إن حركية الشركات التجارية والمؤسسات الاقتصادية الرامية الى تحقيق الربح بمفهوهه الواسع، والنمو الإنتاجي من خلال خلق فرص العمل وزيادة الثروة، لم تعد فقط نتاج توفير رؤوس الأموال والمواد الخام، مع تنظيم طرق التسيير، بل تعدت ذلك الى حسن انتقاء الإطارات المشرفة على هذا التسيير، والتي سيكون لها عدة مهام استراتيجية عملياتية، تنظيمية وتكوينية. ومن بين هؤلاء نخص بالذكر الإطارات المشرفة على الشؤون القانونية، والتي أصبح وجودها داخل الشركات التجارية حيويًّا من الناحية الاستراتيجية قبل اتخاذ القرار من طرف المسؤولين.

إذ أصبح هذا الدور يتماشى والرهانات الاقتصادية الدولية الحالية وبتنوع الخدمات، بحيث استوجب ذلك على المشرفين على الشؤون القانونية أن يوسعوا كفاءاتهم في مجال القانون؛ ليكونوا في زي رجل القانون، وحليف القائم بالأعمال A Business Partner.

أولًا: المكلف بالشؤون القانونية: من الدور المقاوم إلى الدور الوقائي

بعيدًا عن الدور الكلاسيكي للممثل القانوني كرجل المطافئ Reactive Posture، والذي يجول في أروقة المحاكم في إطار المنازعات القضائية التي قد تكون الشركة طرفًا فيها، فقد أصبحت الشركات من خلال تنظيمها الحالي تسعى وراء انتقاء إطارات قانونية يكون لها منعكسات وقائية Preventive Posture، بحيث يسند لها مهام استشراف المخاطر، واجتناب الخروقات القانونية الناجمة عن اختلالات تنظيمية أو قرارات إدارية. فيكون بذلك الممثل القانوني ليس فقط الحامي لحقوق الشركة، بل الناصح والمرشد لشؤونها الداخلية والخارجية.

ويتجلى هذا الدور الوقائي من خلال المعاينات الدورية التي يقوم بها، والتشخيص التنظيمي Organizational Diagnosis لمختلف هيئات ومصالح الشركة، لتحديد خارطة المخاطر Risk Mapping، مع اقتراح التوصيات الواجب اتخاذها.

وفي هذا الباب تبقى العلاقة القائمة بين مديريات الموارد البشرية والهيئات المشرفة على الشؤون القانونية في غاية الأهمية، إذ إن مهام مدير الموارد البشرية المتمثلة أساسًا في عمليات التشغيل، الانتقاء وتسيير شؤون العمال والأجور، تبقى أعمالًا تنظيمية ذات آثار قانونية، استوجب المشورة فيها للإطارات القانونية، فيما يخص ملفات التشغيل، وإبرام عقود العمل، والأنظمة الداخلية، وحقوق العمال وغيرها من الأعمال التنظيمية.

بل يتعدى دور الإطارات القانونية الاستشاري إلى دور تنظيمي بحت، من خلال اقتراح تدوين مناهج وأساليب العمل Work Procedures، كتلك المتعلقة بالتراخيص الممنوحة للعمال في الغياب، تقييم فترات التجربة، التكوين وغيرها.

ثانيًا: المكلف بالشؤون القانونية وعلاقته بالأنشطة التجارية والصناعية

في إطار عمليات التصنيع والمتاجرة التي تقوم بها الشركات والمؤسسات، يبقى دور الإطارات القانونية فعالًا من خلال التعرف على هاته الأنشطة، والإلمام بها؛ حتى يتسنى معاينة مدى توافقها مع البيئة القانونية في شتى المجالات، كالتراخيص الواجب حيازتها، نوعية المنشآت، طرق الاستيراد، طرق التصنيع، عمليات البيع والتوزيع، نوعية المنتج أو الخدمة، عمليات الفوترة وغيرها.

هذه المعطيات ستسمح للمثل القانوني باستقراء الاستراتيجية التجارية للشركة وتوظيفها وقت تحرير العقود، أو التفاوض مع الغير قبل إبرام أي عقد تجاري.

وفي مجال العقود التجارية دائمًا يبقى دور الإطارات القانونية أساسيًّا من خلال الحرص على حماية المصالح التجارية عبر صياغة أو معاينة البنود التعاقدية الواردة من مختلف الجهات، فيكون بذلك دور الإطارات القانونية هو تماشي العقود مع البيئة القانونية المحلية، الإقليمية أو الدولية وكذا تماشيها مع الشروط العامة للتنظيم التجاري للشركة أو المؤسسة.

ثالثًا: المكلف بالشؤون القانونية وعلاقته بأعمال تحسين الجودة Work Related to Quality

تسعى مؤخرًا العديد من الشركات التجارية والمؤسسات الاقتصادية، في سبيل توسيع رقعة نشاطاتها، وكسب المزيد من الأسواق، إلى تحسين صورتها كمتعامل اقتصادي معترف به محليًّا ودوليًّا. ولن يتسنى لها ذلك إلا من خلال إثبات اعتمادها على أساليب تنظيمية في العمل، وتقنية تصبو إلى تحسين منتجاتها أو خدماتها، في إطار احترام القانون وحقوق العمال والبيئة، بحيث تقيَّم حول ذلك حتى تنال أوسمة احترام الجودة، البيئة والحوكمة، تمنحها هيئات دولية متخصصة.

وأمام هذه الرهانات تبقى الإطارات القانونية مما يعول عليه في لعب دور الريادة إلى جانب المكلف بالجودة Quality Management Manager، من خلال تدوين طرق وأساليب العمل ذات الصبغة التنظيمية والقانونية.

ومن خلال هذا العرض المختصر، يبدو أن دور الإطارات القانونية داخل الشركات والمؤسسات الاقتصادية قد اتسع وسيزيد اتساعًا ممن يعول عليهم قبل اتخاذ القرارات الاستراتيجية، في ضوء الرهانات الاقتصادية الدولية، التي تتطلب إلمامًا بالبيئة القانونية، وحسن استقرائها من طرف هؤلاء المتحكمين في القانون.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد