُسافر فافعل ذلك، حسّن علاقتك بالله تعالى وغير ذلك من الأمور التي تُساهم في تطويرك أنت.

– تذكّر: اعمل على نفسك أضعاف ما تعمل على وظيفتك.. اصرف 20% من جهدك ووطاقتك وتركيزك على عملك، و80% على نفسك وقدراتك وذاتك.

قانون (20): وما يُدريك يا صديقي لعلّ الله يدّخرك لشيء عظيم، فلا تتعجّل الثمرة، ولا تحرق نفسك فيما لا ينفع، ولا تتصدّر قبل أوانك، ولا تتكلم فيما لا تعرف، حتى إذا ما حلّ وقتك واقترب مُراد الله منك تراجعتَ وأحجمت. كل شيئ في وقته جميل!

– أعلم أنّك ستقول لي: لكنّ العالم يسير بوتيرة مُتسارعة تُلزمني بفعل المزيد في وقت أقصر، ولذلك فأنا مُضطر لحرق المراحل حتى أصل بشكل أسرع.. يا صديقي هذا الإدمان (الجديد) في حرق المراحل وحبنا الشديد للسرعة حتى باتت فلسفة نعيش بها، هدم حياة الكثير من الناس وجعلها زاخرة بالأزمات النفسية، إنّ (حُمّى النضوج المُبكّر) أدى لنتائج ضعيفة خالية من الإتقان، وصرنا نرى بشكل غير معهود أنصاف الأشياء، أنصاف الإنجازات، أنصاف القيادات، أنصاف المشاريع، واختفت أو كادت تختفي الحرف اليدوية والزراعة والفنون وحلّت الآلة مكان الإنسان ممّا تسبب بالإرهاق والتشتت والتوتّر.

– خذ وقتك يا أخي، على مهل، اكتشف، تعلّم، اقرأ، جرّب، مارس نشاطات وهوايات بهدوء وسكينة.. ستصل!

قانون (21): لا تأكلها بذلّ يا صديقي.

لُقمتك التي قدّر الله لك مضغها ستمضغها، بالرغم من أنف الجميع، فلم التذلل والخضوع؟ ولماذا إظهار الضعف وإفشاء العجز؟ كُلها بعزّ!

إذا عُرضت عليك الدنيا كُلّها في لباس المهانة والخنوع والحرام فأعرض عنها وأدبر عن بريقها المُزيّف، فأنت عبد الله – حقًا – وما كان مُقدّرًا لك ستأخذه بعز عزيز أو بذل ذليل، وإن لم يكن مُقدّرًا لك فلن تنال منه حبّة خردل ولو ركضت ركض الوحوش في البرّية.

أعلم أنّك تقع فريسة الهم والرزق والقلق – كما يفعل الكثير – وتأخذك الدنيا بمشاكلها وهواجسها، لكن حاول أن تلتفت لبناء نفسك وتكوين شخصيتك المُتماسكة المؤمنة الواثقة، ليكن بينك وبين الله حبل وثيق من التوكّل والعبودية، واطمئن بينما تبحث عن الرزق الحلال واللقمة الحلال وتذكّر: (من كانت الآخرة همَّه جعل الله غناه في قلبه وجمع له شمله وأتته الدنيا وهي راغمة) ثم تذكّر: (ومن كانت الدنيا همَّه جعل الله فقره بين عينيه وفرَّق عليه شمله ولم يأته من الدنيا إلا ما قُدِّر له).
عافانا الله وإياكم من التبعية للدنيا ورزقنا سكينة العزّة.. اللهم اجعل أرزاقنا حلالًا طيبة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الحياة, قوانين
عرض التعليقات
تحميل المزيد