الفريق أحمد قايد صالح عليه رحمة الله عليه نعم توفي بيولوجيًا، وتوقف قلبه الذي حمل حب الجزائر حتى آخر دقائق في حياته وهو ينادي: الجزائر أمانة ووجب أن نحافظ عليها. ولكن لم يمت في قلوب الملايين الذين دعوا الله أن يرحمه، ويجعله من أهل الجنة، فليس عبثًا أن يسخر لك الله آخر حياتك الملايين لتشيعك تشييع الأبطال والشهداء.

فالراحل الفريق أحمد قايد صالح جنّب الجزائر أزمة كانت لا قدّر الله ستعصف بالجزائر وأمنها وأهلها وحدودها، فالأمانة كانت ثقيلة، والتركة صعبة على رجل ناهز الثمانين من عمره، خاصة بعد خروج الشعب مناديًا بضرورة ترحيل ضباع النظام السابق التي استفردت بالحكم، ومقاليده، وقراراته، وختمه، وتفاصيله، فشعار «جيش شعب خاوة خاوة» كلمة السر التي كانت بمثابة اللبنة الأولى لإعادة بناء جسر الثقة بين الشعب وجيشه، فما كان على المجاهد الفريق، إلا أن يلبي النداء ويستمع لنداء شعبه الذي وضع فيه الثقة كاملة.

مطالبة الجيش بتفعيل المادة 102 من الدستور

فبعد عدة جمعات يطالب فيها الشعب الجزائري بضرورة ذهاب الرئيس المخلوع العليل والذي استفرد محيطه بختم الرئاسة وقرروا وتراجعوا وولوا وعزلوا، توجه قائد أركان الجيش عليه رحمة الله عليه إلى المطالبة بضرورة تفعيل المادة 102 من الدستور القاضية بذهاب الرئيس لعارض صحي من هنا بدأت نية الجيش الوطني الشعبي ممثلة في قائده تتضح تجاه الشعب ومطالبه الشرعية المشروعة.

ولكن ارتدادات هذا التصريح لم تسر الطرف الآخر المناور الذي سعى للإطاحة بالفريق وتعويضه بأحد مقربيهم، ولكن حكمة الأخير كانت أبلغ، فتوجه للشعب الجزائري، وفضح مخططهم على العلن وأمام الشعب الجزائري.

2 أبريل

خرج الفريق المجاهد عليه رحمه الله رفقة قادة القوات وقادة النواحي ليدحض كل الدعايات واصفًا إياهم بالعصابة، معطيًا الضوء الأخضر للحراك الشعبي بأن يواصل نضاله ما دام الحصن المنيع والقلعة الواقفة في ظهورهم، ويسند مساعيهم الشريفة النبيلة لآخر لحظة من مسار التغيير، وتلا هذا الاجتماع الذي وصفه البعض بالتاريخي خروج بوتفليقة من الباب الضيق للتاريخ؛ فظهر بعباءة ساكنًا مندهشًا من هذا التلاحم الذي أسقط إمبراطوريته الضالة بالقاضية.

اعتقال «العصابة»

وبدأت الحملة الواسعة على الفاسدين والمفسدين، فهذا التلاحم بين الشعب وجيشه لا يمكن أن يكون إلا خيرًا على الجزائر وأهلها، وترتب على هذا اعتقال أعتى عتاة المال الفساد، وأكبر منظري المخبر البوتفليقي، بداية من شقيقه والفريق المتقاعد المدعو توفيق يوم 4 مايو (أيار) من السنة الجارية.

وتواصلت خطابات الفريق المجاهد الراحل مضيئة مسار الحراك الشعبي، مذكرًا كل مرة رحمه الله بأنه ابن الشعب، وأن الجيش جيش الشعب، ولا يمكنه ولا بأي شكل من الأشكال أن يكون حربة في صدور الملايين ممن وضعوا ثقتهم فيه.

فهذا الرجل الشهم لم يهنأ له بال حتى أوصل الجزائر لبر الأمان.

الظهور الأخير

آخر ظهور للفريق أحمد قايد صالح عليه رحمة الله في حفل تنصيب وأداء اليمين الدستورية للرئيس عبد المجيد تبون، وهو يقلد وسام الشرف الذي يستحقه، وهو الذي صان الوديعة، وحفظ الأمانة، وصدق وعده، بأن لا تسيل قطرة دم واحدة، وفعلًا سلّم الجزائر لأبنائها دون قطرة دم واحدة، فالرجل لو كان متعطشًا للسلطة لأخذها، ولو أراد شرًا بالجزائر لأنزل الدبابة للشارع مثلما فعله القراصنة مطلع تسعينات القرن الماضي.

فكيف يموت من هو حي في القلوب! الفريق أحمد قايد صالح حي في قلوب الملايين من الجزائريين الذين دعوا الله له في جنح الليل وأيديهم على قلوبهم خوفًا على الجزائر وأمنها.

رحل الفريق أحمد قايد صالح فاضح العصابة التي استحلّت أموالنا ودماءنا، رحل ولسانه يلهج بذكر الجزائر، فحزننا عليك لم يكن مبالغة أو مجاملة لشخصك، فستذكرك الأجيال أيها القائد الفذ، وتدعوا لك الأجيال أيها المجاهد الفحل، نم قرير العين فخلفك خلف سيكمل رسالة فضح العملاء والمندسين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد