وفي الوقت الذي كانت قيادة إخوان مصر، أو بمعنى أصح القيادات وهي منذ 4 يوليو (تموز) 2013  تُمني الصف وتعده بعودة وشيكة إلى الحكم، وأن الانقلاب يترنح، وما هي إلا دقيقة أو بضعة دقائق ويسقط.

  في ذلك الوقت الذي كانت قيادات الإخوان خارج السجون تعمل وفق نظرتها الخاصة ورؤاها المنعدمة الجدوى، هذا إن كانت هناك رؤى أو مجرد رؤية من الأساس، في ذلك الوقت الذي كانت القيادات فيه ترى بوضوح أنه لا شرعية دولية للانقلاب، وأن أربع دول فحسب هي التي اعترفت به، وبالتالي فإن انهياره وشيك.

  منذ 2014 والإخوان يجرون مفاوضات للتصالح مع النظام في مصر إذًا، وفق قول نائب المرشد العام للجماعة الدكتور «إبراهيم منير» لـ«الجزيرة مباشر» منذ أيام قليلة.

  أما المفاوضات للمصالحة مع النظام فليست عيبًا بحال من الأحوال، وطالما نادى عقلاء من بينهم صاحب هذه الكلمات بذلك منذ نهاية 2014، منذ اتضح أن الإخوان إنما يسيرون وفق منظومة عشوائية، أو التحرك في الفراغ ثم الادعاء بأنهم منصورون من رب السماوات والأرض حتى إن لم يفكروا ولم يعملوا ولم يحافظوا على سنن الله الكونية.

 ذلك فضلًا عن أنه كان من رأينا عدم التعرض للانتخابات الرئاسية من الأساس وتكذيب الجماعة لنفسها عبر سابق قولها على لسان المرشد العام، فك الله أسره، والمرشد السابق، رحمه الله، بل المهندس «خيرت الشاطر» الذي تردد بشدة أنه عرّاب الزج بالإخوان في أتون ولهيب الرئاسة.

 وبعد أن قال الإخوان وكرورا منذ يوليو 2013 ألّا مصالحة مع النظام، خرج الدكتور «منير» ثم «يوسف ندا» ليقولا إن المفاوضات حول إجراء المصالحة استمرت من عام 2014 حتى 2016، وأن مقربين من النظام هم الذين قادوا خطاه وأوصلوا رؤاها، وإن كان أحد الوسطاء مسجونًا اليوم.

   أي إن قيادات الإخوان التي طالما ترنمت بألّا مصالحة مع النظام كانوا يُفاوضون لمصالحة النظام، والصف الإخواني هو آخر مَنْ يعلم إذ إن الإخوان الحقيقيين هم الأكابر الذين يعدون على أصابع اليد الواحدة.

  أما لماذا خرج السيد «منير» ليقول ذلك الآن؟ وكان ينفي الأمر من قبل نفيًا قاطعًا؟ وكانت القواعد تردد وراءه دون تبصر أو قدرة على الرؤية: ألّا مصالحة، وان الجماعة ترفض الجهود الدولية لذلك، وبقدرة قادر صارت الجماعة لا تقبل التدخل الدولي بحسب السيد «منير».

 أما ما تقول الصورة العامة به في الإجابة بخاصة موقف السيد «منير» الأخير، فيشي ذلك كله بأن الجماعة كانت تلعب بكوادرها وإمكاناتها البشرية المسجونة والمطاردة والتي تلاقي القتل كل أسبوع إن لم يكن أقل.

  كانت الجماعة تلعب بالجميع لعبة «عض الأصابع»، وهي لمن لا يعرفها لعبة وصفها «عنترة بن شداد» بأن يضع خصمان كل منهما أصبعه تحت ضرس الآخر والخاسر الذي يقول «آه» مبكرًا، وهكذا رأت الجماعة أن «السيسي» يخسر بعدم وجودها في مصر، وإن كانت الأخيرة بديهية لكن إلى متى يخسر؟

   ظلت الجماعة مصرة على موقفها برفض مفاوضات المصالحة لمدة عامين، وإن كانت المفاوضات السرية أوصلتها لإرسال السيد «ندا» لقيادة المفاوضات في مصر ـ وكانت قيادة الجماعة من قبل شككت في كون الأخير مبعوث دولي لهاـ ولكن ما علينا، فقرارات وتصريحات قيادات الجماعة تحمل كل المعاني بما فيها الشيء ونقيضه؛ طالما أن قيادات الجماعة المعدودة على الأصابع باقية في مواضعها مسيطرة على أنفاس البشر في مصر ومُضيعة لآمال الأمة الإسلامية.

  وبعد نهاية العامين في 2016 امتنع النظام عن طلب التفاوض حول الصلح مع الإخوان، بحسب كلام السيد «منير»، ومن هنا جاء تخبطه، ومخاطبته قمة البحر الميت بالسادة الرؤساء والملوك العرب والأمراء، اعترافًا بهم جميعًا ومن بينهم «السيسي» و«بشار الأسد» بل بما زعم البيان الإخوان للجبهة التاريخية أنه دولة (إسرائيل)، وبعد قليل وبعد وصول الرسالة لمستحقيها جميعًا اعتذر السيد «منير».

  ولأن النظام «كفا على الخبر ماجورًا» بحسب كلام السيد نائب المرشد، فقد راح الأخير بعد 2016 تاريخ انتهاء التراسل لإتمام صفقة المصالحة ـ وليس العيب في المصالحة أو ما يُسمى بها ـ لكنه في الإنكار والمراوغة، راح السيد «منير» يقول بأن الإخوان حركة إصلاحية لا ثورية ولا خطر منها على الأنظمة العربية، لكن الكلمات لم تحرك ساكنًا لدى النظام، فزاد في فرصة أخرى للظهور بأن الإخوان على استعداد لقبول أي طرح من أحد في العالم لحل الأزمة الراهنة.

  لكن النظام صار يعض على الأصبع الإخوانية القيادية أكثر، ولا يطلب التفاوض حول المصالحة مجددًا، حتى أُدميتْ الأصبع القيادية المتحكمة في الصف، المانعة لانتهاء الأزمة الفريدة في نوعها التي تعصف بمصر منذ يوليو 2013، فلم يجد السيد «منير» بدًا من أن يظهر بنفسه معلنًا الحقيقة!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد