لم يسبق في التاريخ الإسلامي على امتداده أن كفّر أحدٌ المسلمين جميعًا بهذا الإطلاق والتعميم الذي سبق إليه الشيخ محمد بن عبد الوهاب، أي أن لا سلف له في هذا النهج. ولمعرفة فلسفة محمد بن عبد الوهاب فقد أوضحها في (نواقض الإسلام).

أخشى أن هناك من سيظن عند قراءة العنوان ممن ليس لديه خلفية عن هذه النواقض، أن الشيخ بسطها في مجلدات طِوال. وهذا تصور طبيعي لأن هذا الباب حساس وخطير ولا بد فيه من التطويل والتفصيل. لكن الأمر ليس كذلك إطلاقًا، هذه الفلسفة كتب فيها الشيخ ورقة واحدة! وسمّاها (نواقض الإسلام العشرة) وهذه هي:

اعلم أن نواقض الإسلام عشرة:

الأول: الشرك في عبادة الله تعالى، قال الله تعالى: (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) وقال تعالى: (إنه من يشرك بالله فقد حرم عليه الجنه ومأواه النار وما للظالمين من أنصار) ومنه الذبح لغير الله كمن يذبح للجن أو للقبر.

الثاني: من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم ويسألهم الشفاعة، ويتوكل عليهم كفر إجماعا

الثالث: من لم يكفر المشركين أو شك في كفرهم، أو صحح مذهبهم كفر.

الرابع: من اعتقد أن غير هدي النبي صلى الله عليه وسلم أكمل من هديه وأن حكم غيره أحسن من حكمه كالذي يفضل حكم الطواغيت على حكمه فهو كافر.

الخامس: من أبغض شيئا مما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، ولو عمل به كفر.

السادس: من استهزأ بشيء من دين الرسول صلى الله عليه وسلم أو ثوابه أو عقابه كفر، والدليل قوله تعالى: (قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ. لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ).

السابع: السحر ومنه الصرف والعطف، فمن فعله أو رضي به كفر، والدليل قوله تعالى: (وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر).

الثامن: مظاهرة المشركين ومعاونتهم على المسلمين والدليل قوله تعالى :(ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين).

التاسع: من اعتقد أن بعض الناس يسعه الخروج عن شريعة محمد صلى الله عليه وسلم كما وسع الخضر الخروج عن شريعة موسى عليه السلام فهو كافر.

العاشر: الإعراض عن دين الله، لا يتعلمـه ولا يعمـل به، والدليل قوله تعالى: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ).

ولا فرق في جميع هذه النواقض بين الهازل والجاد والخائف، إلا المكره، وكلها من أعظم ما يكون خطرا، وأكثر ما يكون وقوعا، فينبغي للمسلم أن يحذرها ويخاف منها على نفسه نعوذ بالله من موجبات غضبه وأليم عقابه، وصلى الله على خير خلقه محمد وعلى آله وصحبه وسلم. (انتهت الرسالة!)

هذه هي الرسالة التي كفر وِفقها الشيخ المسلمين بالجملةِ وبالطولِ وبالعرض! هذه المختصرة! ولندلف إلى الرد عليها، مما كتبه الطالب الشرعي المهندس أحمد سمير – جزاه الله خيرًا – في رسالة بحثية قيمة بعنوان (تأمل في محتوى النواقض العشرة).

مقدمة هامة/ أحمد سمير

عندما تتحدث عن معنى الإيمان وحقيقته، وكذلك معنى الكفر وحقيقته، فأنت تتحدث في باب من أبواب أصول الدين (العقيدة)، وهو حديث يتجاوز الظاهر إلى الباطن، فالنفاق في هذا الباب صورة من صور الكفر؛ لكونه في الحقيقة كفرًا، وإن لم يظهر المنافق سوى الإسلام.

أما الحديث عن الحكم بالإسلام أو الكفر، وكيفية تنزيل الحكم على معيّن بحسب ما يظهر منه فهو من أبواب الفقه: (باب الردة) أو (باب المرتد) أو (باب حكم المرتد) أو (باب أحكام المرتدين) أسماء مختلفة لباب واحد له موضوع واحد، جزء من هذا الموضوع هو: (بأي شيء يُحكم على المعيّن بالإسلام أو الردة).

هذا الجزء يدخل في الأقضية، فالقاضي كان المنوط به هذا الحكم بناء على الأدلة والقرائن الظاهرة، والمنافق الذي لم يظهر منه سوى الإسلام هو مسلم باعتبار هذا الباب الفقهي، فتجري له أحكام الإسلام في الدنيا، وإن كان في الحقيقة كافرًا، ولكن هذا الباب مبناه على الظواهر بعيدًا عن تعريف حقيقة الإيمان والكفر.

هذا الجزء المتعلق بتنزيل حكم الإسلام أو الكفر على معين هو جزء صعب ودقيق جدًا في الباب، ويحتاج إلى طول علم واستواء نفس واطلاع مستفيض على كلام الأئمة والفقهاء وطريقتهم فيه، وليس مما يجب تعلمه في الباب على كل أحد، فهذا الباب ككل أبواب الفقه فيه ما قد يكون علمه ضروريًا أو واجبًا، وفيه ما يكون تعلمه فرضًا على الكفاية، ولا يضر المرء جهله، فالواجب علمه عينًا من هذا الباب أن يعلم كل مسلم الحكم على من دان بغير دين الإسلام، وهي من القطعيات، وأن يعلم صور المكفرات الشائعة ليجتنبها فقط، أما أن يوجب على كل المسلمين تعلم باقي مسائل الباب، والتي منها كيفية تنزيل حكم الردة على معين، فهذا جهل، فكيف بمن يكفّر العوام لعدم تكفيرهم مسلمًا معينًا وقع عندهم في الردة! فهذا ليس بدعة فقط، بل دلالة على خلل العقل، علمًا أن هذا المكفِر هو نفسه من غير المؤهلين للحديث في هذا الباب، ولا أدل على ذلك من تكفيره للناس استنادًا على عدم تكفيرهم للمرتدين بنظره!

هل يوجد فقهيًا ما يسمى النواقض العشرة؟

كان الفقهاء في باب الردة يضربون أمثلة للأقوال والأفعال المكفِرة كنوع من الشرح والتفصيل، بعض هذه الأمثلة مستخرج من الواقع وبعضها بمثابة الافتراض، ولأن الردة فقهيًا يمكن تعريفها بأنها: قطع الإسلام أو نقض الإسلام، فهذه الأفعال والأقوال المكفرة يمكن تسميتها: قواطع الإسلام أو نواقض الإسلام.

فكلمة قواطع الإسلام أو نواقض الإسلام تشمل كل ما يمكن أن يكون صورة ومثالًا للأقوال والأفعال المكفرة، ولذلك يستحيل جمعها وحصرها، وغاية ما يمكن فعله هو ضرب أمثلة لها كما كان يفعل أهل العلم في كتبهم، ولا يُقال إنها عشرة ولا مائة ولا ألف، فصور الردة لا يمكن حصرها، وهذا أول تنبيه أردت أن أذكره حول مختصر محمد بن عبد الوهاب المسمى: (نواقض الإسلام) والذي بدأه بقوله: (اعلم أن نواقض الإسلام عشرة)!

لا وجه لحصر نواقض الإسلام في عشرة، وأن هذه الجملة: (اعلم أن نواقض الإسلام عشرة) جملة لا وجه للتحقيق فيها، وقد بذلت جهدي لأفهم مقصده بهذا الحصر، فلم أجد علة واحدة تجمع هذه العشرة وتمنع دخول غيرها، فليست جامعة ولا مانعة من أي وجه، ولا محكمة الصياغة ولا دقيقة العبارة، ولا يصلح أن تكون عمدة في باب شديد الخطورة مثل هذا الباب، وقد تناول المختصر هذا الباب بشيء من الجمود والتسطيح، ثم هي من جهة التأصيل والتقعيد لم تسر على خط واحد مفهوم، فتارة تتحدث عن صورة تفصيلية من صور الكفر، ثم ينتقل في نفس المختصر من الحديث عن صور تفصيلية من صور الردة إلى الحديث عن أصل عام مثل: الاستهزاء، فالاستهزاء أصل عام في التكفير وليس صورة تفصيلية، فالاستهزاء والاستخفاف لا يمكن حصر صورهما سواء كانت أقوالا أو أفعالا، فالمختصر يتذبذب بين التفصيل والتأصيل بصورة غير مفهومة، ناهيك عن ذكره فيها لما هو مختلف فيه، أو ليس من المكفرات أصلًا، ولا يصلح أن يكون مناطًا لتنزيل حكم الردة على أحد.

الناقض الثالث

إذا أخذنا الناقض الثالث (من لم يكفر المشركين أو شك في كفرهم أو صحح مذهبهم كفر)، صياغة هذا الناقض بهذا الإطلاق في غاية الفساد، وهي أشبه بالنقل المحرف لكلام من ذكر هذا المثال من الفقهاء، فهذا المثال أول من ذكره – بحسب ما وقفت – هو القاضي عياض في كتابه الشفا، ولكن ثَم اختلاف بسيط في الصياغة يغيّر مفهوم المثال تماما؛ حيث قال القاضي عياض:

(وكذلك وقع الإجماع على تكفير كل من دافع نص الكتاب)، ثم ضرب مثالا على هذه القاعدة فقال: (ولهذا نكفر من دان بغير ملة المسلمين من الملل، أو وقف فيهم أو شك أو صحح مذهبهم) فبين اختصاص هذا الحكم بمن لم يكفر (من دان بغير ملة المسلمين من الملل)، أي: بمن لم يكفر الكفار الأصليين كاليهود والنصارى ومن انتقل لدينهم؛ لأن في عدم تكفيرهم (مدافعة لنصوص الكتاب). فالأمر كما ترى مختص بالكفار المقطوع بكفرهم كاليهود والنصارى، وليس مطلق الكفار، وعلة تكفير من لم يكفرهم: التكذيب بالمقطوع به.

الخلاصة أن الصياغة التي ذكرها محمد بن عبد الوهاب صياغة مبهمة موهمة حيث استعمل مصطلح (المشركين)، وهو مصطلح مجمل، وقد يُفهم منه دخول غير المقطوع بكفرهم في القاعدة كمسلم وقع في مكفِر، لاسيما أن محمد بن عبد الوهاب يستعمل هذا المصطلح في وصف عوام الصوفية والقبوريين، كما أنه ذكرها بما يوهم أنها علة مستقلة للتكفير، وليست مجرد فرع وصورة من صور كفر التكذيب، وهذا مختصر مستقل لنواقض الإسلام، وهو باب خطير، فوجب أن يكون في أقل أحواله غير موهم ولا مشكل.

الناقض الخامس

يقول: (من أبغض شيئا مما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، ولو عمل به كفر). نفس ما حدث في الناقض الثالث، وقد تكرر في صياغة هذا الناقض، فكان كالنقل المحرف لكلام أهل العلم، هذه الصورة وردت في خضم سرد شيخ الإسلام أحمد بن تيمية لصور متنوعة من الردة، فكان من ضمنها: (أو كان مبغضًا لرسوله أو لما جاء به) يعني يكفر بذلك، ثم نقل متأخرو الحنابلة هذه الصورة عن ابن تيمية.

والفارق بين عبارة شيخ الإسلام وبين عبارة محمد بن عبد الوهاب كبير، فبغض الرسول، أو بغض ما جاء به جملةً ليس كالذي ذكره محمد بن عبد الوهاب في مختصره، حيث أضاف كلمتين موهمتين مفسدتين للمعنى الأصلي، الأولى: أنه وضع كلمة (شيء) والثانية: أنه قال: (ولو عمل به)!

والصحيح أن المسلم قد تكره نفسه وتبغض شيئا مما جاء به الشرع، وهذا لا يجعله كافرًا ولا حتى عاصيًا، بل هو مأجور مثاب إن دافع نفسه وقهرها على فعل الحق وقبوله، قال تعالى: (كُتب عليكم القتال وهو كرهٌ لكم وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خيرٌ لكم) وقال: (كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقا من المؤمنين لكارهون).

وأما قوله تعالى: (ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم) فهذا كره المعاداة والمحاددة، وهو كره كفر أو جحود، ومن كان كرهه كذلك فسيكره ما أنزله الله وما أتى به الرسول جملةً.

فإن قيل: إن القاعدة، إنما قصدت الكره بمعنى المعاداة والمحاددة فما وجه الإنكار؟ قلنا: وجه الإنكار أن الصياغة موهمة مشكلة، بل المتبادر للذهن منها غير هذا المقصود بسبب القيدين المذكورين، ثم كيف يُعد هذا المختصر عمدة في الباب ولا تكاد تمر كلمة فيه بدون اشتباه أو إشكال أو إيهام باعتراف شراحه والمدافعين عنه، وإذا كان هذا المختصر قد كُتب للعوام فقط كما قال أحد المعترضين على كلامي فالخطب أشد، إذ إنه بحاجة في معظم صياغته لإطالة الشرح والكلام دفعا للإيرادات الباطلة.

الناقض السابع

قال محمد بن عبد الوهاب: الناقض السابع: (السحر ومنه الصرف والعطف، فمن فعله أو رضي به كفر)، نقدنا له في إطار من جزم أن هذه النواقض العشرة هي محل إجماع بين أهل العلم، وجعل الإجماع هو علة الحصر في عشرة، بالرغم من عدم ذكر المختصر لآلاف الصور التي أجمع العلماء عليها في باب الردة، وبالرغم من ذكره لما هو مختلف فيه كهذا الناقض. فالسحر مختلف في حكم فاعله، والقول بكفر الساحر ليس محل اتفاق بين العلماء!

الناقض العاشر

قال: (الإعراض عن دين الله، لا يتعلمـه ولا يعمـل به)، وهذا من أعجب الإطلاقات، كذلك في هذا المختصر، وتعليل للردة بعلة غريبة وغير متصورة، فإذا كان يقصد الإعراض المطلق بمعنى عدم الإيمان أصلا، فحينها يكون الكلام على صورة من صور الكفر الأصلي، وليس عن ناقض من نواقض الإسلام، ويظهر لي أن هذه العبارة مقتبسة بتحريف من كلام ابن القيم، ولكن عبارة ابن القيم لا شك أكثر دقة وتحديدًا ودلالةً على المقصود، فقد قال في مدارج السالكين في خضم حديثه عن أنواع الكفر: (وأما كفر الإعراض: فأن يعرض بسمعه وقلبه عن الرسول، لا يصدقه ولا يكذبه، ولا يواليه ولا يعاديه، ولا يصغي إلى ما جاء به البتة)، لاحظ قوله: (لا يصدقه ولا يكذبه)، فابن القيم يتحدث عن صورة من صور الكفر الأصلي.

وأما أن يُذكر الإعراض في خضم نواقض الإسلام لمن هو مسلم أصلًا مصدق بما جاء به الرسول داخل في دينه فغير مفهوم، وإن كان مقصوده بالإعراض عن كل الدين بالصورة التي ذكرها ابن القيم فهو يتحدث إذن عن كافر أصلي غير مسلم ابتداءً فلا وجه لذكر تلك القاعدة في نواقض الإسلام وباب الردة.

اختصرت بحث أحمد سمير وتركت أكثر مما نقلت، وما نقلته منه فيه الكفاية، وإليك ما لن تصدق أنه يمكن أن يحدث! هذه فتوى منشورة بموقع الألوكة، نافذة الفتاوى (هنا). 

وراجع نفس الفتوى بعنوان (أعظم نواقض الإسلام عشرة) بالصفحة رقم 55 بموسوعة (فتاوى علماء البلد الحرام) وهي ممهورة بتوقيع (اللجنة الدائمة للبحوث والفتوى) وهي لجنة متفرعة من (هيئة كبار العلماء) المنشأة بالأمر الملكي السعودي رقم (137/1) في 1391/7/8 هـ . 

يقول السائل: ما نواقض الإسلام؟ فكانت الإجابة هكذا: قال الشيخ محمد بن عبدالوهاب رحمه الله تعالى: اعلم أن من أعظم نواقض الإسلام عشرة (ثم ألصقوا بقية الرسالة كما هي) ثم كتبوا أسفلها، المفتي: الإمام محمد بن عبد الوهاب! الفرق واضح بين عبارة (اعلم أن نواقض الإسلام عشرة) وعبارة (اعلم أن من أعظم نواقض الإسلام عشرة) فالأولى تفيد الحصر، والثانية تفيد التملص من هذا الحصر؛ لأنه يدل على تخليط الشيخ. ولا أدري ماذا أسمي هذا التحريف والتدليس، نعيب على غيرنا التحريف، ويأتي هؤلاء، فيكتبون الكتاب بأيديهم ويقولون هذا من عند الشيخ!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

رسالة نواقض الإسلام العشرة لمحمد بن عبد الوهاب
ورقة بحثية (تأمل في محتوى النواقض العشرة) لأحمد سمير
موسوعة (فتاوى علماء البلد الحرام) د. خالد بن عبد الرحمن الجريسي، مكتبة الملك فهد الوطنية، طبعة 11
موقع الألوكة، نافذة (فتاوى علماء البلد الحرام)
عرض التعليقات
تحميل المزيد