تعرف الجريمة من الناحية القانونية على أنّها:

جميع الأفعال الخارِجة عن القانون والمتفق على حرمتها كما يعاقب عليها القانون، بينما تعرف من الناحية الاجتماعية على أنّها أي فعل يتعارض مع القواعد والعادات الاجتماعية المعروفة في المجتمع، في حين تعرف من الناحية النفسية بأنّها أي فعل يتنافى مع الغرائز الإنسانية، أو أيّ فعل لمحاولة إشباع الغرائز الشاذة، ولا بد من الإشارة إلى أن الجريمة تتكون من عدّة عناصر منها العنصر المادي الذي سنفصل بعض المعلومات عنه في هذا المقال.

والركن الشرعي للجريمة

هو النص الذي يجرم الفعل المرتكب والمنصوص عليه في قانون العقوبات أو في نصوص الشريعة الإسلامية، حيث ينص قانون العقوبات على أن لا جريمة ولا عقوبة ولا تدبير أمن إلا بنص. وبالتالي فكل فعل غير مجرم في قانون العقوبات يعتبر فعلًا مباحًا حتى ولو أنكرته الأخلاق والعادات والأعراف، والشيء نفسه في الفقه الإسلامي.

ويقصد به أيضًا: الركن عدم المشاع، وهو أن ينص القانون علي تجريم الفعل لأن الأصل في الإنسان البراءة، وفي الاشياء الاباحة ويختلف الفقه الجنائي في تقرير مدى وجود هذا الركن، إذ يوجد في الفقه من يقيم الجريمة على الركن المادي والمعنوي فقط.

واستنادًا إلى أن العمل الضار لا يعتبر جريمة إلا بنص يحدد ذلك، فإنه يصبح ضروريا لقيام الجريمة. إذ بانتفائه تنتفي الجريمة لذا فهو ركن أركانها وفي انتقاد واضح، لهذا الرأي قيل: (النص خالق الجريمة ومصدر وجودها ولا يتصور العقل اعتبار الخالق مجرد عنصر فيما خلق) وتجنبا للنقد حاول اصحاب الرأي الأول أن يعطوه مدلولا مختلفا فقيل (إن الركن الشرعي هو الصفة غير المشروعة للفعل فهو في جوهره تكييف قانوني يخلع على الفعل، والمرجع في تحيده هو إلى قواعد قانون العقوبات) وفحواه حكم قانوني على علاقة معينة بين الواقعة المرتكبة والمصالح المحمية بالقاعدة الجنائية وبهذا المفهوم فقد تميز الركن الشرعي عن نص التجريم واتسم بطابع موضوعي قوامه تطبيق قواعد القانون على الواقعة المرتكبة بعيدا عن الاعتبارات الشخصية للجاني.

عناصر الركن الشرعي

يقوم الركن الشرعي على عنصرين هما:

1- خضوع الفعل لنص تجريمي:

يجب أن يكون مصدر التجريم منحصرا في نطاق النصوص القانونية المكتوبة، أي يجب أن يكون التجريم والعقاب بنص جنائي مكتوب، وإذا كانت السلطة التشريعية هي المختصة بالتجريم وتحديد العقاب والسلطة القضائية مختصة بتطبيق القانون، فإن السلطة التنفيذية يجوز لها التشريع في مجال المخالفات وهذا بإصدار لوائح تسمي لوائح الضبط.

2- عدم وجود سبب من أسباب الإباحة:

وهذا العنصر يمحو الصفة الإجرامية للفعل ويجعله فعلا مباحا.

وعدم وجود سبب من أسباب الإباحة تبيح الفعل: يشترط المبدأ كذالك عدم اتسام الفعل بالمشروعية وهي تندرج تحت ثلاثة عناصر:

– ما يأمر به القانون أو يأذن به المقررة والتي يدخل تحتها (حكم الإعدام مثلا) فالموظف المختص بتنفيذ حكم الإعدام فعله لا يعد جريمة قتل ولا تنطبق عليه المواد من قانون العقوبات.

– ما يأذن به القانون كاستعمال السلطة التقديرية للموظف العام 1 وممارسة أحد الحقوق المقررة:

أ- (كحق تأديب الزوج لزوجته وتأديب الأب لابنه).

ب- (حق ممارسة العمال الطبية) كالجراحة.

ج- (وحق ممارسة الألعاب الرياضية) كالملاكمة.

إذ يعترف القانون بمهنة الطب ويببح ما يدخل ضمن اختصاصها كالجراحة ضمن شروط أهمها:

الاختصاص في العمل وموافقة المريض على العلاج وتحقيق الغاية، وكذلك الشأن بالنسبة لممارسة الألعاب الرياضية ضمن دائرة الشروط المتعارف عليها في العرف الرياضي.

– حالات الدفاع الشرعي: وهي الحالات التي يسمح بها القانون ويجيز بموجبها استعمال القوة الازمة ضمن جملة من الشروط تميز بينها وبين الانتقام والقصاص الذاتي شريطة أن يتناسب هذا الدفاع مع جسامة الاعتداء.

ثانيًا: أساس هذا المبدأ

يتأسس مبدأ الشرعية الجنائية على مبادئ أخرى هامة:

– مبدأ الفصل بين السلطات: يقضي باستقلالية كل سلطة باختصاصها،فالسلطة التشريعية هي التي تضع القوانين (تحدد الجرائم وتقدر العقوبات )، والسلطة القضائية تطبقها عمليا في الأحكام والقرارات الصادرة عنها، أما السلطة التنفيذية فلها دور التنفيذ.

– ضمانات دولة القانون: فالنظام القانوني مرتبط باحترام الدولة للقانون، حيت يكون المشرع ممثلا منتخبا من الشعب وهادفا إلى حماية المجتمع والفرد على السواء، وعندما يتولى سلطة التجريم والعقاب فهو يقف دون استبداد السلطة التنفيذية.

أهمية المبدأ:

يهدف هذا المبدأ إلى الموازنة بين المصلحة الفردية والمصلحة الجماعية.

1- ففي اتجاه مصلحة الفرد: فإن المبدأ يحمي ويحافظ على حرية الأشخاص في تقييد السلطة ومنعها من التحكم في حركية الأفراد فلا يعاقب الفرد أو يتابع إلا إذا كان الفعل الذي أتاه مجرما قبل إتيانه.

– تصنيف الأفعال المجرمة يساعد في اجتنابها وتحديد إطار حياة الفرد إذا فللقانون دور وقائي. فإن وجود مائة مجرم خارج السجن خير من وجود بريء واحد داخله.

2 ـ وفي اتجاه مصلحة المجتمع:

– تفرد المشرع بالتجريم والعقاب يكسب النصوص احتراما عاما لخصوصيتي العمومية والتجريد ولأنها بيد ممثلي الشعب فصدروها من المشرع يقيد السلطة في تنفيذها (عدم التجاوز).

– إطفاء الصبغة القانونية على العقاب.

ومبدأ الشرعية من أهم القواعد الدستورية التي يجب احترامها نظرا للأسباب التالية:

– مبدأ الشرعية يحدد الجريمة والعقوبة المقررة لها.

– المشرع هو وحده صاحب الاختصاص في التجريم والعقاب.

– القاضي ملزم بتقدير العقوبة المقررة قانونا في حدود ما تخوله السلطة التقديرية.

– القاعدة الجنائية هي خطاب موجه للقاضي الجنائي لتطبيقها.

– مبدأ الشرعية هو ضمان للحقوق والحريات الفردية فهو يحمي الجاني والمجني عليه في آن واحد.

– مبدأ الشرعية هو ضمان لحماية واستقرار الجماعة.

النتائج المترتبة عن المبدأ:

لهذا المبدأ نتائج هامة منها:

1- سريان النص الجنائي على الحاضر والمستقبل فقط: ويشترط لتطبيق العقوبة وجود النص قبل إتيان الفعل المجرم.

2- التشريع المصدر الوحيد للتجريم والعقاب قانون العقوبات والقوانين المكملة له، وتستبعد كل المصادر الأخرى.

وعلى الرغم من أن البرلمان هو المكلف بالتشريع، إلا أن هناك بعض الحالات التي يمكن أن تصدر فيها نصوص تجريمية وعقابية خارج البرلمان مثل:

– الأوامر التشريعية الخاصة برئيس الجمهورية في الحالات المحددة في الدستور.

– المراسيم التنفيذية: رئيس الحكومة.

3- تقيد سلطة القاضي في تفسير النص الجنائي:

في البداية يجب أن نشير أن النص الجنائي يجب أن يتميز بـالآتي:

– عدم الإفراط بالتجريم والعقاب (تلاؤم العقوبة مع الفعل)

– وضوح النص الجنائي حتى يسهل على القاضي التطبيق وإذا وجد القاضي صعوبة أو غموض في النص يلجأ إلى التفسير الضيق، وهو البحث عن إرادة المشرع وقصده من النص دون توسع وهو ما يبرز مبدأ تبعية القاضي للمشرع.

القيمة الدستورية لمبدأ الشرعية

1- قضت المحكمة الدستورية العليا المصرية بأن: الأصل كون التجريم والعقاب بيد السلطة التشريعية، النص في المادة 66 من الدستور على أن لا جريمة ولا عقوبة إلا بناء على قانون، تفويض بالتشريع يتناول بعض جوانب التجريم والعقاب، توكيدًا لما جرى عليه العمل من قيام المشرع بإسناد الاختصاص إلى السلطة التنفيذية بإصدار قرارات لائحية تحدد أفعالا تعد جرائم وعقابها لاعتبارات تقدرها السلطة التشريعية وفي الحدود التي يبينها القانون الصادر عنها، هذه القرارات ليست من قبيل اللوائح التفويضية المنصوص عليها في المادة 108 من الدستور، ولا هي من اللوائح التنفيذية التي نظمتها المادة 144 منه([14][31]).

2- قضت المحكمة الدستورية العليا المصرية بأن: إن مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات، غدا أصلًا ثابتًا كضمان ضد التحكم فلا يؤثر القاضي أفعالاً ينتقيها، ولا يقرر عقوباتها وفق اختياره، إشباعا لنزوة أو انفلاتًا عن الحق والعدل، وصار التأثيم بالتالي، وبعد زوال السلطة المنفردة، عائدا إلى المشرع، إذ يقرر للجرائم التي يحدثها، عقوباتها التي تناسبها ([15][32]).

3- قضت المحكمة الدستورية العليا المصرية بأن: إن استقرار مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات في مفاهيم الدولة المتحضرة، دعا على توكيده بينها ومن ثم وجد صداه في عديد من المواثيق الدولية، من بينها الفقرة الأخيرة من المادة 11 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والفقرة الأولى من المادة 15 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، والمادة 7 من الاتفاقية الأوربية لحماية حقوق الإنسان. وتردد هذا المبدأ كذلك في دساتير عديدة يندرج تحتها ما تنص عليه المادة 66 من دستور جمهورية مصر العربية من أنه لا عقاب إلا على الأفعال اللاحقة لنفاذ القانون الذي ينص عليها، وما تقرره كذلك المادة 187 من هذا الدستور التي تقضي بأن الأصل في أحكام القوانين هو سريانها اعتبارًا من تاريخ العمل بها ولا أثر لها فيما وقع قبلها إلا بنص خاص تقره أغلبية أعضاء السلطة التشريعية في مجموعهم ([16][33]).

4- قضت المحكمة الدستورية العليا المصرية بأن: مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات، وإن اتخذ من ضمان الحرية الشخصية بنيانا لإقراره توكيده، إلا أن هذه الحرية ذاتها هي التي تقيد من محتواه، فلا يكون إنفاذ هذا المبدأ لازمًا إلا بالقدر وفي الحدود التي تكفل صونها In Favorem ولا يجوز بالتالي إعمال نصوص عقابية يسيء تطبيقها إلى مركز قائم لمتهم، ولا تفسرها بما يخرجها عن معناها أو مقاصدها. ولا مد نطاق التجريم، وبطريق القياس، إلى أفعال لم يؤثمها المشرع ([17][34]).

5- قضت المحكمة الدستورية العليا المصرية بأن: النطاق الحقيقي لمبدأ شرعية الجرائم والعقوبات، إنما يتحدد على ضوء ضمانتين تكفلان الأغراض التي توخاها: أولاهما: أن تصاغ النصوص العقابية بطريقة واضحة محددة لا خفاء فيها أو غموض فلا تكون هذه النصوص شبكا أو شراكًا يلقيها المشرع متصيدًا باتساعها أو بخفائها من يقعون تحتها أو يخطئون مواقعها، وهي بعد ضمانة غايتها أن يكون المخاطبون بالنصوص العقابية على بينة من حقيقتها فلا يكون سلوكهم مجافيا لها، بل اتساقًا معها ونزولاً عليها.

ثانيتهما: ومفترضها أن المرحلة الزمنية التي تقع بين دخول القانون الجنائي حيز التنفيذ وإلغاء هذا القانون، إنما تمثل الفترة التي كان يحيا خلالها، فلا يطبق على أفعال أتاها جناتها قبل نفاذه، بل يتعين أن يكون هذا القانون سابقا عليها La Ioi Prealable فلا يكون رجعيًا ([18][35]).

6- قضت المحكمة الدستورية العليا المصرية بأن: إن مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات، غدا أصلًا ثابتًا كضمان ضد التحكم فإلا يؤثم القاضي أفعالا ينتقيها، ولا يقرر عقوبتها وفق اختياره إشباعًا لنزوة أو انفلاتًا عن الحق والعدل وصار التأثيم بالتالي، وبعد زوال السلطة المنفردة، عائدًا إلى المشرع، إذ يقرر للجرائم التي يحدثها، عقوباتها التي تناسبها([19][36]).

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد