في تاريخ مصر حوادث لا تُنسى، فلقد كان بعضها الشرارة لإحداث تغييرات جذرية في الشأن السياسي المصري، ومن هذه الحوادث البارزة حادثة مقتل سردار الجيش المصري وحاكم السودان العام (السير لي ستاك) عام 1924، إذ وصفها الزعيم سعد زغلول ورئيس الوزراء وقتها بأنها: أكبر الحوادث أثرًا وأسوأها شؤمًا، فهجمت هذه النازلة على البلاد فأزعجتها وهزت أرجاءها هزًا عنيفًا، وكنت أول المهزومين بهجومها وأول المتطيرين من شرها!

فقد قامت مجموعة من الجماعات السياسية المسلحة والتي كان المجتمع المصري يعج بها آنذاك، إذ كانت الرغبة ملحة في التخلص من احتلال إنجليزي بغيض جاثم على الجسد المصري، وهذه الجمعيات الوطنية المسلحة -وبعضها كان تابعًا لأحزاب وجماعات- كانت شديدة الكثرة والتعقيد في تركيبتها واتصالاتها، مما جعل مسألة تتبعها والوصول إليها مسألة صعبة في كثير من الأحيان، وترتب على هذا التنوع وغياب الزعامة الروحية الرشيدة أنماط متعددة من الزعامة، فقد كان كل فرد من هذه الجماعات يعتبر نفسه زعيمًا حتى وإن لم يتحلّ بالقدر المناسب من الحنكة والقدرة والممارسة السياسية.

كانت المجموعة التي اغتالت (السير لي ستاك) مؤلفة من عدة شبان في مقتبل العمر، أولها عبد الفتاح عنايت الطالب بمدرسة الحقوق وكانت مهمته في العملية إعطاء إشارة البدء عند خروج السردار من مبنى وزارة الحربية، والثاني كان عبد الحميد عنايت الطالب بمدرسة المعلمين مرابطًا عند شارع القصر العيني وكان موكلًا إليه إلقاء قنبلة لتخويف المارة وتأمين الهروب، أما محمود راشد فكان في السيارة المعدة للهرب، بينما كان المنفذون الثلاثة هم إبراهيم موسى وعلي إبراهيم وراغب حسن.

كانت نتائج هذا الاغتيال وخيمة إذ اعتبر الجنرال اللنبي حادث السردار ثأرًا ينبغي القصاص له بأقصي درجات الشدة والحزم، فقاد مظاهرة عسكرية من 500 جندي من حملة الرماح حاصرت مجلس الوزراء، ومقدمة لسعد باشا زغلول إنذارًا شديد اللهجة بسرعة القبض على المنفذين، وإقامة جنازة رسمية له يسير فيها الوزراء ورئيس الوزراء بالملابس الرسمية، ودفع دية السردار وقدرها نصف مليون جنيه، وانسحاب القوات المصرية من السودان، وكانت هذه المظاهرة هي بروفة أولى لحادث 4 فبراير 1942 الشهير والذي حوصر فيه الملك ذاته اعتداءً صارخًا على السيادة المصرية، إذ كانت مصر قد حصلت وقتها على استقلالها بموجب تصريح 28 فبراير 1922 وصدر دستور 1923.

كان سعد في موقف لا يُحسد عليه، وهو الذي أتى إلى الوزارة بعد أول انتخابات ديمقراطية في تاريخ مصر وآخرها، فقال قولته الشهيرة: «إن الرصاصات التي قتلت السردار هي رصاصات وجهت إلى صدري أنا». قبل سعد دفع دية السردار كما وجه بيانًا للأمة ناشد فيه المصريين بأن كل من يعرف شيئًا، عليه أن يقدمه إلى إدارة الأمن العام، وليعلم كل فرد أن هذا يُعدّ عملًا وطنيًا، وخدمة جليلة للبلاد، ويعلمون أن الالتجاء إلى العنف والإجرام أكبر خيانة للوطن ولقضيته المقدسةَ!

ولاحظ سيدي القارئ دقة كلمات زعيم الأمة والتي تنفي بوضوح معرفة سعد زغلول بهذا الحادث قبل وقوعه وهو السياسي المخضرم الذي يعي أن مثل هذا الحادث قد يطيح بمستقبله السياسي إلى غير رجعة، خاصة وإذا علمنا أن المستهدف في الأساس كان الجنرال اللنبي ذاته، ولكن الحراسة المشددة من حوله حالت دون تنفيذ المخطط واتجهت الأنظار إلى (السير لي ستاك) كهدف أسهل في اصطياده مما يجعل استحالة معرفة سعد بهذا الحادث قبل وقوعه أمرًا منطقيًا تمامًا!

في هذه الخطوب لا بد وأن نبحث عن الشرفاء من الوطن وهو الوصف الذي عادة ما تطلقه الأنظمة على حلفائها من الانتهازيين الحالمين بالمناصب والمحافظين عليها أيضًا فيتبارون في صب اللعنات على الجناة الذين أودوا بحياة (ستاك)، وعبثوا باستقرار الدولة المصرية ومنهم حشود من النواب ورجال الدين، وحتى نقابة الممرضين المصرية، ولك أن تتخيل أن نقابة التمريض أُنشأت في مصر عام 1976 لتعرف كم الكيانات الوهمية وغير الوهمية التي كانت تتسابق لخطب ود الإنجليز في مصابهم الفادح!

رفض سعد باقي المطالب الإنجليزية فاحتل الإنجليز جمرك الإسكندرية ووضعوا أيديهم على إيراداته، فتقدم سعد زغلول باستقالته والذي اعتبر حادث السردار حادثًا مدبرًا ضد وزارته، لأنه الخاسر الوحيد منها وتولي أحمد زيور تشكيل الحكومة، والتي أصبح وزير الداخلية فيها إسماعيل صدقي.

كانت ملابسات الحادث تدفع باتجاه القيد ضد مجهول، إذ أن الحادث لم يترك خلفه دلائل كافية لتحديد الجناة سوى سائق سيارة الأجرة التي استقلها الجناة، فقد وجدوا أن إيراده زائد جنيهًا واحدًا عن إيراده المفترض بحسب عداد السيارة وكان إكرامية من الجناة، كما شهدت هذه الفترة حملة اعتقالات موسعة شملت عددًا من نواب حزب الوفد أبرزهم محمود فهمي النقراشي وعبد الرحمن فهمي، وقد تمخض عن هذه الاعتقالات اعتراف أحد المعتقلين وهو محمود إسماعيل الموظف بوزارة الأوقاف والذي طلب مقابلة وزير الداخلية شخصيًا!

لكن المفارقة التي قلبت الحادث رأسًا على عقب كانت خروج محمد نجيب الهلباوي المدرس بالجمعية الخيرية الإسلامية، والذي قبض عليه في حادثة محاولة اغتيال السلطان حسين كامل والذي قبل الحكم تحت الوصاية البريطانية فحكم عليه في البداية بالإعدام ثم خفف الحكم إلى الأشغال الشاقة المؤبدة، والطريف هو الطريقة التي تمكن بها البوليس من القبض على الهلباوي حيث أشعل القنبلة التي ألقيت على السلطان بفتيل سيجارته، ونظرًا لأن السجائر كانت تصنع بالطلب فقد كان يكتب على كل سيجارة الحروف الأولى من اسم صاحبها مما جعل مسألة الوصول إليه غاية في السهولة، وذلك باستجواب صاحب مصنع السجائر.

ومع تولي وزارة سعد زغلول خرج بعفو إلا أنه خرج بغير الوجه الذي دخل به، حيث بدّلته سنوات السجن من وطني إلى شخص آخر كاره للوطنيين والذين نسوه في سجنه، كما وجد أغلب زملائه قد سبقوه في الترقية.

وتتضارب الروايات حول تجنيد الهلباوي وهو في السجن بواسطة مستر (إنجرام) الإنجليزي، وسليم ذكي باشا الضابط وقتها، وحكمدار العاصمة فيما بعد، أو أنه من بادر إلى الذهاب إلى المخابرات البريطانية، وفي كل الأحوال فقد اختار الهلباوي أن يوجه سهام غضبه إلى الحركة الوطنية، وأن يقبض المكافأة التي رصدتها الحكومة وقدرها 10 آلاف جنيه، خاصة بعد مقابلته لمحمود فهمي النقراشي زميله السابق في الكفاح، والذي أصبح يشغل وظيفة وكيل وزارة الخارجية في حكومة سعد، وصب جام غضبه على سعد متهمًا إياه أنه يكرهه لأن اسمه على اسم غريمه العتيد -يقصد إبراهيم الهلباوي-!

وبحدس الهلباوي شعر أن الحادث لا بد وأن له صلة بشفيق منصور المحامي والوفدي البارز، والذي نجح تحت مظلة الوفد مرتين وأصبح نائبًا عن باب الشعرية وهو أحد الضالعين في حادث محاولة اغتيال السلطان، والتي دخل في أعقابها الهلباوي السجن، وبالفعل صدق حدسه ففي مكتب شفيق التقي بصيد ثمين كان المفتاح لهذه القضية الغامضة.

فقد صادف في مكتب شفيق الأخوين عنايت وقد كان شقيقهما الأكبر محمود سجينًا معه في نفس القضية، ولكنه نُفي إلى مالطة ثم عاد إلى القاهرة بإفراج صحي بعدما تدهورت صحته ثم لم يلبث أن توفي بعد فترة وجيزة. بالطبع كان وجود الشقيقين مثيرًا لريبة الهلباوي، ولكن لصغر سنهما ودهاء الهلباوي استطاع الإيقاع بهما ومعرفة كل شيء؛ بل وإقناعهما بالهروب إلى طرابلس ومعهما الأسلحة التي استخدمت في قتل (السير لي ستاك)، وفي طريقهما عبر القطار المتجه من الإسكندرية إلى مرسى مطروح استطاع البوليس القبض عليهما بمعاونة الهلباوي وقدم الجميع إلى المحاكمة، قبض الهلباوي الثمن وهو 10 آلاف جنيه ليكمل بهم تعليمه في أوروبا!

كانت المحاكمة مثيرة فقد اعترف الأخوان عنايت بشجاعة على دورهما في قتل (ستاك) بينما انبرى محاميهما في التأكيد أن الأخوين مرضى بجنون الوطنية لطلاق أبيهما من أمهما وزواجه بأخرى!

أما محمود راشد فقد أنكر تمامًا صلته بالحادث، وأنه لا يعرف حتى ذبح دجاجة، وكذلك إبراهيم موسي والذي رفض الاعتراف ورفض أي مساعدة من زملائه لبناته الأربع.

أما شفيق منصور المحامي فقد ارتعدت فرائسه، وصار لا يكف عن البكاء كما أدلى باعتراف كامل على شعبتي القاهرة والاسكندرية المشاركتين في أحداث العنف والاغتيالات في هذه الفترة، وحينما أدخل إلى غرفة الإعدام راح يتوسل في مشهد إنساني محزن: «يا باشا عايز أشوف أهلي.. يا باشا عايز اشوف أختي أنا في عرضك».

سنتوقف عند الهلباوي الذي أصبح رمزًا للخيانة في مصر، والسؤال هل حينما لا يجد الزعيم المساندة والاعتراف بالجميل يتحول للنقيض؟ هل يتحمل الزعيم تبعة ذلك وحده؟

إن الزعامة تتولد بقدرات ذاتية نابعة من إيمان الشخص بفكرة وبقضية تستحق التضحية والفداء، هذه حقيقة لا يمكن إنكارها فلربما قادته الزعامة إلى فقدان حياته ثمنًا لفكرته، ولقد عبّر سيد قطب عن هذا المسار بقوله (كلماتنا ستبقى ميتةً لا حراك فيها هامدةً أعراسًا من الشموع، فإذا متنا من أجلها انتفضت وعاشت بين الأحياء)، ولكن هناك أيضًا عوامل خارجية تسير جنبًا إلى جنب هذه العوامل الداخلية الذاتية تدعم فكرة الزعامة وتبقيها حية وتبعث الأمل مجددًا كلما كانت الظروف عصيبة من حول الزعيم.

فالاعتراف بالجميل وتخليد الذكرى وإحياؤها دومًا هي دروس لم نستوعبها في عالمنا العربي، بينما وعاها الفكر الغربي حولنا وحافظ عليها، فالزعيم الفعلي ونعني بالزعامة الفعلية الزعامة التي تصنع الأحداث وتنخرط في المشهد على الأرض وتتجشم المخاطر في التطبيق، وليست الزعامة الخطابية التي تمارس دورها عن بعد والفرق شاسع.. فالزعامة الفعلية تبذل الحياة لتهب من حولها الحرية، وهي خطوة ليست أبدًا بالسهلة، ومع ذلك لا يلتفت لها أحد ولا يتذكرها أحد ولا يعترف بجميلها أحد، فيما يعتلي الانتهازيون المقدمة حاصدين للمناصب وصنوف التكريم، والهلباوي وغيره ممن يمتلأ بهم أوطاننا كانوا ضحية غياب المردود المجتمعي لخدماتهم الجليلة فبعضهم اختار الانزواء والعزلة، وبعضهم انقلب على كل المعاني الوطنية المخلصة داخله وصار يلعن كل القيم الوطنية ولقد كان الشاعر أحمد مطر رائعًا حينما نقل لنا أبعاد هذه الصورة عبر أبيات بديعة فيقول:

أبي الوطن

أمي الوطن

رائدنا حب الوطن

نموت كي يحيا الوطن

يا سيدي انفلقت حتى لم يعد

للفلق في رأسي وطن

ولم يعد لدى الوطن

من وطن يؤويه في هذا الوطن

أي وطن؟

الوطن المنفي..

أم الوطن؟!

أم الرهين الممتهن؟

أم سجننا المسجون خارج الزمن؟!

نعود إلى المصير فقد حُكم بالإعدام على جميع المتهمين في القضية فيما خفف الحكم على عبد الفتاح عنايت إلى الأشغال الشاقة المؤبدة بأمر ملكي نظرًا لحداثة سنه ولأنه لم يشترك في إطلاق النار، كانت سنوات قاسية عليه حصل خلالها على شهادة عليا في القانون بتشجيع من الدكتور محجوب ثابت طبيب أول جامعة فؤاد الأول، والذي سعى في تسهيل كافة إجراءاته ولكنه خرج من السجن عام 1944 بعدما أمضى تسعة عشر عامًا ودون تدخل أو مطالبات شعبية أو حزبية بإطلاقه، خرج يحمل بضع أوراق يحكي فيها قصته وقصص العديد من الوطنيين الذين ضحوا بحياتهم في صمت دون مقابل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد