لماذا هناك استقرار لبناني؟
تعرض لبنان للعديد من الهزات الأمنية بعد انتهاء الحرب الأهلية، مرورًا بإاتيال رئيس الحكومة رفيق الحريري، وقيادات (14 آذار)، وثم حرب يوليو (تموز) التي شنتها إسرائيل، ومعركة نهر البارد مع تنظيم فتح الإسلام، واحتلال بيروت من قبل حزب الله في 7 مايو (أيار)، ولتكون خاتمة الأحداث إشتعال المنطقة بحرب طائفية سنية شيعية، ما الذي جعل لبنان مستقرًا وسط أمواج اللااستقرار. الجواب هو ما يمكن رؤيته من جوانب ثلاثة: اجتماعية، وسياسية، وإقليمية.
أجمع علماء الاجتماع والسياسة، على أن مؤشر البطالة هو عامل هام للأمن والاستقرار، وهو مسبب رئيس للثورات والعنف وغياب الاستقرار في حال ارتفاعه، وهذا ما يؤكد عليه أيضًا صمويل هنتنغتون في كتابه. 

أنظمة سياسية لمجتمعات متغيرة، حيث من غير الممكن أن يتجاوز هذا المؤشر 12% وبقاء البلد دون اضطرابات.

في لبنان بالرغم من أن نسبة البطالة في لبنان تبلغ اليوم 60% في أوساط الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 23 و26 عامًا، وتجديد السلطة السياسية لنفسها في الحكم، وأزمة النفايات الشهيرة، والفساد المستشري في الدوائر الرسمية.

حيث احتّل لبنان المرتبة 143 في مؤشر مدركات الفساد للعام الماضي من أصل 180 دولة، وأزمة الكهرباء المستمرة في التدهور رغم قرارات الحكومات المتعاقبة بزيادات مستمرة لحجم الانفاق على الكهرباء حتى وصلت ساعات التقنين في لبنان الى نحو 14 ساعة يوميًا في بعض المناطق. وأيضًا ازداد الوضع تدهورًا مع أزمة النزوح السوري التي ألقت بثقلها على لبنان متسببة في غلاء في المعيشة وأسعار العقارات.

حافظ لبنان على استقراره، متجنبًا أي حدث يخل بالأمن، إن العامل الأساسي لهذا الاستقرار هو العامل الأوروبي والدولي الذي لعب دور ضابط الأمن في لبنان خدمة لمصالحه الخاصة، وصونًا للأمن الإسرائيلي والمسيحي. 

فمن المنظور الإقليمي، وهنا ثلاثة أسباب تتعلق بالموقع اللبناني وبتشكيلته الديمغرافية:

العامل الأول: تحاول أوروبا قدر الإمكان أن تغلق أبواب الجحيم التي قام بفتحها أردوغان لتركيع أوروبا، أعظم ما تخشاه أن تنطلق دفعة جديدة من المهاجرين والمقدر عددها في لبنان بأكثر من مليون سوري باتجاه أوروبا، لذل تعمل أوروبا على دعم لبنان والاقتصاد اللبناني بالمؤتمرات المانحة. 

وآخرها مؤتمر سيدر، التي طالب بها رئيس الحكومة ليتمكن لبنان من تحمل ضغط النازحين الذي ألقى بكاهله على الحكومة، تم المؤتمر بنجاح بجهود ومساع أوروبية.

العامل الثاني: فهو الوجود المسيحي في لبنان، لا يمكن أن يطرد المسيحي من البقعة الأخيرة له في الشرق الأوسط، فالسنة الذين يشكلون العدد الأكبر في لبنان.

في ظل الوجود السوري والفلسطيني والذين هم أساسًا في محيط سني، وكما يطلق على السنة أم الصبي، والشيعة المنظمون والمسلحون جيدًا والمدعومون من إيران، أما المسيحيون فهم اليوم يشكلون فقط 33% من التعداد السكاني اللبناني في محيط إسلامي.

وبما أن حلف الأقليات في لبنان غالبًا يستثني المسيحيين كما حصل في الحرب الأهلية السابقة، حيث كان حلف الأقليات بين الأطراف الثلاثة: شيعة – دروز – علويين، وحصلت انتفاضة ستة فبراير (شباط) وقامت بالقضاء على حركة المرابطين السنية (كما ذكر وليد جنبلاط أن العملية كانت ضمن إطار حلف الأقليات وكون الحركة سنية)، وغالبًا المسيحي لا يمثل ولاءً للبنان كوطن، ولذلك نجد أن أعلى نسبة هجرة إلى الخارج هي مسيحية، فإن المسيحيين هم الخاسر الأكبر في حال نشوب حرب أهلية، التي قد تصل إلى درجة التهجير الكامل. هذا ما دفع بأوروبا، وخاصة فرنسا لتقديم الغطاء السياسي والإقليمي، والحيلولة دون وقوع أي أزمة أمنية في لبنان، ومنع إمتداد الحرب السنية الشيعية إليه، وظهر ذل بشكل جلي إثر التدخل الأوروبي لإعادة رئيس الحكومة سعد الحريري إلى لبنان، ضاغطة بذل على الدولة الإقليمية الرئيسية في المحور السني المملكة العربية السعودية التي قامت بخطفه مرغمة إياه على تقديم الاستقالة كبداية لمواجهة شيعية سنية.

العامل الثالث: هو موقع لبنان الموجود على حدود فلسطين المحتلة، حيث إن أمن إسرائيل هو خط أحمر لدى الغرب، تخشى إسرائيل من انهيار الإستقرار اللبناني ودخوله في زوبعة حرب أهلية؛ مما يتيح لحزب الله، أو أي حركات أخرى تريد مواجهة العدو الإسرائيلي الوصول إلى الجنوب اللبناني، كما حصل خلال الحرب الأهلية اللبنانية السابقة؛ مما دفع بإسرائيل لاجتياح لبنان والوصول إلى العاصمة اللبنانية بيروت بدافع إعادة الاستقرار، ووضع رئيس جمهورية موال لها، والذي كان بشير الجميل؛ مما دفع باليسار اللبناني إلى اغتياله على يد حبيب الشرتوني.
ولكن برغم عوامل الاستقرار هذه، لا يزال أمن لبنان مهددًا وبشكل كبير لتغير العوامل التي ساهمت باستقراره بعد الحرب الأهلية وهي العوامل التي دفعت بأوروبا للتدخل، وسنذكرها سابقًا كان هناك عاملان ساهما باستمرار الاستقرار في لبنان من منظورين:: اجتماعي وسياسي، وهما:
المنظور الاجتماعي: الشعب اللبناني خرج من ويلات حرب أهلية دامية، استمرت 15 سنة، ومتضمنة اجتياحًا إسرائيليًا، واحتلال سوري انتهى بخروج القوات السورية من لبنان في العام 2005 إثر اغتيال رئيس الحكومة السني رفيق الحريري وانطلاق انتفاضة الأرز، وعلى غرار ما حصل في أوروبا، صلح وستفاليا، كما يسميه هنري كيسنجر في كتابه: (النظام العالمي)، أصبح هنا نظام معترف فيه بين الدول الأوروبية بحيث لا يستطيع كيان سياسي أن يطغى على الكيانات الأخرى.
ويستطيع هذا الكيان أن يزداد قوة، ولكن داخل النظام الموجود، كانت بنود جديدة ضامنة لتمكين الأقليات الطائفية من ممارسة شعائرها بسلام وبعيدًا عن احتمال الهداية القسرية. علاقات دولية تشكلت بدافع الرغبة المشتركة، في تجنب أي تكرار لحرب شاملة على أرض القارة الأوروبية.
مؤتمرات ومشاورات مستقبلية تشكلت كمنابر لتسوية الخلافات. سلام وستفاليا اتخذ مبدأ التعددية، ويبقى سقالة النظام الدولي كما هو موجود الآن، وصلح وستفاليا اللبناني هو اتفاق الطائف، أصبحت كل طائفة إذا إزدادت قوتها فهي تكبر داخل النظام دون القيام بخرقه وتستطيع الرد عبر المنابر والوسائل الحكومية أي عبر النظام الموجود في حال اختلفت.
جراء ذل، حال هذا النظام دون قيام طائفة بفرض سيطرتها على النظام الداخلي الخاص ببقية الطوائف، ومحتفظة هذه الطوائف بحقوقها وكيانها الخاص؛ مما يحول دون حصول حرب أهلية، ولكن إزدياد قوة طائفة يعني الأخذ من حصة طائفة أخرى من المكاسب داخل المؤسسات الحكومية، أو زيادة سيطرتها داخل المرافئ أو المطار (كما سيطر حزب الله وحركة أمل على مطار رفيقالحريري الدولي) أو الجيش وقوى الأمن، وبما أن هذه الحرب لا تزال عالقة داخل ذهن المواطن اللبناني بآثارها المدمرة، فإن المواطن اللبناني متفهم تماماً لهذه المعادلة وإن كان يعيها بشكل مبسط، فهو لا يستطيع أن يثور ضد زعيمه رغم فساده، متخوفًا من شق صف الطائفة ومضعفًا إياها أمام الطوائف الأخرى سامحًا لها بالتمدد على حساب باقي حقوق طائفته، لذل يبقى اللبناني متشبثًا بزعيمه الطائفي حفظًا للموجود؛ لأنه في حال ضعف الطائفة سنخسر المزيد ولا مكاسب جديدة.
من المنظور السياسي: فيرى صمويل هنتنجتون، أن العصرنة تترافق مع إعادة توزيع واضحة.
للنفوذ، داخل النظام السياسي.
بما معناه، أن تفك مراكز النفوذ المحلي والديني والعرقي، وغيرها؛ وتمركز النفوذ في المؤسسات السياسية القومية، فالفكرة بشكل مبسط هي كإنتقال الدولة القبلية إلى دولة عصرية عبر تفكي نفوذ القبيلة وتمركز النفوذ بيد المؤسسات الحكومية كالبرلمان والحكومة والجيش.
في لبنان حصلت هذه العملية وأصبح النفوذ مركزًا في المؤسسات السياسية اللبنانية كالبرلمان والحكومة ورئاسة الجمهورية، ولكن ليحافظ النظام على استقراره يجب دائمًا إنتاج النفوذ وإعادة توزيعه.
يورد صمويل هنتنجتون في كتابه أن النفوذ يتغير بحسب النظام السياسي الموجود، ففي حال كانت الدولة إقطاعية فالنفوذ ضئيل ومشتت، وفي حال كانت ديمقراطية دستورية كان النفوذ كبيرًا ومشتتًا، وأما لبنان فهو هجين بين وجود زعامات إقطاعية ونظام دستوري ديمقراطي؛ مما جعل النفوذ مشتتًا، وكبيرًا بسبب الزعامات الطائفية والإقطاعية، ونظرًا لوجود نظام ديمقراطي دستوري، وبما أن الاستقرار تابع لإعادة توزيع النفوذ بشكل دائم، وكما يقول فراي: (تغيرات في توزيع النفوذ داخل النظام السياسي ومقدار النفوذ في النظام)، وهو كما حصل في تركيا من إعادة توزيع النفوذ طلبًا للاستقرار بإدخال الأكراد في العملية السياسية وإعطائهم نفوذًا داخل السلطة.

 وفي لبنان وعبر سيطرة الأحزاب التقليدية على مراكز النفوذ، فهي تقوم بتوزيعه بشكل دائم، عبر توزيع الوظائف الأمنية فيالجيش والمؤسسات الأمنية الأخرى على أبناء الطائفة وأبناء العائلات الكبيرة، أو حتى ترشيح أبناء العائلات والعشائر ورجال الأعمال، وإيصالهم إلى المجلس النيابي، أو إعطائهم حقيبة وزارية، وآخر مثال على عملية إعادة التوزيع النفوذ هو إقرار القانون النسبي والكوتا النسائية لاستيعاب القوى الجديدة التي بدأت تنادي بالتغيير وخرجت للشارع في بيروت جراء أزمة النفايات.

وبسبب القانون الجديد والكوتا النسائية تم امتصاص غضب الشارع في المدن الكبيرة، فقد أصبح بإمكان الحركات الناشئة أن تصل إلى مجلس النواب وتشار في صنع القرار شرط فوزها في الانتخابات، أي أصبح الجمهور قادرًا على إيصال من يمثله، وكذل الحركات النسائية إذ تم ترشيح عدة نساء، وكما تم تسليم حقيبة وزارية لامرأة، وبهذا تم ترسيخ الاستقرار بإدخال شريحتين جديدتين في المجتمع إلى سلطة، وهما الحراك المدني والحركات النسائية.
ولكن هذه المنظومة التي حافظت على الاستقرار في لبنان، هي اليوم قيد الانهيار، إذ إن القرار باتخاذ المناصفة بين المسيحيين والمسلمين (أي أن نصف الموظفين الحكوميين مسيحيون، والنصف الآخر مسلمون) في لبنان، كانت على أساس أن يختار المسلمون المسيحيين الذين من حصتهم في المراكز الحكومية (أي أن حصة السنة هي ثلث الموظفين الحكوميين من بينهم موظفون مسيحيون)، فيما يطالب زعماء المسيحيين اليوم بأن يكون الاختيار من حصتهم (عون يطالب الحريري بإطلاق حقوق المسيحية الأسيرة كخطوة أساسية لعودة التواصل على أسس جديدة!)، بالإضافة إلى وجود تمدد شيعي يسيطر على المراكز الأساسية في الدولة، وامتلاك السلاح وتهديد الأمن العربي وإرهاب السنة والمسيحيين بسطوة هذا السلاح، وبما أن المسيحيين إلى تناقص والسنة والشيعة إلى ازدياد لا بد لمنظومة وستفاليا اللبنانية أن تنهار، ويعاد تركيبها كما حصل في أوروبا عندما انهارت المنظومة جراء ازدياد قوة بروسيا العسكرية، لتدخل أوروبا حينها في حرب ضارية، وليعاد تشكيل المنظومة الوستفالية على اعتراف جديد بقوة ووزن بروسيا.
حيث إن قانون الطائف كان قانونًا مرحليًا يجب إلغاؤه والانتقال إلى اللاطائفية حيث يمكن للبنان أن يصل إلى بر الأمان لكي تتم الموازنة بين التغييرات الطائفية في العدد والقوة وتوزع المناصب والمكاسب. 

وأيضًا هنا عامل خطير وهو غياب ثقة السنة بزعامتهم، حيث يشعر السنة بالاضطهاد والظلم من قبل الطوائف الأخرى وغياب ردة الفعل لدى رئيس الحكومة السني، حيث يستمر بالطأطأة لزعماء الطوائف الأخرى، هذا الشعور بالمظلومية له تبعات خطيرة، ففي حال انهيار الأوضاع في لبنان سيكون هنا غياب لقيادة تأخذ السنة نحو بر الأمان، بعيدًا عن خطر التطرف الداعشي أو الجماعات الإسلامية المتطرفة، كما حصل سابقًا في طرابلس خلال الحرب الأهلية، جراء إعلانها إمارة إسلامية، فاستعان الغرب بجيش حافظ الأسد للقضاء عليها ووأدها عام 1985، محاصرًا طرابلس، ومرتكبًا فيها مجزرة ضخمة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد