الحمدُ لله الذي لم يُلزمْ عبادَه إلا بما أنزلَ على نبيهم، ولم يكلّفْهم إلا بما تُطيق أنفسهم، إنني لأعجبُ من أمور يسَّرها الله على عباده وأبى بعضهم إلا أن يعسرها على نفسه، ويتذرعون بقولهم: »هذا ما اعتدنا عليه…«.

إنَّ العجبَ الأكبر أنَّنا لو نظرنا بدقةٍ في معظم هذه العادات لوجدناها عبارة عن تركة ملعونة وإرث ظالم، جُلُّ هذه العادات في حقيقة الأمر يحتاج إلى أن يُصوَّبَ ويُبدَّلَ، فمن الذي فرض أنَّك إذا زارك فلانٌ وأتى لك بهدية عند زيارته أو كما يسمونها من درجوا على العادات والتقاليد، والواجب أنه إذا أردتَ زيارته وجب عليك أن تَردَّ له مثلما أعطاك؟ إنْ هي إلا أشياءٌ توارثها الأبُ عن أبيه عن جده إلى ما شاء الله، حتى إنني قد سمعت عن رجل عجز عن زيارة أخ له لسنوات، لأن هذا الأخَ في إحدى زياراته جلب له هدية وكانت ذات سعر عالٍ، فكلّما أراد الرجل زيارة أخيه تذكر هديته فقال: »كيف أردها؟« فيجد أن ما لديه قد لا يعادلها، فيقرر العدول عن الزيارة؛ بل إننى سمعت عن امرأة تُدَّون ما يأتيها من هدايا في زواج لابنها أو حفل أُقيم لأية مناسبة في دارهم، فتدوّن الهدية وصاحبها، فلما سئلت قالت: «لأنه حين يكون لدى فلان مناسبة أعطيه مثل ما أعطاني أو أزيد»، تدونه كأنه دين يجب أن يُرد، وهذه إحدى نتائج العادات والتقاليد.

وآخر إذا أراد أن يتزوج قالوا له إن -المهر- لا بد أن يكون كذا وكذا من الذهب فيقول ببداهة هزلية: «لن أشتري ذهبًا مهرًا»، فيجد ردًا قاطعًا وحاسمًا «لا بد وأن تشتري إنه إلزامي معتاد».
من الذي ألزم الرجل بأن يكون هناك مهر ولا يكون المهر إلا من الذهب؟ إن الدين القويم الذي أنزله الله ليكون مُصلحًا لحال عباده؛ لمَّا جعل للنساء في الزيجات مهرًا لم يُلزمْ بهيئته ولا بسعره، لكن تأتي عاداتنا فتحدده حتى يعجز المُقبل على الزواج من تلبية هذه العادة ويعجز فلا يُقبل على شيء كان الأصل فيه التيسير.

ومن العادات والتقاليد أن أكثر النساء مهرًا هي بنت الحسب والنسب جليلة الحال، في حين أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «أيسرهن مهرًا أكثرهن بركة».

وحدّث ولا حرج عن أولئك الذين يطوفون في الموالد حول من يسمونهم بموالى الله، وقد جعل الدين السؤال لله إفرادًا وتوحيدًا، فلا يُسئل في حاجة سواه ولا يُقصد في أمر غيره، رغم ذلك تجد الطوافين في المواليد والذاهبين إليها والليالي والحفلات التي تقام على أصداء هذه الموالد وإذا ما أردت أًصلًا لكل هذا، فلن تجد إلا أنه رأى من سبقهم يفعلون ذلك.

إن معظم الاجتماعيات التي تملأ هذا المجتمع المعلول من كل جانب تحتاج إلى وقفة ومراجعة وتقويم؛ بل إنهم لا ينظرون إلا إلى كل ما هو سيئ في المجتمعات الأخرى ليضيفوه إلى عاداتهم، ولا تقف مشدوهًا عند هذا الحد فقط، بل إن المصيبة أنَّ الناس منهم من يرى أنّ هذه العادات هي أشد حرمة من الدين نفسه.

كأن تقول لرجل رأيته يصلي كما اعتاد أو يقرأ القرآن على ما اعتاد، وكان ما اعتاده به خطأ فجرب أن تصوب ما أخطأ، فعن تجربة ستجد الرد يماثل التالي: «أنا لي سنين على هذه الحال وأنت جاي تعدل عليَّ»، «هتخترعوا في الدين أنا طول عمري أشوفهم بيصلوا كده من أيام جدي»
وهذه ردود قد تصدر من رجل لا يعلم أنه ربما لديك من العلم ما أهلك أن تصوب له خطأ رأيته قد اقترفه، فما بالك أن تحدث أهلك في شيء من هذه العادات، كأن تكون لديك زيارة لأحد أصدقائك فتجد والدك بدون تردد يسألك »ماذا ستأخذ له معك؟« وكأنه فرض إذا ما ذهبت إلى زيارة أحد أصدقائك أن تحمل له هدية – وهو أمر جيد إن فعلت- ولكن لماذا يشعر البعض أن هذا الأمر واجب النفاذ؟

وإنني لموقن أن معظم هذه العادات هو تراث اجتماعي أهلكه التراب، ولم يكلف أحد نفسه أن يرفع عنه بعضًا من تراب السنوات الكثيرة المتراكمة، إن هذه العادات العجيبة التي يُفترض أن تكون عادات تساعد وتيسر الأمور فإذا بأغلبها لا يزيد الأمور إلا شناعة وغلظة، بل إن بعضه قد يكون في عمق حقيقته منافيًا للدين.

وللشباب، أنتم في البداية تكونون مثلي الآن تهزأون بهذه الأمور؛ ولكن بعدما تدخلون في خارطة الحياة من زواج وأسرة وأبناء، لا تجدون أنفسكم إلا مثلكم مثل أبائكم قد توراثتم الأمر بإدراك أو بغير إدراك، لذلك لن نجني أي تغير يُذكر، لأن هذه العادات والتقاليد المنافية لحقيقة التيسير في الدنيا تظل مصاحبة لكم، لأنكم صحبتموها بعد ما سخرتم منها ثم لم تعلموا أولادكم غيرها.

وللجميع، أعملوا عقولكم وأَمرّوا هذه العادات والتقاليد على ما أَنزلَ ربكم فإن وافقته فبه ونعمة، وإن لم يكن فيها حرج فبه ونعمة، ولكن إن عارضته فقف وقل لهذه العادة كفى.

لا تتشبثوا بشيء ليس فيه إلزام حقيقي من المولى عز وجل فتُعسّروا به على أنفسكم وعلى غيركم. فإن النبى صلى الله عليه وسلم قال: «يسروا ولا تعسروا».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد